attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > شؤون وطنية > الواقع السياسي في تونس : حساب البيدر مرة أخرى...

الواقع السياسي في تونس : حساب البيدر مرة أخرى...

الأربعاء 8 تموز (يوليو) 2009

بقلم : الحبيب بوعجيلة

بنهاية السنة الدراسية و خلود التونسيين إلى عطلة الصيف تنتهي السنة السياسية كما تعارف النشطاء على تسميتها غير أن صيف هذا العام لن يكون متسما بالاسترخاء التام إذ سوف يتواصل النشاط النسبي للأحزاب المشاركة في انتخابات 2009 التي يحل موعدها شهرا واحدا بعد الفراغ من فريضة الصيام ... و هو ما سيجعل ليالي الصيف و السهرات الرمضانية فرصة جيدة لإعداد القائمات و تدبيج البيانات الانتخابية و تسوية ما بقي عالقا من حسابات بين الأطراف و الجهات المتنافسة داخل الأحزاب و خارجها غير أن اللافت للانتباه فعلا هو مرور هذه السنة دون أحداث سياسية تذكر رغم طابعها الاستثنائي و هو ما يسمح بالقول إن الاستحقاقات المقبلة في الخريف القادم لن تغير شيئا في توازنات المشهد القائم فبعد أن تمت المصادقة التشريعية على القانون الاستثنائي المتعلق بالرئاسيات و على التعديلات المجراة على المجلة الانتخابية أعلنت الشخصيات الأولى في أحزاب معارضة ثلاثة مشاركتها في الرئاسيات إلى جانب الرئيس زين العابدين بن علي واتجهت الأحزاب القانونية التسعة في البلاد إلى إعداد نفسها للتشريعيات

و قد بدا الواقع السياسي على امتداد هذا العام عاديا لا يختلف كثيرا عن سابقيه فقد واصل الحزب الحاكم تصدر الساحة معتمدا على النجاحات الاجتماعية و الاقتصادية للسلطة في تبرير مشروعه السياسي القائم على فكرتي الاستمرار و الاستقرار أما أحزاب المعارضة فقد واصلت نشاطها المحدود على قدر قوتها متجهة إلى ترتيب أوضاعها الداخلية استعدادا للموعد الانتخابي خصوصا و هي تتنافس هذه المرة أيضا على نيل المرتبة الأولى بعد الحزب الحاكم و بعد ارتفاع "الكوتا" المخصصة لها في قبة البرلمان و من المهم أن نشير أن ما يمكن تسجيله من أحداث على ساحة المعارضة يتلخص أولا في عودة المبادرة الوطنية للديمقراطية و التقدم إلى النشاط بعد اعلانها ترشيح الأمين الأول لحركة التجديد السيد أحمد ابراهيم إلى الرئاسيات و ما رافق هذا الاعلان من ارتفاع لنبرة الخطاب المركز على الاستقلالية و مبدإ التنافس الجدي مع مرشح الحزب الحاكم .

كما نشير ثانيا إلى انعقاد المؤتمر الأول للتكتل الديمقراطي و ما رافقه من تراوح بين الاستمرار المبدئي في سلوك منهج الاستقلالية و الضغط الاحتجاجي عبر اعلان السيد مصطفى بن جعفر عن ترشحه للانتخابات الرئاسية في انتظار ماسيقرره المجلس الدستوري و بين اعتماد الواقعية و الاعتدال عبر دعوة التجمع الدستوري لحضور افتتاح المؤتمر و عبر الاشارات الواردة في خطاب السيد بن جعفر عن استعداد التكتل للحوار و التفاعل مع معطيات الواقع السياسي القائم و على صعيد ثالث سجلت ساحة المعارضة حدث استقالة عدد من كوادر الحزب الديمقراطي التقدمي على أنها ايذان ببلوغ الترشح الاحتجاجي للسيد نجيب الشابي نهايته دون نتائج تذكر لاثبات قصور الأسلوب و التمشيات المعتمدة داخل هذا الحزب رغم محاولاته الأخيرة اثارة الاهتمام و صنع المبادرة عبر الدعوة إلى رقابة دولية على انتخابات 2009 وهي دعوة يبدو أنها لم تلق حماسا لدى أغلب مكونات الحركة الديمقراطية فضلا عن دوائر القرار الدولي المهتمة بالشأن التونسي بل انها قد أثارت احترازات البعض في علاقة باشكالية ما يعرف بتهمة الاستقواء بالخارج .

ومن الجدير بالملاحظة أيضا على صعيد الوضع في ساحة المعارضة ما برز من حراك نسبي في نشاط الأحزاب المحسوبة تقليديا على الموالاة كما يحلو للبعض تسميتها فبالاضافة إلى انتظام صدور جرائدها هذه السنة و كثافة اجتماعاتها و منتدياتها فإن عددا من هذه الأحزاب قد اتجه جديا إلى ابراز تباينه بالفعل و القول مع حزب السلطة رغم محافظتها على المسافة النقدية التي تفصلها عن المعارضة الاحتجاجية . أما المعارضة القصووية ممثلة في بعض التشكيلات و الجمعيات غير القانونية فإن صوتها قد كان خافتا هذه السنة خصوصا بعد انفراط عقد حركة 18 أكتوبر و لعل ما جرى على صعيد اتحاد الطلبة و رابطة حقوق الانسان بالاضافة إلى مآلات أحداث الحوض المنجمي و غيرها من الوقائع المتعلقة بالحريات يكشف بوضوح حدود المناهج و الأساليب التي اعتمدتها هذه المعارضة القصووية في إدارة علاقتها مع السلطة .

وما دمنا في سياق أحداث السنة المنقضية فإن أحدا لا يستطيع أن يغفل حالة الاستقرار اللافت على الصعيدين الاقتصادي و الاجتماعي على عكس ما توقعه البعض من تأزم للوضع لتسويغ مناهجهم في الضغط و المواجهة لإكراه السلطة على الانصياع إلى مطالبهم العاجلة في الانتقال الديمقراطي الناجز فقد انتهى الحوار بين الأطراف الاجتماعية تقريبا إلى المحافظة على التوازنات القائمة كما تبدو السلطة في وضع نجاح معقول في التعاطي مع انعكاسات الأزمة المالية رغم الصعوبات التي لا ترقى إلى ما يفترضه البعض من وضع تأزم هيكلي . أما أهم ما أثار الانتباه في أحداث السنة الماضية فقد كان ثقافيا بامتياز حيث ثار جدل بين أطراف محمولة على معسكر الحداثة و التنوير و أخرى منسوبة إلى تيار الأصالة و التجذر و ذلك على هامش زيارة بعض الشخصيات الثقافية إلى تونس و ظهور بعض الكتابات في المسألة الدينية و خصوصا بعد انتقال ملكية إحدى الصحف الكبرى بالبلاد إلى شخصية مقربة للسلطة يرتبط اسمها حاليا ببعض المشاريع الثقافية و الاقتصادية ذات "التوجه الحضاري" و قد انحدر هذا الجدل في الغالب إلى مستوى من المماحكات الشعبوية و الشعاراتية بين الطرفين في ظل رقابة صامتة من طرف السلطة .

إن هذا الجرد السريع لأحداث السنة المنقضية يسمح لنا بالخروج بجملة من الاستخلاصات نوردها جزافا كما يلي :

- 1 ? انتهت هذه السنة دون أن تضطر السلطة إلى تقديم تنازلات موجعة من شأنها أن تغير جذريا توازنات الواقع القائم وهو مايؤكد مرة أخرى صوابية ما انتهينا إليه سابقا في توصيف اختلال ميزان القوة بين سلطة قادرة باستمرار على رسم حدود المشهد الذي ترتضيه و معارضة لا تملك القدرة على تقرير مشهد على مقاس طموحها الجارف أو على اكراه السلطة على ما لا تريده .

- 2 ? لم يتحقق ما بشر به بعض الناشطين من امكانية صنع الفراغ حول السلطة بل إن بعض الأطراف القصووية قد وجدت نفسها مرة أخرى في وضع من العزلة داخل مشهد سياسي و اجتماعي يحقق للسلطة مطلوبها في تسويغ مشروع الاستمرار و الاستقرار حيث تتجمع قوى المعارضة الوسطية أو القريبة من السلطة في المواقع الحزبية و المنظماتية التي لم تختر نهج القطيعة و إن اتجهت أكثر فأكثر نحو استقلالية متناغمة مع المنظومة القانونية و الشرعية القائمة . أما الوضع الدولي كعنصر حاسم في اختيارات أي سلطة قائمة فيبدو مواتيا لمواصلة خيار الاستمرار و الاستقرار خصوصا بعد تغير اولويات البيت الأبيض و الاتحاد الأوروبي على صعيد ما سمي بالاصلاح السياسي في بلدان العالم الاسلامي .

- 3 ? يتعلق آخر الاستخلاصات و أهمها بحقيقة العلاقة بين السلطة و المجتمع من ناحية و بين هذا المجتمع و المعارضة من ناحية أخرى إذ أثبتت وقائع السنة المنصرمة أن المجتمع التونسي في عمومه لا يزال في وضعية اندغام ايجابي أو سلبي مع سلطة راعية مازال يراها قادرة أكثر من غيرها على تأمين احتياجاته التقليدية رغم بروز احتياجات جديدة تكشف عنها مظاهر احتجاج صامت أو ناطق مثل مظاهر العنف في الملاعب و الشارع و الفضاءات التربوية و مثل مظاهر التحول في السلوك الثقافي و الديني وهو ما لا يغيب عن حسابات السلطة في مقابل نخب معارضة يبدو أنها لا تملك تشخيصا دقيقا لهذه الاحتياجات الجديدة ما دامت تواصل الاغراق في هموم فكرية و سياسوية دون قدرة على الانصهار و الاستشراف .

إن هذه الإستخلاصات لا تهدف إلى التأكيد على مكاسب دائمة للسلطة أو إلى تبخيس ذكاء المعارضة و قدراتها إذ لا بد أن نسجل للإنصاف جملة من نقاط الضوء في أسلوب هذه المعارضة و فعلها و دون إغراق في التنجيم يمكن أن وقع بأن تطور خطابات بعض الأطراف المعارضة المحسوبة تقليديا على قربها من السلطة سوف يمكنها هذه المرة من حيازة قدر من المصداقية لدى عموم الناخبين إذا ما توفر لها المقدار المطلوب من الجرأة و المبدئية . ومن ناحية أخرى نقدر دون تفاؤل واهم أن حركة التجديد و من حولها من أطراف المبادرة و أن التكتل الديمقراطي بعد مؤتمره الأخير قادرون على التحول فعليا إلى أرقام معتبرة في المشهد السياسي القائم ما دامت هذه الأطراف منحازة على ما يبدو إلى أسلوب عقلاني واقعي و استقلالي في تمشياتها الحالية شرط أن تحذر من مطبات الوقوع مرة أخرى تحت ضغط مزاج سياسي تحكمه المزايدة و يوجهه التشنج و شرط أن تأخذ أيضا بعين الاعتبار الواقع الثقافي و القومي للجماهير التي تتعامل معها و لكن هذه التوقعات تبقى رهينة استعدادات السلطة للقبول بمعارضة لا تمنعها واقعيتها من الدفاع المبدئي على استقلاليتها ... و أخيرا فإن مجال السياسة ليس مجال الحقيقة المطلقة أو الخطإ المطلق و لا مجالا لطهورية المبادئ الطوباوية بل هو فن محاولة الممكن ... أقول جيدا فن محاولة الممكن

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose