attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > هــمـسة وغـمـزة > يُفتـــح الستـــار

الصندوق الأسود

يُفتـــح الستـــار

الأحد 14 حزيران (يونيو) 2009

قبل سنوات قليلة أي قبل أن تنشأ جمهورية "الفايس بوك" المتحدة وتنتشر المدونات ويزدهر الفضاء الافتراضي وقبل ان تخز أشواك الصبار قناتنا الوطنية فتفتّح عينيها، بعد طول غشاوة، على البعض مما خفي من أحشاء المجتمع التونسي وبعض تشوهاته البنيوية والقيمية وما آلت إليه الأوضاع في بعض مؤسساتنا وإداراتنا من تسيب وعبث بالقوانين...قبل كل ذلك كنا أشبه بذلك الزوج المخدوع الذي لايرى في حبيبته إلا وفائها المخاتل ووداعتها وابتسامتها المناورة خلال فترة حضوره بالمنزل..

بعد أن فُتح الستار وباغتنا المرآة من خلفه، اتضح جزء هام من معالم كثيرة لصورتنا الحقيقية حاملة كثيرا من التشوهات والندوب التي طالما غمرتها مساحيق إعلامنا الرسمي وهو الذي خلق لدينا على امتداد سنوات سطوته عقدة العذرية المطلقة ووهم أننا قوم لا تشوبهم شائبة : امن.. مسالم.. مسامح... كريم ..ابعد ما يكون عن العنف وأزمات الأخلاق والشرف وفيضانات البذاءة الجارفة والتحلل القيمي العبثي ...

على امتداد سنوات لم يفتح الستار ولو مرة واحدة حيث كنا أشبه بحامل احد الأورام الخبيثة الذي يحس بتهالك جسده وانهيار قواه دون أن يدرك السبب أو ينجح في تشخيص أمراضه.. على امتداد سنوات لم يوجه أي نقد أو مسائلة لأي إدارة كانت حكومية أم حزبية (قبل الدمج) وبقيت المحاذير العشوائية تفخخ الفضاء الإعلامي فتقتل روح المبادرة وتشجع على التمادي في التجاوزات،

ورغم أن بدايات حلحلة الستار كانت متعثرة وكان المخاض عسيرا، فأول بادرة لبرنامج تلفزي يلمّح لوجود حالات الفقر والعوز لدى شريحة هامة من المواطنين (كما هو الحال في سائر دول العالم) وقع وأده، ثم جرت محاولات حثيثة لمحاصرة "الانفلات الإعلامي" والتمدد المضموني سواء في الفضاء السمعي البصري أو الافتراضي إلا أن التطور التكنولوجي وحدّة أشواك صبار الجماعة كانت أقوى من إرادة المحافظين.

فُتح الستار وتكشفنا على حجم الخطر الذي أصبح يهدد نسيجنا الاجتماعي باستشراء الغدر والخيانة والتحيل و التشتت الأسري وغلبة الهاجس المادي المنفعي على كل ما هو قيمي إنساني، في مجتمع أصبحت فيه البذاءة والإيحائية المبتذلة نشيدا يتغنى به المهسترون في الشوارع ويروج في اسطوانات موسيقية يقع تداولها كأي منتوج مرخص فيه، بل أصبحت أهازيج البذاءة مادة تعليمية يلقنها بعض الأولياء لأبنائهم، على غرار ما أظهره شريط مصور وقع تنزيله على صفحات "الفايس بوك" حيث يعمد "اب" إلى تلقين ابنته الصغيرة أهزوجة رياضية تنضح بذاءة وإقذاعا ..

فُتح الستار فوقفنا على مدى تطور تلاعب بعض الإدارات بالقوانين وعبثها بشواغل المواطن وبقاء مسؤوليها في حل من كل مسائلة يمكن أن تعيد الثقة إلى مؤسسات الدولة، فتحول دون أن يصبح برنامج تلفزي مزارا لكل المتظلمين ووجهة لأصحاب الحقوق الغابرة عوض التوجه إلى الإدارات المعنية بتطبيق القانون.

فُتح الستار على جزء مهم من تراكمات سنوات "ديما لاباس" ولابد أن يوسع فتحته ليتكشف للرأي العام كل التجاوزات التي أصبح من الملح الانكباب على معالجتها عن طريق الردع أولا لوقف نزيف الانحلال والتسيب ثم النظر في جذور هذه الأورام ومحاولة بترها ولو تطلب الأمر أن تبقى بعض الهياكل عرجاء.

فليفُتح الستار إذن على مصراعيه ولنواجه صورتنا بكل شجاعة إذا كانت هناك رغبة صادقة في الإصلاح.

توفيق العياشي

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose