attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > هــمـسة وغـمـزة > يسألونك عن الدروس الخصوصية ...!

يسألونك عن الدروس الخصوصية ...!

السبت 19 تموز (يوليو) 2008

علي بية

8 جوان 2008

[vert fonce]سألوني عن ظاهرة الدروس الخصوصية في مدارسنا الإبتدائية والإعدادية، وفي معاهدنا الثانوية، وحتى في بعض مؤسساتنا الجامعية.

سألوني عن دور هته الدروس التي انتشرت في المدن وحتى في بعض القرى، وأضحت تحتل مكانا مرموقا بين المشاغل العائلية.
[/vert fonce]

لقد برزت هته الظاهرة في منتصف السبعينات من القرن الماضي، مع بداية تحرير الإقتصاد وترجيح كفة الأرباح المالية، على حساب ما كان يسمى الروح الوطنية، والتضحية في سبيل بناء دولة الاستقلال الفتية.

بدأت الظاهرة إذا بصورة محتشمة بين أبناء الميسورين، ثم اتسعت وانضم لها البعض من أبناء الطبقة الوسطى المحضوضين، لكنها امتدت بمرور السنين كالنار في الهشيم، ولم يسلم من لهيبها حتى الفقراء المساكين. وأصبح الولي يضحي بضروريات الحياة ليدفع مقابل هذا الفيروس الحديث، وهو غير شاكر لهؤلاء المدرسين.

سألوني هل أن هته الدروس تساعد على تقدم التعليم في بلادنا، وعلى تحسين المستوى المعرفي لأبنائنا، وهل هي قدر محتوم لا تستقيم الحياة بدونه ولا مفر منه لبلوغ أهدافنا؟

سألوني عن كل ذلك، فأجبت أنه نفق مظلم، انجر له الولي والتلميذ والأستاذ والمعلم، وتردد المسؤول بين لغة رافضة وأيد مكتوفة ولاشك أنه بكل الأمور يعلم، فهو يحذر في كل المناسبات ويعد بأن يقاوم التجاوزات بعزيمة من حديد، لكن عينه تنفتح هنيهة لتعود وتغمض من جديد.

إنه لنفق مظلم يا سادتي، فالتلميذ البريء تعلم الاتكال والتكاسل منذ سنواته الأولى في التعليم، فهو ينتظر الخلاصات المريحة من مدرسه الخاص ولا يهتم إلا بالإجابات الضرورية لنيل ما تيسر من الأعداد التي يتبرع بها سيده الكريم. ولا يحسن حتى تصفح الكتاب المدرسي ولا ضرورة عنده للإنتباه ولا للتركيز في القسم فهو يقضي أوقاته خفيفا كالنسيم.

لقد ساهم الدرس الخصوصي في خلق نمط جديد من الشباب فاقد القدرة على التفكير والمبادرة والإعتماد على النفس ويعيش بالمنشطات، ولا يحسن التأليف ولا النقد فهو يتلقى جرعات من المعلومات تتبخر مباشرة إثر الإمتحانات.

جيل يحمل أوهام الشهائد دون أن يملك ما تتطلبه من كفاءة ذهنية ومعرفية، ولا غرابة في ذلك فقد عاش حياته المدرسية محفوفا بالمرضعات، ولا يستطيع أن يخطو خطوة واحدة مدروسة دون ملقن يساعده ولم يسمع قط كلمة الإعتماد على الذات. فهكذا تكون الدروس الخصوصية تواطؤا سلبيا مسكوتا عليه بين الولي والأستاذ والإدارة وكل من له بشؤون التعليم صلات. والضحية هو الشباب الذي يتخرج من المعاهد العليا والجامعات، ثم يتيه في سوق الشغل المفعمة بالمخاطر والمنعرجات، ولن يجد آنذاك سيدنا الملقن المنقذ الذي طالما أطعمه السمك لكنه لم يعلمه يوما كيف يصطاد ولا كيف يصنع لنفسه قارب النجاة.

هكذا يدفع شبابنا ضريبة أخطائنا حين لم نعوده منهجية البحث ولم نغرس فيه عقلية المثابرة ومجابهة كل الإحتمالات.

أما البعض من زملائي المربين الذين هم بهذا النشاط مهتمون، ولأدق أخبار البورصة وقيم الأسهم متابعون، فليعذروني إن قلت أنهم ولا شك من هذه الدروس مستفيدون، ولبعض الأموال يجمعون، لكنهم في أغلب الأحيان يقومون بهذا العمل على حساب مردودهم في القسم وعلى حساب راحتهم وهم دوما مرهقون.

ولا فائدة في الكلام عما يصاحب عملية الدروس الخصوصية من تجاوزات، فهي حديث الخاص والعام، في المقاهي والشارع وفي كل المناسبات، كالضغوط التي تمارس على التلامذة وإسناد الأعداد لمن لا يستحقها وغير ذلك من تلك التفاهات.

سألوني عن نهاية هذا النفق، فأجبت أن الدروس الخصوصية هي البوابة الطبيعية لسلالة جديدة من المدارس الخصوصية، والتي بدأت تظهر فعلا لتضم تلامذة المرحلة الأولى من الدراسة الأساسية، ومما سيشجع على انتشار هته المدارس هو أن الولي الذي تعود الآن على دفع أموال طائلة شهريا، وبدرجات متفاوتة، مقابل دروس الفيزياء والرياضيات والإعلامية والتقنية والإقتصاد والتصرف والطبيعيات، وقد يصل الأمر إلى طلب النجدة حتى لدراسة الفلسفة واللغات. هذا الولي قد يفضل مستقبلا أن يسجل إبنه في مدرسة خاصة أين يدفع مبلغا واحدا قد يكون أرفق ومقابل كل الخدمات...وستكون حتما هته المدارس الجديدة متفوقة عن المدارس الحكومية من ناحية مستوى التعليم والنتائج والتجهيزات.

وربما لن يبقى في مؤسساتنا العامة التعليمية، إلا الأبناء الذين يتردد آباؤهم وأمهاتهم على المستوصفات العمومية.

لكن كل هته التحولات ستكون حتما بطيئة وعلى حساب أجيال ستنشأ مختلة التكوين والقدرات، وسنبقى كالعادة نأسف ونسترجع الذكريات... فأين الرأي العام وأين أحزاب المعارضة وأين النقابات ؟؟؟؟؟

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose