attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > هــمـسة وغـمـزة > النسمة البرلسكونيّة و"كلسون" فوّاز

الصندوق الأسود

النسمة البرلسكونيّة و"كلسون" فوّاز

الجمعة 5 آذار (مارس) 2010, بقلم Tawfik Ayachi

منذ أن ولّى زمن سوق عكاظ، لم تشهد أرض "الأمّة الواحدة" ما يشبه رحاب هذا السوق في رُقيّ منابر الغوغاء التجاريّة والمنتديات الاجتماعيّة الفوضويّة التي كان الأسلاف يعكظون فيها بعضهم البعض، أي يفاخرون على بعضهم البعض أو يتخاصمون لغويّا فيتراشقون بالشعر والحُجج العقليّة والتاريخيّة، وتتواصل حلقات الجدل والمفاخرة لديهم حتى تبُحّ الأصوات ويأفل بريقها، فتكون الغلبة عادة لمن ينجح في رفع صوته فوق أصوات الجميع ومن كان الأقدر على الجعجعة اللغويّة والحذلقة والصنعة الشعريّة .

منذ ذلك الوقت أصبحت تسمية سوق عكاظ تُطلق على جميع المنابر الحواريّة التي تسودها الفوضى ويفشل فيها حُرّاس آداب الحوار على حفظ الأمن اللغوي أو إلزام المتدخلين باحترام أصول النّقاش وحدود القانون واللياقة والأدب، وقد كان العرب خير الأوفياء لإرث أسلافهم في احتراف الجعجعة في المنابر الإعلاميّة، خاصة بعد تهافت وسائل الإعلام العربيّة على التقليد الأعرج للحصص الحوارية المباشرة التي تعرف عند مبتكريها "الأنغلوسكسونيين" بتسمية "تولك شوو" أي البرامج الحواريّة التي تجمع عدّة أشخاص يتناقشون حول مواضيع آنيّة من زوايا نظر تبسيطيّة سهلة الاستيعاب من طرف المشاهد أو المستمع البسيط (نقيض المُثقّف المُركب أو المُعقّد). على أن تتميّز النقاشات في هذا الجنس من البرامج بجرأة الطرح والانتقاد الصّريح لكل ما يقع تداوله من مواضيع.

وهو نموذج غربي ينسجم مع حجم الجرأة والحريّة المتاح للإعلام لكي يخوض في جميع المحظورات السياسيّة أو الاقتصادية أو الاجتماعيّة، والتطرّق الى أحداث اليوم دون كبّالات أو "شُنقال" سياسي ينتهي بصاحبه إلى مستودع حجز لا يبعد كثيرا عن مستودع الحجز البلدي بنهج "علي درغوث" أو مستودع "لافايات" مع الاختلاف الكبير في جودة الخدمات المقدّمة في مستودعات "الحجز الفكري" من حلاقة المضامين وتشذيب المعاني.

جميع هذه الاعتبارات جعلت من عملية اقتباس هذا النوع من البرامج في قناة "نسمة" التي توهّم بعض البيضاويين (نقيض السوداويين) أنّها ستهلّ لتجلي عنّا "الغُمّة" الإعلاميّة التي لازمتنا على امتداد عقود من الزّمن، يتميّز بتشوّهات كبيرة وتمثّلات عرجاء لمفهوم الجرأة الإعلامية، التي لم تتعدى في أذهان أصحاب هذه القناة حدود الإيحاءات السُّفليّة والمُعجم الإباحي المتداول في حظائر البناء وبين روّاد الخمارات الشعبيّة بعد أن يتعتعهم السكر، إلى جانب الترميز الجنسي الفجّ الذي يلوكه اللسان العامي في الشارع التونسي، في محاولة للإيهام بدخول عصر حداثيّة الخطاب الإعلامي من بابه السُّفلي.

فكلّ من يشاهد عُكاظيّة "ناس نسمة" تلك الحصّة المباشرة التي أراد لها أصحابها أن تحاكي نموذج الـ"تولك شوو" المتداول في التلفزات الغربيّة، يلحظ تلك العاهات الكبيرة التي يعاني منها أصحاب الفكر والتصوّر في هذا البرنامج وما يقع تقديمه على أنّه خطاب إعلامي جريء وحداثي يتخطى حدود المسكوت عنه ويلتهم "التابوهات" المُحصّنة. فيُصبح الخوض في مسألة قياس ولون وما تحت وما فوق "كلسون" منشّط الحصّة باستعمال أسلوب الغزل المتداول في بعض مدوّنات "أدب المراحيض" علامة لجرأة المضمون، أو يُصبح التغني بمحاسن الملابس الداخليّة النسويّة وموديلاتها وعشق بعض منشطي الحصّة لـ"السترنقيهات" شارة لتطوّر الخطاب الإعلامي في البلاد، أو تناول موضوع التربية الجنسيّة والتطرّق إلى ثقافة منع الحمل باستعمال ايماءات تقدّم العازل الذكري على أنّه وسيلة لتحقيق معادلة "لا تدخّل ايدك للمغاغر لا تلسعك الحنوشة.." أو " المقاربة الرياضيّة السوقيّة لظاهرة عدم استعمال العازل الذكري التي تختزل العملية الجنسية في صورة "الكرة التي تمزّق الشباك" أو "تسييب الماء على البطيخ ..والتفليح طول.." وغيرها من المقاربات السوقيّة المُقززّة التي تنحدر بالخطاب الإعلامي إلى حضيض السّماجة اللغويّة الشعبويّة.

انّ ما تقدّمه هذه القناة في بعض موادها الهجينة، وبعيدا عن أيّ أحكام أخلاقوية، لا يمكن تصنيفه الا في خانة ما يمكن وصفه بـ "الجرأة السفلى"، تلك التي يجنح إليها كلّ من أراد الاستعاضة عن واقع الانغلاق الإعلامي وعجزه عن الإسهام في تطوير جرعة حريّة النقد والتعبير المسموح به في قضايا الشأن العام المتعلّقة بالسياسة والمجتمع والاقتصاد وغيره من المسائل الحيويّة التي تؤرّق المواطن، وذلك بالهروب إلى خطاب الإثارة الغرائزيّة المتعلقة بالنصف الأسفل والإطلاق الاعتباطي للمصطلحات الإيحائيّة الجنسيّة في مختلف فقرات البرنامج والتحرّش بحدود المحاذير الاجتماعيّة والثقافيّة للنّاس واستفزاز الخطاب المحافظ قدر الإمكان لجلب الاهتمام، سواء السلبي أو الايجابي: كأن يتدحرج بذلك اهتمام احدى مُنشّطات البرنامج (زوجة المُعد) إلى ما تحت "كلسون" فوّاز (المُنشّط الرئيسي) متوهّمة أن لونه الأحمر هو إحالة على الخطوط الحمراء التي تطوّق المضامين الإعلاميّة، وأنّ الحديث عن طوله وعرضه هو عمليّة استعراض (ستربتيز) جريئة في حقول من المحظورات، أو أنّ الحديث عن "الثولال" في ابط "فوّاز" النّاصع، هو من قبيل البهارات الطريفة التي ستنجح في جعل المشاهد يغمّس مرارة الخطاب واستفزازه للذائقة العامة بالضّحك الذي تُثيره دغدغة الإبط أوأسفل البطن أو غيره من الأعضاء التي رصدتها الطبيعة للتناسل، فاعتمدتها "نسمة" شعارا للجرأة والحداثة.

ومن المُؤكّد أن السيّد طارق بن عمّار وشريكة برلسكوني، الذي نبّه أثناء حضوره إحدى حصص القناة من مغبّة الانزلاق في الخطاب الاستفزازي الذي يثير حفيظة العائلة المغاربيّة ويزعزع حواجز الحياء المرسومة بين أفرادها، هما على دراية كبيرة بمضامين هذا الجنس من البرامج وأدبيّات تناوله في وسائل الإعلام الغربيّة وطبيعة المضامين التي يتطرّق إليها وطريقة الطرح وجرأة المعالجة والحدود التي تتوقّف عندها قابليّة المتلقي التونسي أو المغاربي لاستساغة هذا النوع من الخطاب، الذي يتخبّط في دائرة الإسفاف المجاني، إلى جانب وعيهم التام بالتشوّهات التي تحتويها نسخ برامجهم وانحدار مضامينها لتعلق في تشعّبات الملابس الدّاخليّة للمستر "فوّاز".

فقد عجزت هذه القناة منذ تاريخ بعثها عن الاهتداء إلى هُويّة تحريريّة واضحة لذلك جنحت الى محاولة الهرولة لركوب جميع المتغيّرات السلوكيّة التي طرأت على الشّارع التونسي وغيره من المجتمعات المغاربيّة، والقفز على التابوهات التقليديّة المتعلّقة بـ"مُحرّمات" الجنس أو بعض العناصر الثقافيّة والدينيّة بطريقة مستفزّة أثارت خلال الفترة الأخيرة حفيظة عدد كبير من متابعيها على اختلاف قناعاتهم وخلفيّاتهم الفكريّة ومنسوب محافظتهم أو تحررهم.

ولعلّ أبرز ما يدلّ على حجم تهافت هذه القناة وارتهانها الى أنساق الأذواق العاميّة المتقلّبة دون تحديد لوجهة خطابها هو اعتمادها مؤخّرا أسلوب التعليق الرياضي الشوفيني الموغل في التعصّب والانفعالات "الوطنيّة" المفتعلة والتي بلغت حد التهجّم على الفريق الخصم واستعمال اللسان العامي المنفلت في وصف مجرياة المباراة بنسق يثير الاشمئزاز والعربدة التعليقيّة الصّاخبة التي عُرفت بها بعض مدارس التعليق الرياضي المشرقي، وهي من أكثر المدارس إثارة للجدل والانقسامات بين الشّعوب، بسبب ما تثيره من مضاعفات حساسيّة بين المجتمعات تتخطى حدود أخلاق الرياضة وآداب المنافسة. ولعلّ هذا الاختيار يعكس بوضوح الاضطراب الكبير في تحديد توجّه القناة إلى جانب الوهن المهني الواضح للقائمين عليها.

انّ مراهنة أصحاب هذه القناة المُتعثّرة على اقتحام السّوق الإعلامي اعتمادا على خطاب الإثارة المستفزّ، لا يمكن الا أنّ يعمّق عزلة القناة بمرور الزّمن لأنّ ما حصّلته برامجها إلى حد الآن من نسبة متابعة لا يتعدى في تفسيره حدود رغبة المتلقي في اكتشاف خطاب جديد يستجيب الى بعض النزوات المتوثّبة داخله.. خطاب يحاكي في تأثيره ما تحدثه المواد المُخدّرة من نشوة زائفة ومؤقّتة لدى المقبلين عليها إضافة إلى ما تورثه لمدمنيها من تدهور في المدارك العقليّة وترهّل في الفكر والتّصور والذاكرة...

ومن المهم التأكيد على أنّ دعوة أصحاب هذه القناة الى المراجعة الجذريّة للمضامين المقدّمة لا يتنزّل في سياق الحملة التي تقودها بعض القوى المتحفّزة والداعية إلى إيقاف هذه القناة ورميها بالصهينة والتآمر على "هويّة الشعوب المغاربيّة" أو التلميح الى خلفيّتها "الميردوخيّة"، وذلك يعود، ببساطة، الى أنّ ما تقدّمه القناة لا يرتقي الى مستوى الوعي بالمؤامرة والتربّص بثقافة المتلقي، بل هو مجرّد غيبوبة احترافيّة وانحراف مهني وجب المسارعة بتقويمه لكي تساهم هذه القناة في الارتقاء بالصناعة الإعلاميّة و الانحياز إلى الدور الحقيقي للإعلام، حتى وان جنحت إلى التوجّه الترفيهي الاستهلاكي، وحتى لا تتواصل فوضى سوق عكاظ التي تسود بعض برامجها، مع حفظ الفوارق طبعا بين المبارزة الشعريّة الراقية في أيّام السّوق وبين ملزومة "كلسون" فوّاز التي لا تلزم سوى صاحبتها.

توفيق العيّاشي

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose