attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > هــمـسة وغـمـزة > ضـــــدّ مجهـــــول؟؟

الصندوق الأسود:

ضـــــدّ مجهـــــول؟؟

الثلاثاء 23 حزيران (يونيو) 2009

رغم ما قد يشوب عمل مؤسسات الدولة من أخطاء وتجاوزات سواء كانت تعود لأسباب بشرية أو هيكلية تنظيمية أو تشريعية، ورغم ما قد يتحول في ظل غياب المراقبة والمحاسبة إلى نواة أولى في حلقة الفساد الإداري والمالي العام والتي سرعان ما تتمدد بشكل عمودي وتنتعش في مناخ متداع.. رغم كل ذلك يستطيع المواطن وحتي في ظل غياب فضاءات الاحتجاج أو النقد ان يتعايش مع هذه التجاوزات. مكرها نعم، ولكنه على قناعة تامة بضرورة حضور نسيج مؤسساتي يمثل العمود الفقري لكل نظام ديمقراطي منشود ويفرض حدا أدنى من العدالة والمساواة التي يطمح لها كل مواطن حر.

لكن الأخطر من كل ذلك هو ظهور نوع من التهالك والتداعي على مستوى مؤسسات الدولة وسطوتها في مواجهة قوى مالية واقتصادية نافذة بسطت نفوذها على جميع شرايين الاقتصاد الوطني واستغلّت مواقعها من الدوائر الرسمية لتوفر مظلة سياسية تحميها من المسائلة والالتزام بالتشريعات والنظم التي يخضع لها سائر المواطنين.

فما سبق وتطرق له احد الزملاء خلال الأسبوع الأخير من قضية استغلال نفوذ والتصرف في ارض على ملك الدولة بطريقة مخالفة للقانون من طرف مجموعة "ماد بزنس"، فيما بات يعرف بقضية "بريكوراما" ليست القضية الأولى ولا الأخيرة التي يضلع فيها مجموعة من رجال الأعمال الصاعدين الذين شكلوا مجتمعين قوة قاهرة نجحت خلال مدة وجيزة في تغيير ملامح الخارطة الاقتصادية في البلاد؟؟؟؟

وان كان من المشروع لكل مواطن التدرج في سلم الثروة وتوسيع دوائر نشاطه الاقتصادي فان الإشكال يكمن في تحول النفوذ الاقتصادي ومظلته السياسية إلى قوة متعالية على القانون وسلطة المؤسسات المسيرة للبلاد فتُنسف أمامهم جميع الحواجز الإجرائيّة والترتيبية ويوظفون الإدارة في مجال المنافسة ، فيصبحون في حلّ من كل مراقبة، وهو ما ينتهي بهم عادة إلى حالة من "العربدة الاقتصاديّة" وغيرها من مظاهر العربدة العامة التي قد تسيء في مقام أوّل إلى الدعامة السياسية الحاضنة لهذه القوة. هذا فضلا عما قد يخلفه انعدام الشفافية والتلاعب بقوانين المنافسة من تهرب المستثمرين الذين يتأثرون بغياب ضمانات العدالة و قوانين المنافسة النزيهة.

أمّا التخوّف الأكبر فهو أن يتحوّل تضخّم هذه القوى المتنفّذة على حساب مؤسسات الدولة إلى ما يشبه حكومات الظل التي تتحكم في اعتي النظم العالمية، وهي قوى لا تظهر في الواجهة السياسية العامة لكنها تدير الشأن العام من وراء الستار تماما مثل ما يفعل محرك العرائس في المسرح بما يضمن لها الحفاظ على امبراطورياتها الاقتصادية على حساب المصلحة العامة وحقوق المواطنين في العيش الآمن بعيدا عن أي قوة تسلطية، غير رسمية، على الأقلّ.

إنّ ما يحدث لا يبشّر بأي خير خاصة وانّ التاريخ إلى حد اللحظة لم يشهد محاسبة أي مسؤول، وزيرا كان او مجرد عون إداري بسبب تورطه في التحايل على القانون وتجاوز النفوذ خدمة لمصلحة شخصية نافذة، وكانت جميع قضايا الفساد التي تثار عن استحياء شديد تنتهي عادة إلى الامتناع المريب عن المبادرة بفتح تحقيق جدي في ملابساتها. فالي متى تبقى هذه القضايا ضد مجهول ؟

إن مبعث العجب هو الوجود المؤكد لإرادة سياسية راسخة وصادقة في المحافظة على علوية القانون وحرمة المؤسسات وتكريس العدالة، لكن يبدوا أن شيئا من العطب والتخوّف الذي الم ببعض الأذرع التنفيذية، كان دائما الحائل الوحيد دون تجنيب البلاد ظاهرة خطيرة قد تنفلت وتخرج عن السيطرة إذا تواصل هذا الصمت المريب عما يعرّف عالميا بقضايا الفساد.

توفيق العياشي

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose