attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > الطريق الثقافي > العالــم العــربي و جدلية التخلف والإستـعـمار والمقاومة

العالــم العــربي و جدلية التخلف والإستـعـمار والمقاومة

الخميس 9 تموز (يوليو) 2009

إثراء لثقافتنا ودعما لرصيد مكتباتنا يمدنا الأستاذ المؤرخ والعميد الأسبق لكلية العلوم الإنسانية والإجتماعية بتونس الأستاذ علي المحجوبي بكتاب جديد صدر في شهر أفريل الماضي بإشتراك ثنائي بين " دار الإنتشار العربي" ببيروت و " دار محمد علي الحامي للنشر" بصفاقس.

وفي الحقيقة منذ منتصف سبعينات القرن الماضي يواصل الأستاذ علي المحجوبي بلا انقطاع اصدار إنتاجات هامة في الكتابة التاريخية بدءا بأطروحتيه الشهيرتين حول "إنتصاب الحماية الفرنسية بتونس" وحول " جذور الحركة الوطنية بتونس فيما بين 1904- 1934" وهما يعتبران من الإنتاجات المرجعية في التاريخ المعاصر لبلادنا ، وصولا إلى كتابه الشيق حول " جذور الإستعمار الصهيوني بفلسطين" ثم "النهضة الحديثة في القرن التاسع عشر: لماذا فشلت بمصر وتونس ونجحت باليابان؟".

وليس غريبا أن يلتزم فكر هذا الرجل بلا هوادة بمثل هذه القضايا، فعلاوة على ما تشهد به عليه كتاباته هذه من ثبات في إهتمام المثقف بالقضايا المصيرية تاريخيا لوطنه ولمجتمعه، تشهد على إلتزامه هذا أيضا علاقته البناءة المتميزة بطلبته، وعددهم لا يحصى، وقد تفانى في تكوينهم يحمله في ذلك احترام و ثقة لا مثيل لهما في قدراتهم المحتملة وفي إمكانياتهم المتأكدة متوجها إليهم دائما بطيبة نفس تميز بها على الجميع ونجح في جعلها منسجمة مع الروح النقدية التي كان يسعى إلى إكسابهم إياها وتدريبهم على مناهجها وهويتعالى عن كل أبوية وزبونية ونرجسية مضرة.

فمرة أخرى يعود الأستاذ على المحجوبي إلى موضوع الإستعمار والمقاومة مسهما بذلك في وضع المسألة في ماضيها البعيد لتكون مرسومة في حقل الذاكرة وفي فضاء البناء التاريخي للهوية الجمعية، وساعيا في نفس الوقت إلى تحيينها وإلى النظر فيما إكتسبته هذه الحركة التي مازالت متواصلة إلى اليوم بالعراق وفلسطين من سمات جديدة في عصر العولمة وفي إطار موازين قوى الإستعمار الجديد. فعلى طريقته المعهودة التي تجمع بين الدسامة والدقة والوضوح، توقف الأستاذ علي المحجوبي عند حلقات الإستعمار في كل منطقة من مناطق العالم العربي بتفاصيلها وإشكالياتها المعقدة التي ترتبط بتناقضات القوى الناشطة عالميا في دائرته آنذاك على رأسها فرنسا وآنقلترا وإيطاليا، وبظروف ذاتية يمكن أن نسميها ظروف التأهيل إلى السقوط تحت سطوة هذه البلدان وتحت هيمنتها.

وكان يرسم ? في كل مرة ? إهتماما خاصا بمسألة المقاومة وتعبيرات الشعور بمعنى السيادة وقداستها وسيرورة تطور وتبلور الوعي الوطني داخل هذه المجتمعات المغلوبة مسجلا إلحاحه على قضيتي فلسطين والعراق بإعتبارهما دلائل على تواصل هذا التطاول على سيادة الآخرين. فعبر عنوان هذا المولود الجديد " العالم العربي الحديث والمعاصر: تخلف فإستعمار فمقاومة" نرى الأستاذ علي المحجوبي يقارب المسألة من منطلق جدلي يضع النقاط على حروفها حتى لا يبقى مكان للتقييمات الذاتية التي تبرأ النفس وتكبل غيرها أو تمجد الذات الداخلية وترمي كامل المسؤولية على الأطراف الخارجية، فإن حصل إستعمار فهذا يعني حتما أن المناعة الداخلية لهذه البلدان كانت تعاني ضعفا كما يعني أن مكونات الوضع الذاتي كانت تهيئ لحدوث ذلك السطو، ليس بسبب طواعية أو خيانة ما، بل بسبب هنات هيكلية سجنت ديناميكية التاريخ الخصوصي لهذه المجتمعات في جدلية سلبية، قام الاستاذ علي المحجوبي بتتبع كل خيوط نسيجها، الدينية منها والإجتماعية والإقتصادية والسياسية، وهي هنات تتمظهر في شكل تحالف مقيت بين الإنغلاق الديني والإستبداد السياسي ونمط إنتاج طفيلي جبائي وتكلس الهياكل الاجتماعية في أشكالها التقليدية.

وإن تمكنت هذه المجتمعات في حقبة الإستعمار وخاصة في حقبة ما بعد الإستقلال من اقتحام الحداثة، فان هذا الاقتحام يبقى جزئيا ونسبيا لان الاستقلال أعاد ? في هامش ما ? إنتاج نفس التكلس ونفس الإستبداد السياسي، ولإن العالم من جهته، أعاد إنتاج ميكانيزمات الإستعمار عن طريق القوانين الجائرة للعولمة الحالية.

أما البدائل عن هذا الواقع العربي فإن الأستاذ علي المحجوبي لم يهمل التفكير فيها وهذا ما يجعل الإطلاع على الكتاب فرصة لإثراء العقل لتحسس القضايا التاريخية لمجتمعاتنا.

لطيفة الأخضر

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose