attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > الطريق الثقافي > ما كل عمل يستحقه المتخرج يدركه... والخطأ خطؤه

العين بصيرة...

ما كل عمل يستحقه المتخرج يدركه... والخطأ خطؤه

الخميس 9 تموز (يوليو) 2009

خميس الخياطي

لا أعرف مدى صدفية نادرة سمعتها ولكن ما أعرفه هو أنها دالة أصدق دلالة على ذهنية أصبحت متفشية في بلادنا منذ عقدين على الأقل وتخص التعليم ونتائجه.

يحكى، والعهدة على من حكى، أن في ولاية داخلية من الولايات التونسية التي لم يسعفها حظ البحر والسياح ولم تتفطن إليها التنمية المستدامة إلا مؤخرا، تعيش عائلة تحت متوسط الدخل وفوق متوسط الأفراد... من بين الأبناء الذكور- لأن البنات تزوجن في أول خطوبة "شيلة بيلة"- شاب كما يقال عندنا "ناقص غلوة" أو بلغة حقوق الإنسان، له عاهة ذهنية. هذا الشاب لم تمنعه "احتياجاته الخاصة" من أن يدبر رأسه في القرية التي يعيش بها و"يصور خبزته" اليومية وخبز أهله... أحد إخوته أحب العلم فطلبه. عمل فنجح في جميع الامتحانات التي أقيمت في وجهه إلى أن وصل إلى رتبة ما يقارب "ماستار" هذه الأيام... طيلة دراسته التي تطلبت إمكانيات مالية ? ولو محدودة- للاستثمار في العلم والمعرفة، كان الأخ ذو الاحتياجات الخاصة هو الممول الرئيسي والوحيد للأخ الطالب للعلم... كان يرسل إليه بين الفينة والأخرى مبلغا ماليا يكون الأخ الأكبر قد ادخره لأخيه الأصغر من الـ"شانطيات"... وكان الأخ الأصغر يحافظ على المليم الأصغر من مال أخيه...

وحينما حصل الأخ الأصغر على الشهادة وكله أمل في تنفس الصعداء والحصول على عمل ينفخ منه على عائلته وعلى نفسه البعض من عطور مجتمع الاستهلاك، وقف في وجهه عفريت لم يكن يتوقعه حيث كان كله أمل في الشعارات والخطب والمخططات الرئيسية والظرفية... بعث وأودع المطالب المضمونة الوصول والمدعمة بنسخة من الشهادة وبالـ"كيروكولوم فيتاي" إلى عديد المؤسسات العمومية والشركات الخاصة والمعولمة... ولكن رسائله لم تجد نفعا... توجه مرارا نحو وكالة التشغيل، فوجد أهلها عاطلين عن العمل وينشون الذباب، تشاجر معهم وحلف اليمين ألا يلقاهم مرة خامسة وسادسة... حاول أن يلتقي رئيس الشعبة أو النائب في البرلمان أو المعتمد، فلم يجد لهم طريقا، فما بالك بالوالي... وكل مرة والأخ الأكبر يقدم ثمن الرسائل مع أثمان القهاوي والسقاير بالكعبة إضافة على نتائج طرح الشكبة أو الرامي دون أن ننسى مصاريف الرحلات بحثا عن عمل...

هذا يعمل صامتا والأخر يغلو صامتا. ومرت الأسابيع والأشهر وبعض السنوات... وجاء أن حصلت مشاجرة بين الأخوين لسبب تافه ونفساهما مشحونتان غيضا... وجاءت قضية التسكع والمقاهي والوقت الضائع و"التار بوفلس" التي اتهم بهم الأخ "القارئ"، فما كان من الأخ الأكبر، ودون سابق إضمار، إلا أن نظر إلى أخيه ووالديه ومن تبقى من العائلة وقال لهم في صمت كمن يقرأ صلاة : "الحمد لله إللي ماقريتونيش"... ولا داعي للتعليق, لقد أصبحت ردة الفعل هذه عنوانا لذهنية بعينها متفشية لدى البعض من أهل الذكر في بلادنا.

"البطالة وهم أو هاجس"
Ici faire une transition avec ce qui précède

هذه الحكاية حضرت في ذهني إزاء برنامج الرابعة الذي يعده وينشطه الأستاذ وليد الزراع على الفضائية "حنبعل" والذي تطرق في عدده الأخير إلى موضوع البطالة بين أصحاب الشهائد العليا ودعا إلى ذلك كلا من الزملاء الصحفيين : علي الزايدي (الصباح)، لطفي بن صالح (الصريح)، الهادي الجربي (الخبير) والاستاذ الجامعي المختص في اللغة العربية السيد رضا السوسي (صفاقس) وتم بث بعض أجوبة الشارع التونسي والتحقيقات الميدانية...

الملاحظة الأولى تتمثل في حسن اختيار الموضوع ،لا سيما ونتائج الباكالوريا جعلت البعض "يحج" والبعض الآخر "يعوق" فيما بدأت دفعة جديدة من متوجي التعليم العالي تضع أقدامها على عتبات الحياة الشغلية وكلها امل في جني ثمار سنوات من التعب والمساهمة في الثروة الوطنية...
أما الملاحظة الثانية فهي غياب العنصر النسائي وكأن الموضوع لا يهمهن ، والحال أن عديد الدراسات الميدانية بينت أن الضحية الأولى لأزمة البطالة هي المرأة والشغل النسائي. إن المرأة التونسية تتمتع بمزايا التشغيل بنسبة 35 في المائة والرجل بنسبة 51 في المائة. ثم، مجرد سؤال: لماذا دعي أستاذ لغة عربية عوض باحث قي علوم اجتماع التشغيل أو اقتصادي أو ما شابه من الميادين التي لها علاقة عضوية بالتشغيل أو عدمه؟

القسم الأكبر من البرنامج قضاه الجميع في البحث عن "كوجيتو" البطال. هل البطالة وهم؟ أعطى سيد "الخبير" درسا في هذا للعاطلين عن العمل أو المبتدئين في الدراسة الجامعية وفي طيات كلامه اتهام بأنهم المسؤولون عن وضعيتهم... قال: " الطالب ما بداش الجامعة وبدى يخمم في التشغيل ويحكم على نفسو بطال قبل حتى ما يتخرج. فعلى الشاب مسؤولية الدراسة والبطالة وهم"... وأنت تستمع إلى مثل هذه المواقف والأفكار المتناقضة مع الواقع، تتساءل هل السيد الهادي يتكلم عن تونس أم عن السويد أو الدانمارك. وأمام صمت او موضوعية الزميل علي الزادي و"تسخين" معد البرنامج وخروج السيد الأستاذ الجامعي عن اللعبة، كان دور الزميل لطفي بن صالح واضحا إذ لم يترك الاتهامات تمر دون أن يقف أمامها مشيرا إلى "أن الواقع هو سيد الموقف. علاش الطالب ما يخمم إلا في الناس الفاشلين عن وجود عمل لأنو ما نلقاوش في تونس عائلة مافيهاش اثنين ولا ثلاثة بطالة"...وهو أمر تؤكده انشغالات المجتمع وخاصة الحكومة التي هي المسؤولة الأكبر في ما يخص صناعة ما أسمته إحدى الدراسات بـ"القنبلة الموقوتة". وهو موضوع نقاش عابر حيث اتهم البعض سياسة الحكومة بصناعة البطالة لعدم وضع خطط أكثر نجاعة من سياسة الترقيع أو فرجة التضامن التي تعمل بهما دائما... البوصلة وضعها الزميل زياد في إشارته لمسألة التكوين الخفيف وضعف المتخرجين مع كثرة الشعب الجامعية وقلة نجاعتها... ورغم أن قسما من البرنامج ذهب نحو غرس عقدة الذنب في نفسية العاطل عن العمل وإعطاء صورة غالطة عنه كما لو كان من أحباء المقاهي والتواكل، فإن مثل هذه المواضيع وصراحة الطرح أو لنقل جدليتة هي التي تصنع جاذبية قناة حنبعل أمام "سيلوفانية" القناة العمومية...

سفيان وزمن السيلوفان

من برامج الهجالة السيلوفانية ?نسبة إلى ورق السيلوفان ? والتي هي مجبرة على احتوائها وتبنيها في أوقات الذروة، برامج شركة "كاكتوس برود" ومنها "رائعة" سفيان الشعري "سفيان شو" التي بث آخر عدد منها يوم الأحد الفارط وكان ضيف الحلقة الفنان المصري هادي شاكر، عفوا هاني شاكر، الذي لا يكف عن التغني "مجانيا" ببلادنا، لحد أني أقترح تأميمه وتونسته، فعلى الأقل سننتفع من ضرائبه... لجنة التحكيم مكونة من أعضائها الثابتين عبد الحميد قياس وجلول الجلاصي والسيدة كوثر الباردي -المعجبة حتى النخاع بالسيد منتج البرنامج الذي هو "روعة والمصريون واللبنانيون مايلاعبوش" بحسب تصريح لأسبوعية سيارة... وداخل الحلبة المفتعلة الممثل سفيان الشعري، مؤدي شخصية "السبوعي" الشهيرة التي بني على شهرتها "سفيان شو" ، دون أن تحصل الهجالة ولا صاحب فكرة "شوفلي حل"-بحذافيرها- المنتج عبد العزيز بن ملوكة ولا كاتب السيناريو الزميل حاتم بلحاج على أدنى مليم عن هذه الإفتكاك الثقافي...

برنامج "سفيان شو" أثار الكثير من الحبر حتى أن كاتبة الدولة للأسرة والمرأة والمسنين وما إلى ذلك كاتبت الوزير الأول في شأنه مستاءة منه ومن تعديه على شخصيات الأطفال ، لا سيما ونحن في بلاد تفتخر في مناسبة أوبغير مناسبة بامتلاكها مجلة لحقوق الطفل. ولعمري فإن المجلة تسري على البعض ولا تسري على الآخرين... موضوع الرمانة هو النزعة التي يقوم عليها "سفيان شو" في التعامل مع الأطفال في تنمية حاسة التقليد الظاهري عندهم، أي أنهم يقلدون الفنانين في هيئتهم ومظهرهم قبل تقليدهم في أدائهم لأغانيهم... والمسألة الثانية تتمثل في إلزام الأطفال على المنافسة وهم في الأساس شخصيات غير متكاملة لا تقبل بنتائج المسابقات لأنها قائمة على المقارنة. والطفل عالمه واحد.

الحلقة الأخيرة لم تختلف عن سابقاتها لا لسبب إلا لأن البرنامج لا يقوم على تطور متكامل بقدر ما يقوم على عفوية مدروسة) ورغم دراستها، فقد تخرج عن الخط مثلما حدث مرة مع جلول الجلاصي الذي قال عن طفلة تونسية/صينية أنها "صينية... بقلاوة"... وهي قلة ذوق وعدم احترام .( كل الشخصيات الفنية التونسية والعربية والأجنبية تم تقليدها صورة وصوتا مثل مادونا ووردة وأمال بنت ورامي عياش وهيفا وهبي وإيليسا وترافولتا وكذلك أم كلثوم... وإن كانت هناك إيجابيات في هذا البرنامج فعلينا ان نذكر منها ثلاث: الثالثة تبين لنا مدى نرجسية أولياء الأطفال في الحضور والتغني بالخصال الصوتية او "التمثيلية" لأبنائهم وبناتهم وكأن البرنامج مقدم لهم اساسا... الإيجابية الثانية هي أن الجمهور المحب لهذا البرنامج وجد في شخصية "السبوعي" شخصية تافهة وغبية وحمارة أعطته هو الشعور بالذكاء والفطنة والحنكة.

والإيجابية الأولى هي الإعلانات. ففي كل عرض، هناك أكثر من عشرين إعلانا بمعدل 15 أو 20 ثانية للإشهار وتمر الإعلانات ثلاثة مرات على الأقل... ولو ترجمناها ماليا، لوجدنا ان سر إهتمام "كاكتوس برود" بأطفال تونس هو اعتبارهم طعما لجلب "الحوت"... أين التلفزة العمومية من هذا؟ بهذا البرنامج، هجالتنا تشجع السيلوفان على الواقع لأنه، وإن لا يخفي شيئا، فهو يعطي بريقا يسلب الأنظار و"بالفارغ"، وهي وضيفة التلفزات التجارية والخاصة أساسا... لقد انقلبت الآية في بلادنا!

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose