attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > الطريق الثقافي > حينما تتجاهل "الهجّالة" جهود "الرّجّالة"...

العين بصيرة...

حينما تتجاهل "الهجّالة" جهود "الرّجّالة"...

الثلاثاء 23 حزيران (يونيو) 2009

خميس الخياطي

تحكي إحدى قصص الروائي التركي عزيز نسيم عن صحفي أرسلته جريدته لإنجاز تحقيق عن أحوال ومآل قرية "عفسة الحصان" التركية، الواقعة بالـ"زّيروويت" التركي عندهم... بين قوسين. لم يكن الصحفي مقربا من أهل الذكر ولا من إدارة الجريدة ولا من الحزب الحاكم. وليست له سيارة ولا بعير ليصل إلى "عفسة الحصان" التركية، فقد أرسل هناك عقابا ?ضمنيا- له لأنه لغبائه صدق فعلا كذبة العمل بالسلطة الرابعة... وبعد أن تحمل صعاب "اللواجات" و"كاتسانكات"(404) النقل الريفي، دون أن ننسى الدّواب، كما نرى ذلك في فيلم "يوميات نائب في الأرياف" لتوفيق صالح عن رواية لتوفيق الحكيم، وصل صحفيّنا إلى "عفسة الحصان" التركية... فلم يجد بها الزبالة والبداوة ولا حتى الفوضى التي قيل له أنه سيجدها حتما هناك... كانت الطرقات الزراعية نظيفة، المنازل بيضاء والنوافذ والأبواب زرقاء والخضرة تضفى الراحة على ناظرها تماما وكأنها صورة إشهارية لسيدي بوسعيد... كانت "عفسة الحصان" قطعة من الجنّة على أرض الـ"زّيروويت" التركي.

ما إن تكلم الصحفي مع القرويّين وسألهم عن أحوالهم وأحوال قريتهم وذويهم وأقرباء ذويهم وما يبغون من السلطة، حتّى سخطوا وكالوا النقد والشتم للمسؤول ? نفترض انه يعادل المعتمد عندنا ? الذي عينته الدولة عندهم...

من قواعد المهنة الصحفية أن على الصحفي أن يجمع الرأي والرأي المخالف، فعند لقاءه المسؤول، علم أن هذا الأخير يعمل "بقلب ورب" في خدمة أهل القرية ولا يطلب إلا إرضاء ضميره استجابة لحب وطنه... فحار صحفيّنا بينهما... أيّهما يقول الحقيقة؟ ولتفريك الرمّانة، ذهب إلى جماعة من بلدية "عفسة الحصان"، وسألهم عن سرّ هذه القطيعة بينهم والمعتمد، فقال له كبيرهم: "يا هذا، أتريد الحقيقة الحق؟ إننا لم نرى من المسكين إلا الخير.. .
لكن فلتعلم أنه، لو قلنا فيه كلمة الخير هذه ، فإن "المسؤولين’ هناك سيأخذونه عنّا ويحرموننا منه ويعيّنوه بساحلهم المطل على المتوسط... وبالتالي، اتفقنا دون سابق إضمار ألا نقول فيه إلا ما أوتي من كلمات سوء في لغتنا ونطالب بترحيله عنا... ولكنهم يجيبوننا دائما : من أنتم حتى تنشدون فرض أهواكم على الدولة... هذه الدولة بـ"طولها وطلطولها" قررت أن يبقى على قلوبكم... وهو باق على قلوبكم شئتم أم أبيتم..."


"تعيى وأنت تقبض"

هذا المكروه المحشو خيرا عشش في هجالتنا منذ عهود. فكلما تزداد الأمور سوءا، "يكبش" المسؤول بيديه ورجليه في المنصب ولن يبرحه إلا بعد أن يكون قد أستنزف كل طاقات العاملين بالمؤسسة من مرسمين ومتعاونين مؤمنا للأوائل رواتبهم، متناسيا "الساعات الزايدة" وللآخرين أن يترقبوا تحسن أمور الموازنة واجتماع اللجنة الموقرة التي ستنظر في تقييم برامجهم. إحدى وسائل الاستنزاف هذه كما نرى هي "الحنينات"... لو كانت الدنيا دنيا، مبدئيا ونظريا، "للهجّالة" من المال ما يحسدها عليه "قارون" و"كرزوس" معا،... فإضافة لمساهمة الدولة المالية، هناك مداخيل الكهرباء والاستشهار، وهي مبالغ لا يستهان بها وبعض الأخصائيين في الشؤون المالية بالتلفزة يزعمون أن هذه المبالغ لو أعطيت كاملة للمؤسّسة لأصبحت الهجالة "مخبّلة" في برامجها كما "الزّازية الهلالية في شعورها" ... لقد بينت "سيغما كونساي" مؤخرا أن مردود الاستشهار يعادل نظريا مبلغ 2,295 مليون دينار لشهر ماي فقط، مقابل 1.953 مليون دينار لحنبعل تي في... ما رأيكم لو ضربنا هذه المداخيل بأشهر السنة الكاملة؟

ورغم ذلك، تعيش "الهجّالة" حالة من الفقر الإنتاجي المدقع... ورغم ذلك كذلك، تقوم المصالح بتأمين الإنتاج وتأثيث ما يوصف بشبه الشبكات التي أصبحت نكتة في أروقة المؤسسة لكونها دائمة التغيير المباغت. لنترك جانبا البرامج الموسميّة التي تتميز بالميزانيات المفتوحة وننظر في البرامج الأخرى... فما عدا المسؤولين الثلاثة عن الأخبار وما يتبعها من برامج مثل "متابعات" و"المنتدى" والذين حصلوا على مستحقاتهم حتى آخر مليم مما جعل المنسيين يتندرون بشعار "غزّة رمز الدزّة"، لكثرة البرامج المؤمّنة الدّفع. ولو تركنا جانيا أيضا البرامج الأربعة لشركة "كاكتوس" الميمونة وأموالها المأمونة، قليلون هم أصحاب البرامج الذين حصلوا على مستحقاتهم وقد انقضت ستة أشهر من السنة الحالية. بعضهم لم يحصل على مليم واحد منذ شهر أكتوبر الماضي... بل أكثر من ذلك وبغض النظر عن قيمته، أوقف على سبيل المثال البرنامج الخدماتي "عن قرب" لعلي إبراهيم دون إشعار معدّه الذي حتى هذه الساعة لم يحصل على مستحقّاته المتبقّية من سنتي 2007 و2008...

"عيش بالمنى يا كمّون"

كثيرة ومتنوعة هي البرامج التي تبث حاليا على شبكة "الهجّالة" ولم تدفع مستحقات أصحابها من مخرجين ومعدّين وما إلى ذلك إلى حين تجتمع اللجنة الموقرة. هذه اللجنة? وما أكثر لجان "الهجّالة" - والتي لم تجتمع بعد ولا يعرف متى سيهل هلالها، مكوّنة من رئيس المؤسّسة ومدير القناة والمدير المالي ورئيس المصلحة التقنية وهدفها التقييم المالي لمجموعة من البرامج التي لم يتفق عليها مبدئيا بين "الإدارة" ومنتجها. اللجنة الموقرة ستنظر في برامج أقل ما يقال عنها أنها تبث منذ ستة أشهر... وما بثّها إلا عنوان لرضا الإدارة عنها... فكيف ستقيم إذا؟ ومن له الصلاحية الموضوعية لتحديد القيمة المالية لمجموعة من الأعمال المختلفة الأجناس والقيمة، والحال أن اللجنة تفتقر إلى أعضاء بإمكانهم التقييم الفنى والفكري، لا سيما ونحن في وسيلة إعلامية ولسنا في مصنع للبسكويت؟ يخيل إلي أننا في بلد من بلدان أوروبا الشرقية التي امّحت بسبب إهمالها الجانب الفني والفكري في حياتها.

حينما ننظر إلى البرامج التي لم يحصل أصحابها على مستحقاتهم، نجد أن معظمها من الجنس الثقافي مثل "بين المعاهد" لكمال يوسف، "بيت الشّعر" لحبيب الأسود، "كلمات" لأسامة فرحات، "كاميرا موليير" لعايدة بالسمرة، "الأسبوع الثقافي" لوديع بالرحومة، "آخر الليل" لحسن بن عثمان، "صفو المقال" لرمزي بالرحومة أو "هذا الكتاب" لمحمد المصمولي... والقائمة تطول لو أدمجنا فيها برامج أخرى مثل "نوار عشية" و "رحلة العمر" و... و.... و.... هذا دون أن نشير إلى عديد العاملين المترسمين الذين استنزفوا في الساعات الإضافية والبعض منهم فقدها إلى الأبد لسبب عجز في الميزانية...

أيعقل ونحن في بلد يحتل المرتبة الثانية عالميا ? بعد سنغفورة ? في حسن التصرف في المال العام أن تعمل تلفزة عمومية لمدة نصف السنة دون أن تدفع مستحقات العديد من المتعاونين معها والذين يؤثثون شبه شبكتها البرمجية بما لا يختلف عن قراءة دليل الهاتف كما نرى ذلك في النشرات الإخبارية؟ قد لا تضيع المستحقات لأنها في خزينة الدولة ولكن هل تساءل المسؤولون عن شرعية تقييمهم العشوائي للبرامج التلفزية دون تكوين لجنة موضوعية بها الاختصاصات المكونة للأثر التلفزي؟ لا أضن أن مثل ذلك قد خامرهم؟ وإن خامرهم، فهم خدم الدولة وتلك وضيفتهم، اليوم على رأس "الهجّالة" وغدا لا يعلمه إلا الراسخون في دواليب الدولة... ومن يدفع الثمن؟ هؤلاء الذين كانوا حطب النار التلفزية من تقنيين وفنانين ومثقفين الذين يعيشون على الأماني في أن تحترمهم الدولة ولا تتجاهل جهودهم...

"إلي يكثر مالوطنيّة يمساط"

"حب الوطن من الإيمان"، مقولة تقوم على التضحية والتضحية، من جهتها، معطى طبيعي/رباني... تكون أو لا تكون. أن تقلل من حب الوطن فأنت في خانة الخيانة وأن تكثر منه، فأنت صاحب فائض غير معقول. حب الوطن مثل الحرارة، نزولها خطر وارتفاعها خطر. نزولها يؤدي إلى تفكك الرابط الجماعي وارتفاعها يؤدي إلى الفاشية... حب الوطن اعتدال بين المواطن والوطن والمغالاة أو التقصير عدوّتهما...
جملة قالها أحد المتدخلين في برنامج "بالمكشوف" على شاشة حنبعل مفادها "هاي النّاس إللي تحب بلادها"... كانت الجملة ستمرّ مرور الكرام لو لم أستمع إلى مثلها في نهاية الأسبوع على شاشة تونس7... برنامج "عشوية" الذي بثته "الهجّالة" يوم الأحد الفارط يسهر عليه ثلاثة هم : المخرج/المعد عبد الجبار البحوري، المعد طارق حرّار والمنشّطة/المعدة يسر صحراوي. هذا البرنامج، وهو من النوع الترفيهي، وإن تغير عنوانه لأكثر من مرة على مرّ الشبكات، أبقى على تركيبته الترفيهية، لأن الترفيه في القناة "الهجّالة" يخضع لقاعدة "شد مشومك..." هذه التركيبة تقوم على بلاتوه ومجموعة مختارة من الجمهور ومكان تقع فيه المحاورة. في هذه الحلقة التي بثّت بعد فوز الفريق التونسي على منتخب الموزمبيق، استضافت يسر الصحراوي المغنية منيرة حمدي والمطرب المتربص أنيس الخماسي والمغنية "العجيبة" زينة التونسية. إن كانت هذه الأخيرة بلباسها وهيئتها وغنائها أصلح لكاباريه منه إلى تلفزة عمومية، فإن الآخران اختارا أن ينشدانا، الأول من كلمات الصديق آدم فتحي وألحان لطفي بوشناق أغنية قومية عربية تجمع بين دجلة والفرات والنيل ومجردة والأولى اتتنا بأغنية وطنية عن تونس أقل ما يقال عن كلماتها ولحنها أن دليل الهاتف وصخب الـ"كاسارونات" أفضل منها، ليس لأن المرأة لا تعرف الغناء، بل لأن الأغنية لا محل لها من الإعراب، لا سيما والسيدة منيرة حمدي تلقيها دون تأثر ولا أحاسيس وكأتها تؤدي واجبا لتمر إلى الأغاني المصرية...

في هذه الحالات، شعرت بأن من لا يحب الزواج بين مجردة والنيل فهو خائن، وأنا لا أحب هذا الزواج المفتعل...، شعرت بأن من لا يحب التغني بالوطن بعد فوز فريق كرة القدم فهو خائن ليس للوطن فقط، بل خائن للرياضة الوطنية... وأنا لا أحب الرياضة الوطنية... "إلّي يكثّر مالوطنيّة يمساط" وتذكرت حدوثة القرويّين في قصة الروائي التركي...

في كل الحالات، ما كان لي إلا أن أسبح نحو آفاق تلفزية أخرى حيث حب الوطن فيها مثل التنفّس... وهل يسأل الإنسان نفسه التنفس؟

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose