attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > مـنبـر اﻵراء > تجربة المؤتمر الوطني الموحد للاتحاد العام لطلبة تونس: تجربة نحو البناء، أم تجربة (...)

وجهة نظر

تجربة المؤتمر الوطني الموحد للاتحاد العام لطلبة تونس: تجربة نحو البناء، أم تجربة لمزيد تعميق الأزمة؟

الثلاثاء 9 شباط (فبراير) 2010

 
 
شهدت الجامعة التونسية في العشرية الأخيرة تزايدا مطردا لعدد الطلبة حتى أصبحنا اليوم أمام ما يقارب عن 370 ألف طالب، وفي المقابل لم يواكب هذا الانفجار العددي اصلاحات جوهرية على مستوى البنية التحتية .سكن، تغطية اجتماعية وصحية، نقل، ثقافة... الخ. الأمر الذي خلق اخلالا توازنيا بين عدد الطلبة من جهة وبين حاجياتهم ومتطلباتهم من جهة ثانية حتى ينعموا بحياة جامعية سليمة ومتوازنة، اضافة الى المشاريع المسقطة عن الجامعة الواحدة تلو الأخرى، الأمر الذي عقّد المشهد الجامعي وزاد في تعميق الأزمة، حتى أصبح الفضاء الجامعي بكل أبعاده محل تذمر، سواء لدى الأساتذة أو الطلبة أو لدى الاداريين وكل المهتمين بالشأن الطلابي.

ولما كان الاتحاد العام لطلبة تونس المنفذ الوحيد لاختزال مطالب ومشاغل عموم طلبة تونس، نجده هو الآخر منعزلا عن جماهيره، تستقطبه صراعات جانبية لا تمت بأي صلة للمشهد الطلابي، نظرا لارتهانه لسنوات خلت بيد مجموعة سياسية سعت عبر جملة من المؤتمرات الى عدم الانفتاح على بقية مكونات الحركة الطلابية والحفاظ على ادارة الصراع من خارج هياكل المنظمة الطلابية بدل أن يكون من داخلها. وعوض أن تعبر المنظمة الطلابية عن مطالب ومشاغل منظوريها، اقتصر دورها على فضح خيارات هذه الأطراف في محاولات السطو على الاتحاد وتوظيف هياكله لمناح تنأى به عن دوره النقابي الطلابي، وعلى خلفية هذا الصراع تفاقمت الهوة بين هياكل الاتحاد العام لطلبة تونس وبين منظوريه، حتى باتت الفضاءات الجامعية مرتعا للعنف والخطاب التجريمي والتخويني، والأخطر من ذلك أن يتحول العنف اللفظي الى عنف مادي تتقاسمه معسكرات طلابية لم يتم استقطابها عن طريق رؤى وبرامج وتصورات تهم المنظمة والجامعة بقدر ما تم تجنيدها عن طريق تصوير الآخر على أنه الجحيم المطلق والأنا المستقطبة الخير المطلق..

وأمام حالة التدني والتقهقر لكل مكونات المشهد الطلابي، سواء من لا مبالاة الطالب وعزوفه المطلق حتى عن الدراسة، أو سواء من جهة انعزالية المنظمة الطلابية والاطراف السياسية، اضافة الى انغلاق باب الوزارة وهياكلها أمام الكل واعتمادها سياسة التهميش ورفض مبدإ الحوار.. دافعة بالمشهد الطلابي والجامعي الى الأقصى، فكان لا مناص أمام هذه المكونات إلا بتوحيد طاقاتها داخل هياكل الاتحاد العام لطلبة تونس واخراج المنظمة الطلابية من عنق الزجاجة، فوضع الجميع نصب أعينهم انجاز مؤتمر موحد والعمل على ادارة الخلفيات السياسية داخل الهياكل لا خارجها، كما اقتنع الجميع بأن عبء الجامعة قد زاد عن حده ولا يمكن لأي كان أن يتحمل بمفرده هذا العبء إلا بتوحيد كل الجهود وكل الطاقات الشبابية لتستعيد المنظمة دورها الطبيعي، بروح بناءة وغيورة على الاتحاد العام لطلبة تونس باعتباره مكسبا وطنيا أمد البلاد والحركة الديمقراطية بخيرة الكفاءات الوطنية. انخرط الجميع في مشروع هيكلة المنظمة الطلابية على قاعدة التمثيل النقابي مقدرة في الآن نفسه قوانين المنظمة وتوجهاتها، فرفعت شعارات لهذا الغرض من قبيل.

- المؤتمر الوطني الموحد ضرورة وليس خيارا
- ضرورة الفصل بين الانتماء التنظيمي والانخراط صلب هياكل المنظمة
- العمل على مأسسة هياكل الاتحاد العام لطلبة تونس
- استقلالية الهياكل من استقلالية قراراتها
- لا للمحاصصة السياسية، نعم للتمثيل النقابي

وكانت هذه الشعارات أهم المقومات التي رسمت الملامح العامة لاعداد المؤتمر الموحد بين كل المكونات والحساسيات الفكرية، ومع أول فرصة لترجمة هذه المبادئ على أرض الواقع الا وطفا الخلاف مجددا على السطح، فكان أن شهد المشروع ومع أواخر السنة الجامعية 2006 أول بداية تعثر في صفوفه، فانشق عنه مكون وهو من أهم مكوناته، وبموجب ذلك تواصل المشروع وهو متعثر الانجاز، وبدل أن يدافع على بناء المنظمة واستعادة ألقها داخل الجامعة والبلاد، أصبح يدافع عن تماسك المشروع وعدم انخرامه من الداخل، ومنذ انطلاق بعث اللجان الجزئية للاعداد للانتخابات القاعدية للمؤتمر الوطني الموحد، سجلنا بعض الأخطاء التي تبين لنا فيما بعد أنها من بين الأسباب الجوهرية في تعثر المشروع التوحيدي للمنظمة الطلابية وأهمها.

- 1 غياب المعالجة الديمقراطية والسقوط في دائرة الفعل ورد الفعل.
- 2 بتعلة الحياد، الحركة الديمقراطية لم تساهم بايجاد مخارج حقيقية للأزمة التي يمر بها الاتحاد العام لطلبة تونس.
- 3 تعاطي الأطراف السياسية والحساسيات الفكرية مع المنظمة على أنها فرصة للتموقع لا للبناء.
- 4 تعاطي سلطة الاشراف مع المشروع تعاطي الصد واللامبالاة.
- 5 مشروع التوحيد لم يكن ضرورة طلابية بقدر ما كان فرصة سياسية.

وبخصوص السبب الأول نجد أن طبيعة المرحلة قد كانت مشحونة بالضيم والانفعال لما مورس في حق بعض قياديي المنظمة الطلابية من اعتداء على صفاتهم والزج بهم في معارك متناقضة الأبعاد، اذ لا يجوز أن تنخرط في المشروع ونقيضه في الآن نفسه، فلم يكن أمامهم من خيار إلا التمسك بمشروع الوحدة والالتزام بجملة الاتفاقيات والمخارج المرسومة من قبل الجميع لبناء وحدة المنظمة الطلابية، فآل بهم الأمر مثلهم مثل بقية المكونات الذين تعاملوا مع الوضع على أنه فرصة تاريخية لرد الاعتبار لذواتهم ولما مورس في حقهم من اقصاء لمؤتمرات عدة وبذلك سقط الجميع في دائرة الصراع القائمة أركانه بين مدافع للتوحيد وبين رافض له وهي عقلية تتعارض والمبدأ الديمقراطي، اذ بدل أن تفتح مبادرات حقيقية وحوارات وطنية تمنح أكثر ما يمكن من الفرص سواء لهذا أو لذاك لمزيد تنسيب المسائل وايجاد المخارج الكفيلة بمواصلة هذا المشروع، تغلق كل أبواب الالتقاء والحوار البنّاء ليعلن الجميع حالة الحرب وتزداد حدة الصراع سنة بعد سنة وبموجب ذلك انسدت كل الأفق المأمولة للصلح ومواصلة المشروع سواء عن قصد أو عن غير قصد، وهي نقيصة ضرورة تحيينها واعادة النظر فيها بكل عمق.

ومثل هذا السبب رافقه بشكل تلازمي سبب ثان وهو عدم وقوف الحركة الديمقراطية ومكوناتها الى جانب هذا المشروع للادلاء بدلوها ومساعدة المنظمة الطلابية على الخروج من دائرة الأزمة، اذ بتعلة ملازمة الحياد لم تساهم كل مكونات المجتمع المدني حتى لو قيد أنملة في التدخل لمزيد تعميق وجهات النظر وتقريب الرؤى والتصورات والانخراط في مشروع وطني يكون على مرأى كل الحراك الديمقراطي لاستعادة المنظمة الطلابية دورها الطبيعي داخل الجامعة والبلاد باعتبارها مكونا أساسيا من مكونات هذا المجتمع ولأنها صاحبة فضل في منح هذا المجتمع المدني خيرة الكفاءات والاطارات وكذلك لها دور تاريخي هام في حق الشباب ونحت شخصياتهم ومسايرة الواقع وتطوراته والتصدي لكل المشاريع المناهضة للحداثة والتمدن والتقدم.

هكذا وجدت الاطراف السياسية والحساسيات الفكرية نفسها منفردة بشأن المنظمة الطلابية، ولأنها حرمت من تمثيليتها ولمؤتمرات خلت وبمنطق الكبت الفرويدي تسارعت بكل محدوديتها للتموقع داخل هياكل الاتحاد العام لطلبة تونس والتعاطي مع المنظمة الطلابية على أنها فرصة تاريخية أكثر ما يمكن من التمثيل النقابي لهذا الطرف أو ذاك دون النظر في جوهر الأزمة، وما يمكن أن ينجر عن ذلك من تبعات وانعكاسات قد تعصف نهائيا بوجود الاتحاد العام لطلبة تونس، فكانت هذه المكونات أن ألغت من اهتمامات سؤال البناء واسترجاع اتحاد الطلبة وانكبت للاجابة عن أسئلة ثانوية من قبيل بعث أكثر ما يمكن من الهياكل وتمثيلية المكتب التنفيذي وما شابه ذلك...

والأفظع من خطورة هذه الأسباب هو لا مبالاة سلطة الاشراف لما يعتمل داخل الجامعة وخاصة ملف المنظمة الطلابية وانتخاباتها القاعدية فكان أن تعاملت مع هذه الهياكل باللاأدرية كفلسفة توختها لتجاهل شأنها ووضعها الداخلي، بل انها لا تتدخل الا في عدم توفير القاعات لاجراء الانتخابات وكذلك في فبركة مجالس تأديب كيدية لطرد أكثر ما يمكن من مسؤولي ونشطاء هذا المشروع تنتهي بمنع عقد الاتحاد العام لطلبة تونس مؤتمره الوطني الموحد وسنّ كم هائل من المحاكمات في حق العديد من المناضلين، وبهذه الخاتمة الدرامية تنهي السلطة معركتها مع مشروع المؤتمر الوطني الموحد، وعلى هذه الخلفية ندرك أن المؤتمر الوطني الموحد لم يكن ضرورة طلابية بقدر ما كان ضرورة سياسية، لذلك فهو مشروع مبتور، لأنه لا وجود لأداة التنفيذ وأداة الدفاع عن هياكل وشرعية الاتحاد العام لطلبة تونس، هو الطلبة بدرجة أولى، ولما كان المشروع مقدرا بالأساس بإرادة سياسية فإنه لم يكتمل بناؤه إلا بالدعامة الطلابية، لذلك لا بد من التوقف عند هذه المحطة لاستكمال شروط البناء الأنجع، فالاتحاد العام لطلبة تونس اليوم لكي ينجز مؤتمره مدعوّ بالأساس الى المصالحة مع الطلبة وحينئذ تصبح سلطة الاشراف بالضرورة مدعوة لمراجعة علاقتها بالمنظمة الطلابية ولكي تستقيم المعادلة لا بد من تنقية الأجواء الجامعية والنظر في ملف الشأن العام وفتح المجال أمام الحريات وتقبل حق الاختلاف.

ما يمكن أن نخلص اليه من خلال هذه الأسباب التي رافقت مشروع التوحيد توصلنا الى نتيجة بعد أربع سنوات من هذا المشروع مفادها أن هذا المشروع تعوزه العديد من الآليات والتصورات على استكماله اضافة الى أن مكوناته لا تزال تحت رحمة إرث تاريخي لم يتخلصوا منه بعد من قبيل الوصاية على الاتحاد وعلى ملف الجامعة هذا الأمر الذي دفع بهم الى مزيد من العزلة والاستكانة تحت طائلة الشعارات والتصورات العامة التي لا تهدف الى معالجة الأوضاع معالجة جدية متنها الواقع وتحولاته بقدر ما تهدف الى تهميش القضايا وتسطيحها الى جانب ذلك فهم تعوزهم البرامج والتصورات الهادفة البناءة سواء للمنظمة الطلابية أو للجامعة ومشاغلها.

وبهكذا معنى انحصرت اهتماماتهم حول الجمل الاحتجاجية دون المضي قدما في انتاج المبادرات للخروج من دائرة الاحساس بالضيم والظلم... كما أننا توقفنا على أخطار أخرى من قبيل عدم جدية هذه الأطراف في مشروع البناء اذ ما زال البعض يتعاطى مع هياكل الاتحاد العام لطلبة تونس بمنطق تخريب الهياكل وهي مسائل تعطل نشاط الهياكل وتحد من صلوحياتها وسلطاتها، وكل ذلك أدى الى عطالة حقيقية داخل الهياكل وأصبح النشاط لا يتم تحت عناوين سياسية مما زاد في تعقيد الأوضاع من الداخل.

ومهما يكن من أمر، ولكي يخرج الاتحاد العام لطلبة تونس من دائرة الأزمة الى طور البناء لا بد من النظر في المسائل التالية.
- ضرورة فتح حوار وطني تنخرط فه كل مكونات المجتمع المدني لصياغة أرضية تكون محل اجماع تلتزم بها كل المكونات.
- تنقية الفضاء الجامعي حتى يتيسر للاتحاد النشاط ومزيد توسيع دائرة تمثيلية داخل الوسط الطلابي
- مراجعة السلطة لعلاقتها مع المنظمة الطلابية
- المؤتمر الوطني للاتحاد العام لطلبة تونس لا بد أن يمر عبر التمثيل الطلابي قبل التمثيل السياسي.

عادل الحاجي

عضو المكتب التنفيذي

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose