attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > الطريق الثقافي > "مائويـــة لوصيــف وجرمانـــة في صيف 2009!!! "

العين بصيرة...

"مائويـــة لوصيــف وجرمانـــة في صيف 2009!!! "

الخميس 23 تموز (يوليو) 2009

خميس الخياطي

سئل مرة الكاتب والمسرحي والفنان التشكيلي والسينمائي، العبقري الفرنسي "جان كوكتو" (1889 1963 ) عن رأيه في فيلم معين فأجاب: هو فيلم ركيك. قيل له: كيف ذلك وهو من إخراج فلان وتمثيل زيد وعمرو، هند وليلى و... قال: ورغم ذلك، فهو فيلم ركيك... قيل له: ... والجمهور أحبه. أجاب كوكتو بكلمته الشهيرة: هو الوحيد الذي أحبه...

هذا من جهة. من جهة أخرى، كنا في العام 1975 وفي مجلة "الوطن العربي" لصاحبها وليد ابوظهر قبل أن تنطلق في إصداراتها التي لم تتوقف حتى الآن... من بين الذين وجدوا لهم مكانا في المجلة، الباحث والمثقف المصري الراحل غالي شكري (صاحب دراسة "المنتمي" عن روايات نجيب محفوظ) وكان حينها من المشهورين في الوطن العربي بكتاباتهم المرجعية في مراجعة معطيات الثقافة العربية... علاوة عن عمله كمستشار سياسي لرئيس التحرير نبيل مغربي، كان غالي شكري رئيسا للقسم الثقافي بالمجلة... وكان من المقرر أن يلتقي أعضاء القسم الثقافي لوضع ومناقشة المواد الصحفية... إلا أن غالي شكري الذي كان مشغولا بأمر سياسي وليس بإمكانه التفرغ لنا قال كلمة اشتهرت فيما بعد وهي "الثقافة بعد الساعة السادسة والنصف مساء"... وكلنا يعرف أن تلك الساعة هي ساعة القهوة والشاي و"نصف البيرة"...

من جهة ثالثة، زمن إدارة السيد زهير القمبري لقناة تونس 7، اجتمع مدير القناة بطاقمه الإداري لدراسة الشبكة البرمجية وكانت من بين الحاضرين المسؤولة عن البرامج الثقافية بالهجالة... وعند مناقشة الخطوط البرمجية، قام المسؤول عن معاينة البرامج وتساءل لماذا البرامج الثقافية كلها موجودة بعد منتصف الليل... وإن أظهر البعض من الحاضرين تعجبهم لهذا السؤال، فإن المسؤولة عن هذه البرامج، وتقربا من مدير القناة أجابت قائلة: "وبعد واشنية المشكل، مانا نعرفو إللي المثقفين ما يفيقوا إلا بعد نص الليل؟"... ونسيت مسؤولتنا المحترمة أن تضيف أن مثقفينا من سلالة "دراكولا"، يمتصون دماء الشعب وبالمقابل كسولين في إذكاء مخياله...

عهد الثقافة الخفيفة

هذه الأحداث الثلاثة تلتقي في نقطة واحدة فيما يخص بلادنا وهي أن الثقافة أصبحت اليوم، في منتصف العام 2009، من مكملات المكملات وفي إمكان أي كان أن "يكمل عليها"... طبعا هناك وزارة مختصة في الثقافة، يحتلها وزير مثقف له معرفة بالثقافة، مارسها لفترة غير قصيرة ويحمل هموم فئة المثقفين في بلادنا. غير أن المثل القائل "العين بصيرة واليد قصيرة" يعبر أحسن تعبير عن منزلة هذه الوزارة وإمكاناتها في مخططات الدولة، رغم كل الأبواق المهللة هنا وهناك من أن واحد في المئة من ميزانية الدولة تذهب للثقافة. وهو أمر صحيح من زاوية الحسابات ولكنه خاطئ من زاوية الواقع...
طبعا هناك مدينة الثقافة التي تعول عليها السلطة لتحسين صورتها الثقافية أمام رواد شارع محمد الخامس من متساكني الفندق "النواسي" طالما أن الواجهة أصبحت اليوم بيت القصيد. وإن أراد مواطن تونسي من "ورى البلايك" مشاهدة فيلم أو مسرحية أو معرض تشكيلي ما، عليه أن يركب القطار السريع

ويأتي لتونس العاصمة، فمدينة الثقافة مدينته...

هناك شبكة المهرجانات التي تمتاز بها بلادنا ويحسدنا عليها القاصي والداني وهي، منذ فترة أصبح يدير شؤونها مندوبو الثقافة بالولايات في نطاق اللامركزية... هؤلاء المندوبون عن الوالي والمعتمد الأول ورئيس لجنة التنسيق ورئيس الشعبة الذين يفهمون كلهم دون استثناء في الشؤون الثقافية لسبب إطلاعهم على ذوق مسيريهم، إن لم أكتب لسبب قولبتهم لذوق مسيريهم... وهو الأمر الذي أخضع مهرجاناتنا إلى منظوري الإنتاجية المكثفة والربحية السريعة كما لو كانت الثقافة بجميع مفاهيمها "البهيم القصير"، يمثل النقطة الأخيرة في البرامج الانتخابية المستقبلية أو حتى لا يوجد بتاتا في البعض منها... الدولة لم تكف عن إطلاق الاستشارات الوطنية في الكتاب، والمطالعة، والمسرح، والموسيقى وغيرها من الميادين الثقافية، دون أن ترى إسقاطا على الواقع... ورغم كل هذه النوايا الطيبة، بقيت الثقافة في بلادنا كما دار لقمان في أحسن الأحوال إن لم نقل كسروال عبد الرحمن، " يشرب مع كل غسلة"...

وبالتالي، لا يجب أن نفاجأ من تفكير خريجي الـ"أل، أم، دي" من الشعب الألف وأكثر التي تسنها الدولة وتصوراتهم للعالم... فالتكوين الخفيف بثقافة خفيفة لا يمكن أن يعطي إلا مواطن "خفيف نظيف"، مواطن، عندما يأتي الدنك، لا يعرف إلا "ضرب الخفيف"...

ثامر أفضل من مارسيل؟

يحسب لقناة "حنبعل تي في" أنها ،عن قصد أو عن غير قصد، تضع مرارا إصبعها على البعض القليل من الجروح النازفة في الكيان التونسي... ومن البرامج التي تؤثث الشبكة الصيفية لهذه القناة والتي تدخل في الخانة المشار إليها سابقا برنامج حواري من إعداد وتقديم الأستاذ وليد الزراع بعنوان "بلا ريتوش" الذي استضاف في حلقته الأولى التي أنجزت في بنزرت الزميلة شراز بن مراد )أخبار الجمهورية( والزملاء لطفي لعماري )حقائق(، حسن بن أحمد )البيان( وصابر بن عامر )العرب(... موضوع الحلقة كان خارطة المهرجانات الصيفية وما جاء في المؤتمرات الصحفية من درر لمديريها... وما يمكن استخلاصه من هذه الدرر ليس فقط الهنات التي قد تطال هذا او ذاك من المهرجانات - وهو أمر طبيعي- ولكن التصور العام لما ألت إليه الثقافة في بلادنا...

الدرة الأولى ما جاء على لسان بعض الزملاء حول المطرب "شارل أزنافور" ? قبل فضيحة اختلاق الحديث معه من طرف يومية تونسية ? من أن وجوده في حد ذاته في قرطاج غير مرغوب فيه لأنه "خرف" وان التونسي لم يعد يتذوق هذا الفنان... حينما نعلم أن مثل هذه الملاحظات أتت من صحفيين شبان يؤثرون في الراي العام يوميا، فمن المؤكد أنهم لم يخرجوا عن الروتانيات ومن المؤكد حتما أن الذوق خرج ? بمعنى هج - من تونس... وكان رد الحاضرين إيجابيا كقول السيد لعماري ? على سبيل المثال - من أن "أزنافور من خيرة الفنانين، يحترم روحو، يحترم الجمهور... فهو يحمل القضية الارمنية" وهذا شرف لتونس".

ويزداد الطين بلة حينما يصرح مدير مهرجان بنزرت "نتبع الجمهور اللي يجي لثامر حسني ولا إللي تطلبوا وسائل الإعلام؟"... وهو سؤال وجيه ومحير لأنه على شاكلة "كلمات، كلمات، كلمات" للمرحوم هاملت... إلا أن هذه الكلمات تنم عن مفاهيم تسطيحية للجمهور وكأن الثقافة مرادفة للكبي والترفيه لا يأتي إلا مع غياب الذوق... قد تطالب سلطات الإشراف المتعددة هذا المدير أن تكون حساباته مربحة ، وهو أمر طبيعي لأنها أموال عمومية، لكن هل من وظيفة المهرجانات تشيىء الذوق بالأموال العمومية وإشاعة قلة الذوق حتى تكون الحسابات قائمة على الصفر... وهو ما جعل كلا من شراز بن مراد وصابر بن عامر يقارنان بين تأثير ثامر حسني ومارسيل خليفة من حيث الإيرادات. وكما قال لطفي لعماري في موضوع المئويات المتكاثرة هذه السنة "في العام 2109 سنحتفل بمئوية سمير لوصيف ولطفي جرمانة" إذا لم تتفطن السلط الثقافية أنها بهذا النهج تخرب البناء الثقافي الذي ثم تشييده منذ الاستقلال...

درة أخرى تلك التي قالها لسعد بن عبد الله، مدير مهرجان الحمامات الذي تعلل باحترام لطفي بوشناق حينما لم يسأله هل من جديد في الحفل الذي سيحييه في الحمامات... وهو في ذلك مخطئ لأنه لو احترم كل من بن عبد الله وبوشناق الجمهور، لكان البرنامج جاهزا حتى قبل المؤتمر الصحفي وهو أمر لم نعهده من هذين الطرفين... الأمر ذاته طرح فيما يخص قرطاج وأمينة فاخت التي "تبعث الناس الكل يشيتو" وتغني بأغاني الأخرين... وهو ما دفع صابر بن عامر إلى طرح مسؤولية الفنانين إراء المهرجانات الكبيرة الممولة من الأموال العمومية، خاصة حينما تهدى الحفلات لهذا الفنان أو تلك الفنانة لأن مسؤولا ما يعشق غناءها... وأضاف لطفي لعماري- وهو محق في هذا- أن "ربي عطى صوت كبير لفنانة صغيرة"... وطال الحديث البرمجة المهرجاناتية وبعض "القفشات" فيما يخص منع الفنانين من طرف المهرجانات من إعطاء المعلومة للصحفيين. وكما قال صحفي :"هذي موضة كبيرة ولات عندنا... حجب المعلومة"...

"بلاريتوش" وإن هو من البرامج الهامة فهو يتطلب نرفزة أكثر من المعد/المنشط، إضافة إلى التحري مما يبث (صورة لجريدة المدينة السعودية) مع قليل من الاحترام من طرف المصورين في اختيار زواياهم...

ماهذا يا لطفي؟

بثت القناة اليمنية حفلا وطنيا بعنوان "أوبريت يمن العرب" حضره عديد الفنانين العرب- من أيهاب توفيق إلى حكيم وآخرون وأخريات لا اعرفهم/هن...- من بين الذين غنوا في هذا الحفل مطربنا الوطني لطفي بوشناق... إلى هذا الحد، المعلومة عادية، لقد عودنا بوشناق بحسه القومي العربي المتفاقم أنه "ملح ما يغيب على طعام" وتلك حريته... إلا أن هذا الاحتفال الذي شارك فيه بوشناق وضعته يدون شك "وكالة الاتصال الخارجي" اليمنية التي نسجت على منوال وكالتنا ودعت الفنانين ودفعت لهم... فغنوا لليمن كما غنوا لتونس وغدا سيغنوا للزمبابوي... وهذا كذلك أمر طبيعي...
ما نراه ليس طبيعيا هو أن جل الفنانين، ما عدا الخليجيين، لبسوا بدلا "مودرن" إلا بوشناقنا الذي اختار الأصالة... فلبس الكوفية والدشداشة وأضاف إليهما الجنبية، ذلك الخنجر المرشوق على الحزام... لو لبس صاحبنا جبة تونسية وشاشية وبلغة، لقلنا أنه يمثل بلدنا لدى يمنيي علي عبد الله الصالح... لكنه اختار أن يكون يمنيا أكثر من اليمنيين... وهو في ذلك يزايد على القومية، لا سيما والقصيدة التي غناها تنطبق على اليمن كما تنطبق على الصومال او دجيبوتي... مثال؟ هذا البيت "من أرض اليمن نهدي عقود الفل والريحان/ سلامي لكل أحبابي وكل الأهل والجيران"... لا يوجد شعر قومي أكثر "حلمنتيشية" من هذا، وليس من حق لطفي بوشناق أن يدع صورته وصوته في هذا السيرك الصوتي اليمني العربي... خسارة.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose