attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > شؤون وطنية > في ذكرى التحركات الاجتماعية بالحوض المنجمي وسيدي إيفني "قراءة مقارنة"

في ذكرى التحركات الاجتماعية بالحوض المنجمي وسيدي إيفني "قراءة مقارنة"

الأحد 7 حزيران (يونيو) 2009

بقلم
الأستاذ عبد الستار بن موسى

إن الشعوب التي لا توثق ذاكرتها لا مستقبل لها.

كذلك الإنسان الذي لا يكون شاهدا على عصره وجوده وعدمه سواء.

فالتحركات الجماهيرية تستوجب التوثيق لتكون عبرة لمختلف الأجيال كأحداث 26 جانفي 1978 وانتفاضة الخبز سنة 1983 وأحداث الحوض المنجمي بالبلاد التونسية وأحداث سيدي ايفني بالمغرب الشقيق.

إنها تحركات شعبية نشيطة تدعو إلى التأمل لإستخلاص العبر. لقد مرت على التحركات الإجتماعية بكل من الحوض المنجمي وسيدي ايفني أكثر من سنة، ولا يمكن أن تمر هذه المناسبة كسحابة صيف عابرة، بل إن الواجب يفرض علينا جميعا النظر والتدقيق في تلك التحركات لرصد أسبابها ومظاهرها وإبراز كيفية معالجتها.

ومنذ الوهلة الأولى يمكن التأكيد على أن أسباب تلك التحركات ومظاهرها تكاد تكون واحدة في كل من الحوض المنجمي وسيدي إيفني إلا أن الإختلاف يكمن في كيفية معالجتها من قبل السلطة.

-  في الأسباب والمظاهر :

إن الأسباب العميقة لمختلف التحركات الإجتماعية في كل من المغرب وتونس وأغلبية دول الجنوب تعود أساسا وأولا إلى فشل السياسة الإقتصادية، ذلك أن المناطق الداخلية المحرومة لم تلق حضها سواءا تعلق الأمر بالبنية التحتية أو بالبنية الفوقية فالطرقات والتجهيزات مازالت بدائية ولا تشجع على الإستثمار والمصانع نادرة جدا ويعود ذلك إلى تخلي الدولة عن دورها الأساسي في مجال الإستثمار والتجهيز وقد نجم عن ذلك تفاوت في النمو الإقتصادي واتساع في الفوارق الطبقية. أما السبب الثاني فيعود إلى فشل السياسة التربوية حيث تدنى مستوى التعليم إلى أقصى حد وأصبحت الجامعات تفرز أفواجا من أصحاب الشهائد العليا في كل المجالات وفي جميع الاختصاصات لتنضاف إلى جحافل العاطلين عن العمل إلا من اسعفه الحظ من المؤلفة قلوبهم أو من المنتمين إلى أصحاب الجاه والمال. أضف إلى ذلك فشل سياسة المسكنات التنموية أو الظرفية التي ينهشها الفساد المستشري في مختلف المرافق العمومية كما جاء في تقرير اللجنة المستقلة للتحقيق في أحداث سيدي إيفني والذي ورد به أيضا بأن النضال الجماهيري بسيدي ايفني عرف عدة محطات احتجاجية ومسيرات شعبية منذ 2005 حول العديد من الملفات المطلبية من بينها مجانية الصحة وجودتها.

  • الحق في الشغل
  • التعويضات الإجتماعية لضحايا المرحلة الإستعمارية

وإن ما يفسر تصاعد وتيرة الإحتجاجات الشعبية بسيدي ايفني والحوض المنجمي هو التعامل السلبي للسلطة مع الإحتجاجات حيث تم الإعلان عن عديد الوعود التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ وكان من الطبيعي جراء الوعود المعسولة والتعامل القمعي أن تستمر النضالات الشعبية والتحركات الإجتماعية وتتصاعد لتتعدد مظاهرها، فالنضال الجماهيري لم يكن وليد صدفة أو مجرد تحرك فوضوي، بل إنطلق منذ عدة سنوات ذلك أن منطقة الحوض المنجمي والعديد من المناطق الداخلية للبلاد التونسية قد شهدت عدت تحركات نظمها الطلبة تنديدا بالسياسة التربوية ومطالبة بحقهم في تعليم مجاني ومتميز. أو العطلون عن العمل مطالبة بحقهم في الشغل وفي العيش الكريم وهي حقوق كرستها المواثيق والمعاهدات الدولية وجعلت من ضمانها واجبا محمولا على الدول، إلا أن النقطة التي أفاضت كأس المرارة والحرمان تمثلت في نتائج المناظرة التي نظمتها شركة فسفاط قفصة والتي تم التلاعب بها بإقرار من السلطة وجاءت لصالح اصحاب الجاه والمال مخيبة لآمال الأغلبية الساحقة من المشاركين فيها والمتمتعين بالأولوية المطلقة حسب القوانين والأعراف المعمول بها، فعبر هؤلاء عن رفضهم لنتائج تلك المناظرة وعن تنديدهم بسياسة التهميش والتفقير التي أصبحوا فريستها في حين أن منطقة الحوق المنجمي تحتوي على مدخرات هامة من الفسفاط التي تميزت بجودتها وارتفاع ثمنها في الأسواق العالمية فأصبحت تدر أموالا طائلة.

نظم الغاضبون إعتصاما بمقر الإتحاد المحلي للشغل بالرديف تنديدا بتهميشهم وبمظاهر الفساد والرشوة والمحسوبية فتتالت المحطات النضالية والتحركات الشعبية النشيطة والمسيرات السلمية التي شملت كل مدن وقرى الحوض المنجمي وامتدت إلى مدينة فريانة بالقصرين، أما في سيدي إيفني فإن التحركات الإجتماعية والنضالات الشعبية إنطلقت منذ عدة سنوات وهي نشيطة ومتواصلة على مر السنين، منددة بتدهور الأحوال الإقتصادية والإجتماعية والسياسية مطالبة بوضع حد لظاهرة الإقصاء والتهميش، وقد تمكنت من تحرير معتقليها سنة 2005 بعد أن تمسكت الجماهير المحتجة بمطلبها الرامي إلى إطلاق سراح المساجين ورفع الحصار كشرط لتعليق إحتجاجاتها كما تمكنت أيضا سنة 2006 من تحير المعتقلين الذين وجهت لهم تهم خطيرة (رشق موكب رسمي بالحجارة ? التجمهر المسلح ? تخريب ممتلكات عمومية). إلا أنه وفي بداية شهر جوان 2008 ولما إتضح زيف الوعود واستفحال ظاهرة البطالة، إغتنم العاطلون عن العمل

JPEG - 472.9 كيلوبايت

فرصة تنظيم قرعة ببلدية سيدي إيفني لإنتداب 8 أعوان من بين ألف مترشح ونظموا إعتصاما مشفوعا بنقاش حول سبل الدفاع عن حقهم في العمل خاصة وأن مدينتهم تزخر بثروات سمكية هائلة وتحتوي على ميناء إستراتيجي يدر أموالا طائلة ورغم تلك الثروات الهائلة فقد ظل أهالي سيدي إيفني مثل أهالي الحوض المنجمي مهمشين، عاطلين عن العمل الأمر الذي فجر مشاعر الاستياء الكامنة في نفوسهم فتتالت الأحداث بصورة تصاعدية بسيدي إيفني مثلما حصل تماما بالحوض المنجمي، لقد إزداد منذ يوم 2 جوان 2008 عدد المشاركين في التحركات الشعبية وتحول المعتصمون إلى سلطة فعلية تشرف على الحركة بالميناء تحسبا لإستعمال بعض السيارات في خطة أمنية لتطويقهم، كما إستمرت المسيرات النسائية من المدينة إلى الميناء يوميا وازداد عدد المشاركات، وفي يوم 6 جوان 2008 وعلى إثر اختطاف أحد الشبان المعتصمين، إنطلقت تجمعات شبابية ونسائية في كافة أنحاء المدينة واتجهت الجماهير الغاضبة صبيحة يوم 7 جوان 2008 في مسيرة عارمة إلى مركز الأمن بالمدينة مطالبة بإطلاق سراح الشاب المختطف وهو ما تم فعلا، إذ عمد البوليس بفعل تلك التحركات إلى رمي الشاب في منطقة نائية بعد أن قام بتعذيبه، ثم حصل على إثر ذلك التدخل القمعي.

في معالجة التحركات الإجتماعية في كل من الحوض المنجمي وسيدي إيفني :

إن كانت المعالجة الأمنية واحدة وتميزت بصبغتها القمعية، فإن المعالجة السياسية تختلف من جهة إلى أخرى.
أما المعالجة الأمنية فقد كانت حاضرة بقساوتها، مهيمنة على كل مراحل الإيقاف والاستنطاق، ففي الحوض المنجمي عمدت قوات البوليس إلى مداهمة المنازل وترويع الأهالي والإعتداء على الممتلكات وإيقاف العديد من النقابيين والنشطاء، وممارسة تعذيب منهجي ضدهم عاين آثاره قاضي التحقيق ودائرة الإتهام وهيئة المحكمة وتم تدوين ذلك بمحاضر الإستنطاق والجلسات، كما أن ظروف السجن قاسية ولا تزال، حيث تم إيداع العديد من الموقوفين بسجون بعيدة عن مقرات سكناهم ولا ترجع بالنظر إلى دائرة المحكمة التي تولت مقاضاتهم، كل ذلك تنكيلا بالموقوفين وبأهاليهم، كما عمدت السلطة مؤخرا إلى تحويل بعض الموقوفين من سجن قفصة إلى سجون بعيدة منها ما هو في أقصى الجنوب التونسي كسجن رجيم معتوق، نفس الأمر حصل لأهالي سيدي إيفني كما ورد بتقرير لجنة التحقيق المستقلة، إذ عمدت قوات البوليس يوم 7 جوان 2008 إلى محاصرة المدينة ومداهمة أحيائها ومنازلها فعم القمع وتعددت أشكاله من محاولة إغتصاب وتعذيب منهجي (ضرب مبرح ? جرح ? وضع على الأصفاد ...). ولئن لم تسجل التقارير الصادرة عن مختلف لجان التحقيق عمليات قتل، فإن الأحداث التي جدت بالحوض المنجمي يوم 6 جوان 2008 راح ضحيتها شابان قتلا رميا بالرصاص ومازال قاتلوهما ينعمون بالحرية.

ولقد إتضح من الحرص على المعالجة الأمنية، أن السلطة السياسية كان همها الوحيد تأمين مصالح الرأسمال، فهي لا تكترث بمآسي المهمشين والمقهورين بقدر ما تكترث بأمن ومصالح اللوبيات المرتبطة بالصيد البحري بسيدي إيفني أو المرتبطة بالثروة الفسفاطية بالحوض المنجمي فلم يتورع البوليس عن إستعمال كل وسائل التنكيل والقمع ضد المناهضين للتهميش والإقصاء أو ضد كل من يتضامن معهم حتى يكونوا عبرة لغيرهم.

إن السلسلة القمعية لمدن وقرى بالحوض المنجمي أو بسيدي إيفني لم تكن مجرد ردة فعل أمنية كما يروج بعضهم بل إنما هي محاولات مكشوفة للضرب بقوة وبيد من حديد على كل من يتذمر من رداءة الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية والسياسية وهي دليل آخر على فشل المسكنات التنموية والوعود السّراب.

أما المعالجة السياسية فقد كانت مختلفة ففي سيدي إيفني، بادرت السلطة الجهوية بإرساء حوار مع المعتصمين ووالي الجهة ومسؤولين من قوات الأمن وأثناء الحوار قدم المعتصمون مطالبهم المتمثلة في تسليم بطاقات الإنعاش الوطني للعائلات الفقيرة وبناء وحدات صناعية بالمنطقة لتوفير مواطن شغل للشباب وبناء معهد للتأهيل البحري يستفيد منه المعتصمون وأمثالهم وتسلم الدفاتر البحرية للعاطلين عن العمل والتحقيق في مظاهر الفساد المتفشية في الجهاز الإداري.
وأثناء الحوار تمسك الوالي بضرورة تعليق الإعتصام أولا حتى تتم الإستجابة لبعض المطالب، وأمام ذلك العرض الهزيل والمشروط تمسك المعتصمون بمواصلة نضالهم، ويوم 4 جوان زار بعض النواب بالبرلمان المعتصمين وأجروا حوارا معهم لكن دون جدوى كما تتالت زيارات البرلمانيين والمسؤولين السياسيين إلا أن الإعتصام تواصل بناءا على عدم جدية الحوار.

إلا أن قوات البوليس لما حاصرت المعتصمين واعتقلت بعضهم لم تلق القبض على المشاركين في الحوار وعلى المتضامنين مع المعتصمين، كما تم تتبع الموقوفين من أجل جنح وصدرت ضدهم أحكام لم تتجاوز في أقصاها السنة ونصف السنة. وتم إطلاق سراحهم جميعا، كما حرصت السلطة السياسية على إجراء تحقيق بواسطة لجنة برلمانية حول الأحداث للبحث عن أسبابها وكيفية معالجتها، كما تكونت عدة لجان مستقلة واشتغلت بكل حريّة وأصدرت عدة تقارير منها ’’الكتاب الأسود’’ لأحداث "سيدي إيفني" 2008 الذي أعدته جمعية "أطاك" المغرب في مواجهة العولمة الليبرالية أما في تونس فإن لجنة الحوار التي دعت السلطة إلى تأسيسها والتي حضر أشغالها العديد من النقابيين وعلى رأسهم عدنان الحاجي و بشير العبيدي وترأسها معتمد الجهة وحضرها رئيس بلدية المكان وبعض متفقدي الشغل وبعض مديري شركة فسفاط قفصة فإنها توصلت إلى حل العديد من الإشكاليات وأفضت إلى تعليق الاعتصام كما أفرزت عدة اتفاقات موثقة بمحاضر جلسات رسمية، هذا وقد عقد بعض النقابيين من أعضاء تلك اللجنة جلسات حوار مع مسؤولين على النطاق الوطني إلا أن المنتفعين من مظاهر الفساد ومن التلاعب بمظاهر الفساد ومن التلاعب بنتائج المناظرات، حركوا سواكنهم وتجندوا ضد اللجنة، ودبّروا بعض العمليات الإجرامية ليشوهوا سمعة النقابيين وكل المتضامنين مع أهالي الحوض المنجمي وليشوهوا الحركة الإجتماعية برمتها. فانقلبت بمفعول ذلك السلطة على المناضلين الوطنيين والنقابيين الأحرار لترمي بهم في غياهب السجون ويتم تلفيق تهم خطيرة ضدهم (تكوين عصابة مفسدين ? تكوين وفاق ) أدت إلى محاكمتهم في ظروف إنعدمت فيها أبسط مقومات المحاكمة العادلة وصدرت ضدهم أحكام قاسية وصلت إلى حد العشر سنوات كما أن السلطة لم تكلف نفسها أي عناء لبعث لجنة مستقلة لتقصي الحقائق، كما لم يتم بعث لجنة برلمانية أو حتى لجنة وزارية في الغرض ولم يقع إلى الآن التحقيق بصفة جدية في الأحداث التي حصلت خاصة يوم 6 جوان 2008 وذهب ضحيتها شابان قتلا بالرصاص وبقي المناضلون رهن الإعتقال إلى الآن بسبب تضامنهم مع أهل الحوض المنجمي ودفاعهم عن المطالب المشروعة المتعلقة بالحق في الشغل والحق في الحياة.

إن السلطة في كل من المغرب وتونس راوحت هكذا ومنذ إنطلاق الأحداث بين الإعلان عن المسكنات والقمع الوحشي والبحث عن وكلاء لها داخل التحركات الإجتماعية قصد تشويهها وإسكاتها إلا أن تلك السياسة باءت بالفشل فلا الوعود حلت مشكلة البطالة ولا القمع قضى على التحركات الشعبية، فالجماهير التي تدافع عن وجودها وعن كرامتها تشكل مناضليها الأوفياء الذين سيواصلون نضالهم مادام هناك تهميش وإقصاء ومادام هناك فساد ورشوة ومادام هناك تكديس للثروة بين أيدي فئة قليلة وتجويع الأغلبية الساحقة.

سوف لن تتوقف التحركات الإجتماعية ولو جوبهت بالرصاص. أن الحل يكمن في معالجة الأزمة من جذورها وذلك بإطلاق سراح المساجين و توفير مواطن الشغل وأبسط مقومات العيش الكريم، الحل يكمن أيضا في إطلاق الحريات وتمكين المواطنين من التعبير عن آرائهم وتنظيم تجمعات ومسيرات. ولعل ما يحصل الآن بالمغرب من إطلاق سراح كل المساجين والسماح بالمسيرات السلمية والوقفات الاحتجاجية التي ينظمها العاطلون عن العمل والمتذمرون من الأوضاع للتعبير عن مطالبهم المشروعة خطوة أولى على الطريق الصحيح.

الأستاذ عبد الستار بن موسى

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose