attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > مـنبـر اﻵراء > المجتمع المدني التونسي من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى نهاية الحكم (...)

المجتمع المدني التونسي من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى نهاية الحكم البورقيبي

الأربعاء 28 نيسان (أبريل) 2010

قرأت بكل انتباه مقال الباحث الجامعي عبيد خليفي بعنوان" نزيف المجتمع المدني التونسي" الصادر بالطريق الجديد عدد 176 و الذي ركز فيه على التعاطي السلبي للسلطة مع مكونات المجتمع المدني في الفترة الحالية.

ولئن اتفق تماما مع ما جاء في هذا المقال من رصد لتراجع دور المجتمع المدني بسبب ما يسلط عليه من ضغوطات ومن انتهاكات، ولن أعود إلى هذا الموضوع، فإنني لا اتفق مع السيد عبيد خليفي في دعوته إلى تجميع الأحزاب و المنظمات والشخصيات الوطنية المعنية بالشأن العام وتوحيد الجهد لفك الحصار. فمنطق تجميع كل من هب ودب وضعهم في زورق "قلقامش" ذلك المزارع البابلي من كل زوجين اثنين هو حل مغلوط باعتبار اختلاف منطلقات هذه الأطراف. وسأركز هنا على المبادرة التي انطلقت قبل الانتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2004 والتي تتواصل اليوم في شكلها الجديد وتحا لفاتها التي ما انفكت تتوسع .

كان واضحا لرواد هذا التحالف الواسع أن أسس التقارب ارتكزت على مبدأين متلازمين الديمقراطية والحداثة. هذه الأسس لم تكن وليدة بداية القرن الحالي بقدر ما كانت متأصلة في المجتمع المدني التونسي منذ فترة الاستعمار الفرنسي لبلادنا. ويجرني ذلك إلى الحديث عن المجتمع المدني التونسي قبل الاستقلال وفي فترة الحكم البورقيبي. لقد ساهم المجتمع المدني التونسي الحزب القديم والحزب الشيوعي والحزب الجديد والجمعيات كالكشافة والهلال الأحمر والجمعيات الثقافية والنقابات كاتحاد الشغل واتحاد عملة القطر التونسي واتحاد الفلاحين واتحاد الصناعة والتجارة واتحاد الطلبة منذ 1953 وغيرها في النضال ضد السياسة الاستعمارية وذلك بفضل نضجه السياسي والفكري ووعيه العميق بحقوقه وواجباته.

ولا ننسى دور المرأة في هذا المجال التي لعبت قبيل الاستقلال دورا توعويا متقدما جدا من خلال جريدة"الإلهام" مثلا والتي كانت تصدرها الآنسة فاطمة علي سنة 1955والتي قامت باستفتاء حول تحرير المرأة ووجهت نتيجة ذلك الاستفتاء إلى القيادات الوطنية في البلاد يومئذ بالإضافة إلى ذلك كان الاتحاد النسائي التونسي برئاسة نبيهة بن ميلاد يحتفل باليوم العالمي للمرأة ويوجه لوائح إلى السلط الفرنسية للتنديد بالإجراءات البوليسية التي تمنعهن من حق الاجتماع وحق التعبير وهو ما دفع "ريمون بونس" السكرتير العام للإقامة الفرنسية إلى التصريح متحدثا عن الجيل الجديد من التونسيات "إن الحيوية والثبات الذي منحته النساء هو دليل على ان هناك ضميرا وطنيا حقيقيا". ومعنى ذلك أن القيادات الوطنية أينما كانت في جمعيات أو في أحزاب ونقابات وغيرها قد راهنت على المرأة ودورها الفاعل في النضال السياسي والفكري التونسي.

كما امن رواد المجتمع المدني التونسي وبعمق بالتعددية وبالاختلاف في الرؤى واحترام أراء واجتهادات الطرف الاخرالذي أصبح القاعدة الثابتة للنخبة التونسية وهذا يعتبر تحولا دقيقا للرأي العام التونسي . كما آمن الوطنيون في تلك الفترة بالديمقراطية ويظهر ذلك من خلال إرساء نظام حكم يكفل للشعب ممارسة السلطة وكذلك في احترام حقوق الإنسان والمواطن. كما تم التركيز على مسالة التقدم الاجتماعي من خلال تمكين التونسيين من حقهم في التعليم والصحة والشغل والسكن - والحق يقال ان دولة الاستقلال عملت على تجسيمها- دون أن ينسى الوطنيون مسالة الحداثة والانفتاح على الثقافات الأجنبية والإيمان بوحدة الصف المغاربي والعربي.

هكذا بلور رواد المجتمع المدني التونسي المشروع الوطني الديمقراطي والحداثي من خلال مساهماتهم في الصحافة لاسيما وان في الفترة الممتدة بين 1943 و1956 تم نشر 145 دورية وبين 1951 و1956 صدرت 56 جريدة وهي أرقام تترجم غزارة الإنتاج الإعلامي والصحفي الذي قام به الوطنيون لتحطيم الإيديولوجيا الاستعمارية والإيديولوجيا القروسطية. ولكن لم يقتصر دور المجتمع المدني على بلورة الأفكار والقيم الديمقراطية والتقدمية والحداثية، بل كان لمكونات المجتمع المدني دور ميداني في مواجهة المستعمر.

فقد تم تكوين العديد من اللجان مثل لجنة السلم والحرية عام 1949 والتي ترأسها سليمان بن سليمان وضمت العديد من الوطنيين دستوريين وشيوعيين ومستقلين. وللتذكير فقد تم رفت بن سليمان من الحزب الجديد بعد أن فشلت محاولات بورقيبة لإقناعه بالانسلاخ من لحنة السلم. كما قام الشيوعيون في فيفري 1952 بإنشاء لجنة الدفاع والتضامن الإنساني والتي تهدف الى تقديم العون المادي والأدبي للمساجين السياسيين وعائلاتهم. كما شارك اتحاد الشغل مع المنظمات الديمقراطية والجمعيات الثقافية في إنشاء "لجنة الحركة للدفاع عن حرية الصحافة". هذه الحركية تترجم مستوى النضج السياسي الذي وصل إليه المجتمع المدني التونسي قبل الاستقلال.

تلك هي بعض سمات المجتمع المدني التونسي قبيل الاستقلال، لكن كيف تصرفت حكومة الاستقلال مع هذا المجتمع المدني؟ هل تم تركيز واحترام حرية الرأي والحساسيات والثوابت والاجتهادات للأطراف المكونة للمجتمع المدني؟ قطعا لا، اذ أصبح الحزب الجديد الحزب الحطام يتميز اثر الاستقلال، وأساسا مواقف زعيمه بورقيبة، بالتصلب. هذه المواقف المتصلبة تتعارض تماما مع طبيعة المشهد السياسي التونسي الذي اثبت نضجه وإيمانه بالتعددية وقبوله لها بل ودفاعه عنها. ومن بين مظاهر هذا التصلب نذكر:
- لم يعد للحزب القديم أي وجود قانوني كما سلب مناضلوه حق الفعل السياسي.
- منع الحزب الشيوعي من أي نشاط سياسي علني منذ 8 جانفي 1963 ومنع صحافته ومضايقة مناضليه.
- اغتيال صالح بن يوسف في ألمانيا.
- ضرب الاتحاد العام للفلاحة التونسية وسجن العديد من مناضليه وقيادييه وتعويضه بالاتحاد القومي للفلاحين سنة 1956.
- إقالة احمد بن صالح من الأمانة العامة لاتحاد الشغل واحتواء قياداته النقابية وبالتالي احتواء الاتحاد العام التونسي للشغل.
- 1964 بداية نظام الحزب الواحد، وسيطرة الحزب على كل مكونات المجتمع المدني التي تحولت إلى خلايا حزبية.
? تركيع الاتحاد العام لطلبة تونس بطرق غير ديمقراطية انقلاب قربة 1971.
- محاكمة قيادييي أفاق)برسبكتيف( ومناضلي الحزب الشيوعي عام 1968 ومحاكمة مجموعة من مناضلي العامل التونسي ومحاكمات الطلبة سنة 1972 و1974.
- تعرض مئات الجمعيات الثقافية والصحافة الوطنية والكشافة التونسية بعد الاستقلال مباشرة إلى المراقبة، الأمر الذي أدى إلى انحسارها وغيابها الفكري والسياسي.
- أصبح المشهد الصحفي محوره الأساسي الرئيس بورقيبة وصوره وخطبه وتنقلاته داخل وخارج الوطن.

ان هيمنة الحزب الحاكم بقيادة بورقيبة على مكونات المجتمع المدني قد ادخل الدولة
البورقيبية في مخاطر النزعة الديكتاتورية المشطة والتي كانت لها تداعيات سلبية جدا. هذا الوضع أدى إلى ظهور معارضة ديمقراطية في صفوف الطلبة والمثقفين وداخل الحزب الحاكم نفسه، تنادي بإطلاق الحريات واحترام الدستور. ومنذ ذلك التاريخ بدأت تتبلور على الساحة السياسية مشاريع سياسية متباينة منها السلفية، والمتمثلة في حركة الاتجاه الإسلامي، والكل يعلم دور السلطة في بروزها، والنهضة فيما بعد والتي تحشر الدين في السياسة أي تحشر المقدس في المدنس وهذا ما يؤكده بيان راشد الغنوشي الصادر في 14 افريل 2010 تحت عنوان"تطبيق الاسلام وخطر الحل العلماني". وهذا ما يعارضه التيار الديمقراطي التقدمي والحداثي والمتمثل في مكونات المبادرة الوطنية من اجل الديمقراطية والتقدم كحركة التجديد وحلفائها والتي تعتبر نفسها امتدادا لحركة الإصلاح التونسية التي انطلقت منذ القرن التاسع عشر مع خير الدين باشا والجنرال حسين وابن أبي الضياف وغيرهم. ومحمد علي والطاهر الحداد في بداية القرن 20. واليوم تجد المبادرة نفسها تناضل من اجل الحفاظ على المكاسب الحداثية التي تحققت والحق يقال في العهد البورقيبي، كمجلة الاحوال الشخصية التي ركزت على حرية المرأة ومنع تعدد الزوجات، اضافة الى الانجازات الاخرى في ميداني التعليم والصحة، ومن ذلك تطويرها في زمن أصبحت فيه هذه المكاسب مهددة. ولهذا ترفض المبادرة التحالفات المشبوهة والهشة ولنا في التاريخ أمثلة معبرة عما آلت إليه مثل هذه التحالفات غير المبدئية.

منير زعتور

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose