attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > شؤون وطنية > بعض الملاحظات الأولية حول مشروع قانون حماية الملكية الأدبية والفنية

بعض الملاحظات الأولية حول مشروع قانون حماية الملكية الأدبية والفنية

السبت 30 أيار (مايو) 2009

سيعرض قريبا على أنظار الجلسة العامة بمجلس النواب، مشروع قانون يتعلّق بتنقيح وإتمام القانون عدد 36 لسنة 1994 المؤرخ في 24 فيفري 1994 والتعلّق بالملكية الأدبية والفنية وذلك لمزيد توضيح أحكامه وملاءمتها مع الاتفاقيات الدولية، بدءا من اتفاقية "بارن" الصادرة في 1886 وصولا إلى معاهدتي الانترنت المتعلقتين بقواعد منع النفاذ إلى المصنّفات الأدبية والفنية والانتفاع بها على شبكة الانترنت والشبكات الرقمية.

فيما يلي أهم الأفكار والملاحظات والاحترازات حول مشروع هذا القانون:

"يهدف هذا المشروع، من خلال ما صرّح به شرح الأسباب، إلى الحفاظ على حقوق المبدع وتأمين مناخ محفّز على الابتكار. وفي ذلك اعتراف بالمبدعين ومكافأة لهم على إبداعاتهم. وفي حماية الإبداعات تحفيز على مزيد الإبداع والتميّز. كما يهدف أيضا إلى توسيع نطاق الحماية لمنتجي التسجيلات السمعية والسمعية البصرية وإلى فنّاني الأداء.
هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى يهدف إلى مقاومة القرصنة، لأنّ في القرصنة خطورة كبيرة على الملكية الأدبية والفنّيّة للمؤلّفين والفنّانين ولأنّ القرصنة هي شكل من أشكال اللصوصيّة، وهناك توافق عام على أن اللصوصيّة قيمة سالبة تقتل روح الإبداع. "

فضلا عن كون التزوير يخلق سوقا موازية تعود بالمضرّة على الجودة وعلى الذوق العام وتحكم عليه بالهبوط والانحدار في الإنتاج، وهو ما أصبحنا نلاحظه في ظل أزمة القيم الحالية. الأضرار كبيرة لاشك، على المنتج وعلى الناشر وعلى الصناعة الثقافية بشكل عام. وهذا ستكون له نتائج سلبية على الدخل الوطني بحرمانه من مصادر تمويل، لا يجب الاستهانة بها، لتنمية الثروة الوطنية.

إضافة إلى هذا، فإنّه في غياب حماية الإبداعات الفنّيّة والأدبيّة فتح لباب هجرة المبدعين إلى حيث يمكنهم حماية منتجاتهم وإبداعاتهم في بلدان أخرى، فتتفاقم ظاهرة هجرة الأدمغة، مع ما أصبحنا نلاحظه من رغبة لدى الشباب في ما تسمّيه العبارة العامية "الحرقان".

وفي الحقيقة لهذا المشروع جوانب إيجابية عديدة تدافع عن مبرّرات ودواعي عرضه. ولكن عند النظر إليه من زاوية الاختلال الكبير بين دول كبيرة بما تنتجه من إبداعات ، ودول أخرى فقيرة في مجال ملكية تلك الحقوق، أي من زاوية العولمة وما تؤكّده الدراسات الإستشرافية من تعمّق الفجوة في صالح الدول المهيمنة حاليا. ومع استحضار دواعي عرض مشروع هذا القانون بملاءمة التشريع التونسي مع الاتفاقيات الدولية التي لا يضعها الصغار بالطبع، فإن الخشية من الموافقة على مشاريع قوانين مماثلة لهذا المعروض علينا اليوم، من أن يقع تأبيد ذلك الاختلال وتأبيد احتكار المعارف والفنون والآداب من قبل الأقوياء، ومنع الشعوب الفقيرة وحرمانها من الحصول على المعرفة ومشتقّاتها. تصوّروا مثلا ماذا سيحصل لو وقع أن ادّعى أحدهم حق ملكية صنع "الكسكسي" وطبخه وبيعه! ؟ يغلق مشروع هذا القانون الباب على إمكانية إعادة إنتاج التجربة اليابانية التي نعلم جميعا كيف بنت قوتها التكنولوجية..بالطبع من دون التقليل من الذكاء الياباني والعبقرية اليابانية. لقد تفطّن مشروع القانون لهذا ففتح نافذة لبعض الاستثناءات من قبيل السماح بنشر نص مقتطف من مرجع وإدراجه كنص في كتاب مدرسي..لكن هذا لا يمنع من تسجيل الاحتراز الأوّل.

ثاني الاحترازات يتعلّق بمدى تحسّس المواطن بخطورة التقليد واستنساخ المنتجات الفنية والأدبية، وخاصّة ذاك الذي لا يقدر على دفع ثمن النسخة الأصلية كالطالب والتلميذ والعاطل عن العمل من حائزي الشهادات العليا...المسألة هنا تأخذ بعدا أخلاقيا...وتتعلّق بمجال الحرية الفردية...بينما تندرج القوانين في مجال الحرية الجماعية... فهل نمنع الفئات الشعبية والفقيرة وغير القادرة على دفع ثمن النسخ الأصلية من الوصول إلى الفنون والآداب ومختلف المعارف لاسيما في عصر الانترنت والتكنولوجيا الرقمية التي أجّجت الضمأ إلى المعرفة والترفيه والتواصل. والخشية كلّ الخشية أن يكون مشروع هذا القانون مدخلا لتشريع المراقبة التي تمارسها الحكومات الديمقراطية والحكومات غير الديمقراطية على الانترنت...لاسيّما وأن مشروع القانون المعروض علينا لم يبيّن القيمة المالية لتجسيم بنوده. كما لم يوضّح مصادره المالية أيضا. وهذا يحيل أيضا إلى إشكال آخر يتمثّل في العلاقة المأزومة بين الرقابة والحرية، وما ينجرّ عن ذلك من تضييق على النّفاذ إلى المعرفة وحرية التعبير الالكتروني، في تناقض واضح مع الميل إلى تعميم النشاطات الثقافيّة والفنّيّة والمعرفيّة وتداولها بكثافة بواسطة التكنولوجيا الرقميّة. إننا نعيش فعلا زمن ما بعد الحداثة من دون أن نكون قد تمكنّا من الحداثة.

ثامر إدريس

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose