attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > شؤون وطنية > الشـفـافـيــة في المـعـاملات وتطبيـق القانون على الـجمــيــع ...رهـان (...)

مداخلة السيد أحمد إبراهيم الأمين الأول لحركة التجديد في المجلس الأعلى للتنميـة

الشـفـافـيــة في المـعـاملات وتطبيـق القانون على الـجمــيــع ...رهـان التقدم

الثلاثاء 8 كانون الأول (ديسمبر) 2009

المجلس الأعلى للتنمية (25 -11-09)

النظر في التقرير السنوي حول التنمية لسنة 2009

نص مداخلة السيد أحمد إبراهيم الأمين الأول لحركة التجديد

سيدي الوزير الأول رئيس المجلس، السيد وزير التنمية والتعاون الدولي ، السادة والسيدات أعضاء الحكومة، السادة والسيدات ممثلي المنظمات والأحزاب، سيداتي سادتي،

أود بادئ ذي بدء أن أثمن وجود إطار مثل هذا المجلس الأعلى لما يتيحه من إمكانية التشاور والحوار الصريح والبناء بين الحكومة وأطراف سياسية واجتماعية متنوعة في الآراء والتوجهات، معبرا مرة أخرى عن الأمل في أن لا يبقى هذا الحوار محصورا بين جدران القاعات المغلقة أي في أن يخرج إلى الرأي العام الواسع عبر وسائل الإعلام من تلفزة وإذاعة وغيرهما فلا يقع الاكتفاء بما تصدره وكالة الأنباء الرسمية من تلاخيص غير وفية تنزع إلى طمس ثراء النقاشات ومحو الاختلافات والخلافات الطبيعية في الرؤى والتحاليل والمواقف، كما أطالب مرة أخرى بتوسيع هذا الإطار التحاوري إلى كافة الأحزاب الوطنية بصرف النظر عن تمثيلها أو عدم تمثيلها في مجلس النواب.

واسمحوا لي أيضا بأن أثني على المجهود الذي قامت به وزارة التنمية لصياغة هذا التقرير السنوي حول التنمية لسنة 2009 وهو تقرير إيجابي ومفيد جدا لما تضمنه من معطيات دقيقة تشكل منطلقا سانحا للنقاش رغم ما فيه من تكرارات ومن نزعة إلى الإطالة غير الضرورية التي تحد من مقروئيته ورغم ما فيه أيضا من تفاوت في جدية التناول بين القطاعات حيث نجد قطاعا مثل قطاع التربية والتكوين يبتعد فيه التقرير عموما عن الرضاء بالذات ويشخص المشاكل والصعوبات في حين يكتفي قطاع مثل قطاع التعليم العالي بالوصف وسرد الأرقام دون طرح إشكاليات من شأنها حفز النقاش .

وإجمالا، فرغم ضيق الوقت المتاح لدراسة التقرير بالنظر إلى حجم الوثائق التي يحتويها وإلى وصول مشروع الميزان الاقتصادي إلينا متأخرا، فإن الانطباع الذي حصل لدي من تصفحه انطباع مزدوج:
فمن ناحية هناك تشخيص صائب عموما للمحيط الدولي والأزمة العالمية وآثارها وسبل مواجهتها ووسائل استرجاع العمل التنموي لحيويته ونجاعته،

ومن ناحية أخرى ثمة نقص واضح في الجانب الاستراتيجي واستمرار في طرح الإشكاليات بالصيغ المعتادة والاكتفاء بتقديم المعطيات والتوقعات المرقمة دون جرأة كافية في تناول قضايا مثل البطالة باعتبار ما فيها من جوانب غير مسبوقة في حجمها وطبيعة المتضررين منها من الشبان حاملي الشهادات، ومسألة تواصل انعدام التوازن التنموي بين جهات البلاد في غياب نمط تنمية اقتصادية متكامل ومتضامن وما إلى ذلك من اختيارات وتوجهات تستدعي مراجعة جريئة وطرحا جديدا.

ونظرا لضيق الوقت سأكتفي هنا بتقديم بعض الملاحظات والتساؤلات حول مسألة التشغيل في ارتباط بالاستثمار ونسبة النمو ومسألة التنمية الجهوية في ارتباط أيضا بتوزيع الاستثمارات العمومية والخاصة، ثم أطرح باقتضاب بعض الإشكاليات المتعلقة بالمناخ العام بالبلاد.

- 1- التشغيل

في رأينا أن نمط التنمية المتبع ليس قادرا على خلق عدد كاف من مواطن الشغل من شأنه الحد بصفة جدية من نسبة البطالة خاصة لدى أصحاب الشهادات العليا، وأنه ثمة حاجة متأكدة إلى اختيارات أخرى مبنية على رؤية جريئة، "إرادوية" ومجددة بدونها ستبقى نسبة البطالة برقمين في المدى المنظور.

فحتى إذا عدنا إلى توجهات المخطط الحالي في بداية سنه وما اتسمت به من تفاؤل يبدو اليوم مفرطا أكثر في التفاؤل فإن هذه الحاجة إلى تصورات جديدة كانت وتبقى ضرورتها قائمة.

وللتذكير فقد انبنت توجهات المخطط الحادي عشر على افتراض نسبة نمو في الناتج المحلي الإجمالي ب 6.3% في المائة كمعدل خلال العشرية 2007-2016 بتطور منتظر من 6.1% في المخطط 11 إلى 6.5 % في المخطط 12. والواضح أنه حتى هذه التوقعات المتفائلة جدا لم تكن تسمح بخلق أكثر من 925 ألف موطن شغل جديد أي بمعدل سنوي يقدر ب85 ألف م .ش خلال المخطط 11 و 100 ألف م. ش خلال المخطط 12 ، مما يعني التخفيض في نسبة البطالة من 14.1% سنة 2007 إلى 13.1 % سنة 2011 ثم إلى 10.3% في 2016، وكذلك لتخفيض في نسبة البطالة لدى حاملي الشهادات من 19 في المائة سنة 2007 إلى 14.1 % سنة 2011 ثم إلى 11.3 % سنة 2016...

واليوم، أمام نسبة نمو ب 3 في المائة لسنة 2009 ونسبة نمو متوقعة ب 4 في المائة لسنة 2010، يرسم التقرير هدف التخفيض بنقطة ونصف في نسبة البطالة مع موفى سنة 2014 وهو هدف يبدو صعب المنال رغم تواضعه. ويجدر بنا التساؤل - بكل جدية وبكل تواضع أمام تعقيدات وصعوبات الواقع- عن الإمكانيات الحقيقية والقدرة على ربح رهان التشغيل في ظل منوال التنمية القائم، والحال أن عدد مواطن الشغل الموفرة لسنة 2009 لا يتجاوز 57 ألف م.ش (مع نقص بأكثر من 20 ألف بالنسبة للسنتين السابقتين)، وهو عدد أظنه يمثل أضعف نسبة منذ عقدين أو أكثر.
وفي هذا الصدد لدي سؤال حول الأرقام المقدمة بالجزء الأول من التقرير السنوي للتنمية حيث يلاحظ تضاربا بين ما جاء في الصفحة 29 وما ورد بالصفحة 46:

ففي ص 29 بتحدث التقرير عن "إحداث ما لا يقل عن 207.5 ألف م.ش خلال السنوات الثلاث الأولى من المخطط" أي ما يساوي "50.4 % من مواطن الشغل المقدرة لفترة المخطط"
وفي ص 46 نقرأ أنه تم "إحداث ما لا يقل عن 220 ألف م.ش" أي ما يساوي " 53.4 % من مواطن الشغل المقدرة لفترة المخطط"

وفي الكلمة الافتتاحية للسيد الوزير الأول اليوم ورد رقم آخر هو 217 ألف م.ش.
فما هو يا ترى الرقم الصحيح؟

ومهما يكن من أمر فإن تحدي الترفيع الجدي في نسبة النمو كشرط للحد الجدي من نسبة البطالة تحد لا أرى كيف سنرفعه في ظل تواصل ركود الاستثمار، الذي يقول التقرير – الجزء 1، ص 307 - إنه "تطور بنسق مستمر في 2008 حيث ارتفع حجم الاستثمارات إلى حوالي 12519.8 مليون دينار، أي ما يمثل 24.9 % من الناتج المحلي الإجمالي" وينتظر أن يكون حجمها قد ارتفع في 2009 إلى 13842 م د، أي "25.9 % من الناتج المحلي الإجمالي".

وفي تقديري أنه من الأنسب احتساب تطور الاستثمارات وبالتالي جملة تكوين رأس المال الثابت بدون اعتبار قطاع الطاقة حتى نتمكن من المقارنة الدالة فعلا لأن قطاع المحروقات (تنقيب، الخ) ليس قطاعا مشغلا ولا يعكس "جاذبية" خاصة للصناعة التونسية، علاوة على ما يترتب عن خصوصيته من نقل هام للمداخيل إلى الشركات الأجنبية المعنية. وبهذه الطريقة في الحساب ينبغي إعادة صياغة ما ورد في التقرير (ج 1، ص 311 السطر قبل الأخير) لتصبح كالآتي:

ويعني ذلك أن النسبة ذات الدلالة للاستثمار في سنتي 2008 و2009 من الناتج المحلي الإجمالي دون النسبة الوطنية التاريخية للاستثمار (حوالي 25 %) ودون سنتي 2003 (22.3%) و2004 (21.8%)، الأمر الذي ينبغي أن يدفع إلى مزيد من الواقعية في الأهداف والوعود ما دامت الاختيارات الرسمية عما هي عليه.

من جهة أخرى، ومع تقديرنا للإجراءات المتخذة للحد من عواقب الأزمة، فإننا نلاحظ أنها إجراءات اتخذت فقط لصالح المؤسسات الخاصة – وهو أمر ضروري دونما شك – ولكننا لا نفهم غياب إجراءات جدية لحماية الأجراء المحالين على البطالة ("التقنية") ونؤكد من جديد أن الأوان قد آن لإحداث صندوق وطني للتأمين ضد البطالة أسوة ببلدان أخرى مثل المغرب الأقصى الذي له نسبة نمو أضعف من نسبة نمونا ودخل فردي دون ما هو موجود عندنا بكثير.
إن المطلوب هو إعطاء دفع تاريخي للاستثمار وبالتالي خلق فرص تشغيل أوفر بكثير مما هو متاح أو ممكن اليوم . وفي هذا الصدد لعل فرضية الرفع من المصاريف العمومية بهدف إعطاء دفع ذي بال للطلب فرضية تستحق النقاش الجدي ونحن نقترح وضعها على الطاولة، خاصة وأنها اعتمدت بنجاح في بلدان مثل بلدان الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة رغم ما ينجر عمها من "عجز ميزاني"وهي من ضمن التوصيات أو النصائح الصادرة عن صندوق النقد الدولي كما اقترحها بعض الأخصائيين مثل مكتب الدراسات الذي يشرف عليه السيد راضي المدب، وقد يكون من المفيد أن نناقش هذه الفرضية دون مركبات ودون خشية مفرطة بوصفها وسيلة لقيام الدولة بدورها الاستراتيجي في مجال الأشغال الكبرى في البنى التحتية كشبكة الطرقات والسكك الحديدية وما شابه ذلك خاصة في إطار سياسة كسر العزلة التي ما زالت تعاني منها فيها الجهات المهمشة.

وفيما يتعلق بمناخ الأعمال ودوره في دفع الاستثمار الخاص هنالك بالطبع - وكما أكدنا ذلك في عديد المناسبات – حاجة متأكدة إلى إصلاحات سياسية عميقة في اتجاه ضمان الشفافية في المعاملات وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء أو تمييز، كما هنالك حاجة إلى مجهودات إضافية لحماية المستثمرين والصناعيين التونسيين من آفة التجارة الموازية... وفي هذا الصدد فإني أتساءل عند قراءة الوثائق المعروضة: هل أن الحكومة استسلمت للأمر الواقع وكرست تطبيع هذه الظاهرة؟؟ فبقطع النظر عن الإجراءات المعلنة في هذا المضمار – والتي سوف لن أناقشها هنا – نجد في ص 167 من الجزء الأول للتقرير أفكارا هي من قبيل التناول الخاطئ في تحديد المسؤوليات أو من قبيل "الوعظ والإرشاد" الذي يدل على أن التجارة الموازية قد بدأت الحكومة تنظر إليها نوعا ما كقدر محتوم يجب التأقلم معه لا العمل بجد على تجفيف منابعه... فماذا تعني التوصية ب"تفعيل دور المهنة لغاية توفير منتجات ذات جودة وأسعار تفاضلية تمكنها من منافسة المنتجات المعروضة بالمسالك الموازية"؟؟ وماذا يعني العمل على "تحسيس أهم الموردين للمنتجات المعروضة بالفضاءات الموازية بوجوب التحكم في ظاهرة تدفق السلع؟’ ومن هم هؤلاء الموردون؟ وكيف يوردون سلعهم؟؟ وهل يستحيل على الحكومة انتهاج سياسة أكثر حزما وصرامة؟؟

- 2 - مسألة التوازن بين الجهات

سأكتفي في هذا الشأن بطرح تساؤل واحد هو: هل ما تم القيام به كاف بالنظر إلى حاجيات الجهات المهمشة في الشريط الغربي شمالا ووسطا وجنوبا؟

إن نظرة سريعة لما جاء بالجزء الثالث من التقرير (ص 89 وما بعدها) يبين التفاوت بين الجهات في نسبة إنجاز الاستثمارات المبرمجة لسنوات 2007 – 2009 خاصة منها – وهذا ما يبعث على الحيرة – الاستثمارات العمومية:

فنسبة إنجاز الاستثمارات العمومية بإقليم الشمال الشرقي تقدر ب62.7 % بينما هي في حدود 57.1 % بإقليم الشمال الغربي و59.6 % بإقليم الجنوب. أما في ما يتعلق بتوزيع الاستثمارات الخاصة المبرمجة لنفس الفترة بين الولايات فإن عملية حسابية بسيطة تبين التفاوت الكبير في الاستثمارات بالنسبة لكل ساكن وهو ما يقوم دليلا على تواصل انعدام التكافؤ بين الولايات الداخلية والولايات الساحلية في هذا الصدد. فجهات مثل القيروان وقفصة وسليانة تحوم فيها المبالغ المستثمرة عن كل ساكن حول الألف دينار ، وجهات تزيد فيها المبالغ المستثمرة عن كل ساكن على ال 2.500 دينار(مثلا: نابل: أكثر من 4.000 د)

فهل يكفي ذلك؟ قطعا لا... خاصة وأن الاستثمارات العمومية ليست كافية لتعديل الكفة وتدارك النقص الحاصل بالجهات الداخلية (قارن بين ولاية القيروان - حيث لا تصل الاستثمارات العمومية عن كل ساكن إلى 650 ولا يكاد يتجاوز مجمل الاستثمارات الألف و500 د – من ناحية وولاية تونس – 2400 د. 1200 عمومي و3500 د كامل الاستثمارات– أو ولاية نابل 900 د عمومي و5000 د في الجملة) فهل يا ترى لم يحن الوقت لإعادة النظر بصفة جدية في السياسة التنموية في جانبها الجهوي وبالخصوص في مثال التهيئة الترابية في اتجاه مراجعة التعويل على جهات مثل العاصمة والشمال الشرقي والوسط الشرقي كدافع رئيسي أو شبه وحيد لعملية التنمية؟ ألم يحن الوقت لاتباع نمط تنمية متوازن ومتعدد الأقطاب يبدأ بإعطاء الأولوية لتدارك ما تراكم من ظواهر التهميش والحرمان في الجهات الداخلية؟؟

- 3- ملاحظات سريعة حول المناخ العام وضرورة الحوار الوطني الحر

إن حجم التحديات وكثافة المشاكل وتعقدها في حاجة إلى تضافر جهود كافة القوى الحية واجتهاداتها لإيجاد الحلول الصحيحة.

ولقيام حوار وطني حر وبناء لا بد من تغيير المشهد السياسي في اتجاه التعددية الفعلية ولا بد من تجاوز وضع الانغلاق والرداءة الذي عليه الإعلام في تونس والذي شهد تفاقما ملحوظا أثناء الانتخابات الأخيرة وبعدها. فليس صحيحا ما جاء في وثيقة مشروع الميزان الاقتصادي من أن الإعلام قد شهد مزيد تشريك الأحزاب السياسية بل العكس هو الذي نراه: انغلاق متزايد وإقصاء لحركة التجديد مثلا من "المنتديات" ومنابر "الحوار" وتعتيم إعلامي على آراء وأنشطة أحزاب المعارضة المستقلة وتضييق على صحف الرأي وعلى الصحافيين، الخ... وحتى في هذه القاعة نشاهد أن "البروتوكول" الذي أسند طبقه مكان كل عضو بالمجلس تبدو خاضعة لنوع من الترتيب التفاضلي بحسب القرب والبعد من السلطة أو بحسب درجة الولاء لها... فبأي منطق تخصص أماكن للأحزاب السياسة مع تمييز بينها ومع معاملة خاصة للتجمع الدستوري وكأنه ليس "حزبا سياسيا" ... فنحن هنا سواسية وكلنا لنا نفس الغيرة على الوطن ونفس الحقوق في الإدلاء برأنا خدمة لقضاياه... فرجائي أن يقع الإقلاع عن مثل هذه "الامتيازات" الشكلية لما فيها من دلالة رمزية على أن الاختلاف في الرأي مع الحكومة أو الخلاف مع توجهاتها أمر غير طبيعي... فلتتكامل اجتهاداتنا ولنحترم بعضنا بعضا ولنتحاور بأريحية وسعة صدر وشكرا على الاستماع وعيدكم مبارك والسلام عليكم ورحمة الله.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose