attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > شؤون وطنية > التقرير السنوي حول الحريات الصحفية للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين :أي ضـرر... وأي (...)

التقرير السنوي حول الحريات الصحفية للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين :أي ضـرر... وأي انقــلاب ؟

السبت 30 أيار (مايو) 2009

بقلم : عادل البرينصي

nemeri01@yahoo.fr

الصحفي ناجي البغوري لم يكن شخصا معروفا داخل مكونات المجتمع المدني في الداخل والخارج أو على نطاق واسع قبل أن يصبح رئيسا للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، ويتمسك مع زملائه باستقلاليتها وباستقلالية المهنة وبحقوق المنتسبين إليها. وقبل أن تمارس عليهم الإدارة الضغوطات والتضييقات التي يعرفها الكل ويتغاضى عن فهمها العديد وتحاول في الأخير الانقلاب عليهم وشيطنتهم أمام الجميع... لأنهم أرادوا للعمل النقابي أن يكون مستقلا، ولأنهم ساهموا في إصدار التقرير الأخير للحريات عن الهيكل الذي يمثلونه.

نعم، فهو ربما يكون ناشطا كغيره من الناشطين داخل المجتمع المدني إلا أنه لم يكن معروفا في المجتمع ككل، بسلطته وهياكله ومنظماته وأفراده وقنوات اتصاله، وكأنه الزعيم الراحل فرحات حشاد. وفي حدود ضيقة للغاية، فهم كانوا من الذين أغرتهم فكرة العمل النقابي والديمقراطية والإصلاح التي طرحت في البلاد، فظنوا أنهم يستطيعون التحرك لتقديم أفكار وبدائل وتأسيس أسس واضحة للنهوض بالمهنة الصحفية في تونس، إلا أنهم بدوا وكأنهم وقعوا في الفخ (وهذا ما يجيز أن تحاكم عليه الأطراف التي تريد ضرب مسار الديمقراطية والشفافية والمصداقية والحرية بالبلاد).

فإتاحة الفرصة للكلام اتضح أنها لا تتيح الكلام، أو على الأقل، ليس أيّ كلام.

قيم الديمقراطية، لا تجيز للإدارة أن توفر مستلزمات خوض اللعبة الانتخابية بكل شفافية ونزاهة، ثم تحاول الانقلاب على الآخر لأنه انتصر... وعلى النحو نفسه، فإن قيم القانون لا تجيز للسلطة الزعم أنها تريد أن تمارس الانفتاح والإصلاح والديمقراطية ثم تحاكم أناسا لأنهم صدقوها.

هذا خداع وهو غير مقبول ويجب أن تحاكم عليه الأطراف المتسببة في ذلك؟ ومع ذلك، فقد لا تكون مفيدة المجادلة في حق السلطة، أي سلطة، في تقدير حدود الديمقراطية التي تسمح بها، أو المخاطر التي تواجهها، أو طريقة تفسيرها للكلام أو التصرفات، بما فيها هذا الكلام نفسه.

ولكن المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، المنتخب شرعيا، تقع محاولة الإنقلاب عليه وعلى شرعيته، لأنه أراد استقلالية العمل النقابي عن سلطة الإشراف، وأراد أن يساهم في التأسيس لمرحلة جديدة من العمل الصحفي الحر . وقد رأى البعض في ذلك حجة تبدو غير مقنعة إلى حد بعيد وقابلة للجدل وهي أنها ضد مصلحة الصحفيين، إضافة إلى أن التقرير السنوي للحريات الذي أصدرته النقابة لم يكن موشحا بفقرات من المديح والتقدير والتنويه والتطبيل والتزمير...و...و...

عدم مصداقية الحجة وعدم جديتها يجعلها مفتوحة على كلّ شيء، وبناء عليه فقد اقترح عدد من أشباه الصحفيين وغير الصحفيين من مستعرضي عضلاتهم والمزايدين بالنضال داخل المجتمع المدني أن يحاكم اعضاء المكتب وأن يطردوا وأن يفردوا افراد البعير وأن يصلبوا وتقطع ألسنتهم و... و....و...

هذا الاقتراح يبدو طبيعيا لو كنا نعيش في دولة ديكتاتورية لا تؤمن بالتعبير الحر ولا تحاول جاهدة إرساء مجتمع ديمقراطي يؤمن بالتعددية وتنزل الحق في الاختلاف منزلة الحق الدستوري، ففي مثل هكذا دول يبدو الخروج عن السرب جريمة لا بد أن تكون من أسوأ الجرائم في التاريخ... والانقلاب وشيطنة الأشخاص الذين يسعون للنهوض بمهنتهم يصبح أمرا عاديا.

أما إذا كانت الدولة تصرح في كل المناسبات والمؤتمرات بأنها مع الاستقلالية والديمقراطية وحرية التعبير والشفافية، فإن الأمر لا بد وأن يكون مختلفا. ربما كان الصحفيون المستقلون هم أنفسهم مضطربين بين الوعود الصريحة التي يتلقونها والأفعال التي يعايشونها والتضييقات التي تمارس عليهم. ولعله بسبب ذلك قد تجدهم يكشفون عن كل شيء حينا ويصمتون عن قول الحقائق أحيانا أخرى وذلك بسبب التذبذب الذي تعيشه الإدارة بين تصريحاتها وأفعالها.
الا يجوز اذن ان تحاكم الادارة نفسها على اصابة افراد من افراد المجتمع بهذا المستوى من الاضطراب والاحباط.
ومع ذلك فلا بد من انقلاب
أولا، من الضروري تحديد من هي الأطراف التي تريد الانقلاب، أهي متفقة فيما بينها ؟ أهناك رأي واحد متفق عليه ؟ أم أن هناك عدة مواقف ؟ وهل أن الانقلاب يخدم مصلحة الدولة وسمعتها قبل أن يخدم أشخاصا بعينهم؟
بعد تحديد الطرف الذي يريد الانقلاب عن الشرعية لا بد أن يحدد مقدار الضرر الذي لحق أي طرف كان حتى يحدد على ضوئه مقدار الحق في الانقلاب. وتحديد الضرر أمر شديد الأهمية لفهم خيوط اللعبة لأن الاتهامات وتزوير الحقائق لا تعطي لأي طرف الشرعية في الانقلاب على طرف آخر.

عندما كتب شكسبير مسرحيته "تاجر البندقية" أوضح بأن القضاء لا يستطيع أن ينفذ العدالة ما لم يستطع تحديد رطل لحم من جسم الجاني، وبالتالي فإن عدم تحديد الضرر الذي لحق الإدارة من تصرفات الصحفيين المستقلين ومكتب نقابتهم لا يعطيها الحق إطلاقا بأن تخطط للانقلاب عليه.

والقول بأنهم عطلوا مصلحة زملائهم الصحفيين وعرقلوا تسوية وضعياتهم يتطلب أن نعرف كم هو عدد الذين صدقوها أصلا. فالصحفي لا يملك، على ما نعرف، لا إذاعة ولا تلفزيونا ولا صحيفة ولا قناة فضائية ولا قمرا صناعيا ولا ضيعة خاصة ولا مشاريع ولا نزلا ولا حتى سيارة ولا أموال طائلة ولا قرارات نافذة حتى يعطل ترسيم بعض الصحفيين في مؤسسة وطنية. وفي المقابل فإن الإدارة التي تريد الانقلاب على المكتب الشرعي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، تملك من الوسائل لنشر "الأخبار الصادقة" مقدارا يكاد لا يقاس بما يمكن أن يقوله رئيس نقابة وطنية للصحفيين في ندوة صحفية واحدة.

فأي إدارة هذه ؟ وأي وسائل لنشر "الأخبار الصادقة" تلك التي يمكن لمواطن واحد أن يوقف سيلها الجرار الذي لا ينقطع ليلا ونهارا.
ومن المفيد للإدارة أيضا أن تقول لجمهورها: هل لحقها الضرر فعلا من التقرير السنوي للحريات الذي أصدرته النقابة ؟ أم أنها توقعت الضرر ؟ وهل الضرر كان بسبب رئيس النقابة بالذات، أم أن هناك أسبابا أخرى للضرر لا علاقة له به ؟

ولو كان التقرير قد أضر فعلا بالمصلحة الوطنية وبجهود التنمية، فإن الذي يجب أن يحاكم هم الذين يشرفون على برامج دفع التنمية لا الذين يشيرون إلى الأخطاء الموجودة في مسارات النهوض بالوطن من ذلك مضيعة المال العمومي (التلفزة مثالا حسب التقرير) وضرب أسس بناء الديمقراطية والتعبير الحر، لأنه من التفاهة أن يتسبب التقرير في ضرر لوسائل "الإعلام الحرة بالبلاد". فالمفروض أن الذي يحاسب هو وسائل الإعلام هذه والمشرفون عليها وذلك لفشلها المروع، فهي تنفق مليارات الدينارات وتؤجر جيشا جرارا من الأقلام والإعلام فإذا بها مثل سدّ منخور تنهار دفعة واحدة بمجرد صدور تقرير عن الحريات وعن الهنات العديدة داخلها.

وبالأحرى فإن الإنصاف تجاه الوضع الحالي أهم بالنسبة للسلطة المعنية حقا بسمعة البلاد من الإنصاف تجاه الإدارة وتابعيها لسبب بسيط هو أن الصحفي فرد والهيكل هيكل والدولة دولة، وفارق القدرة والأهلية على حماية الذات بينهما كبير للغاية، والحكمة التي تتوخاها السلطة الذكية هو أن تخطئ في حق الادارة لا ان تخطئ في حق فرد أو منظمة أو هيكل منتخب ديمقراطيا.

ومن الحكمة، بالنسبة إلى السلطة أن تقف مع الشرعية الناقدة وتتحمل انتقادات تقرير النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، لا أن تسكت على مشروع الانقلاب على الشرعية وتغض الطرف على مخططات التآمر وتلفيق الأكاذيب وشيطنة الأشخاص.

لمّا تطالب النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين باستقلالية قرارات الهيكل الذي تمثله وتسعى لتسوية وضعيات العديد من الصحفيين التونسيين الذين ينتمون إلى هذا البلد، تتهم بأن لها أجندا سياسية.

وأي مصيبة هذه التي، إذا أراد المرء أن ينشر تقريرا يمكن مناقشة ما فيه، يجد نفسه مهددا بالانقلاب عليه؟

وماذا لو كان ما وجد في التقرير يقال في أكثر من مكان ؟ حتى في انقلترا وفرنسا اللتين تعتبران رائدتين في حرية التعبير، فبأي حق يعتبر ما ورد في التقرير ضررا أصاب الادارة ما بعده ضرر.
الدولة التونسية أعقل وأكبر من أن تقبل ادعاءات عديمة المنطق كهذه..

أما أعضاء المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، فيجب أن يلتحقوا بنقابتهم وعملهم دون أية مضايقات، ثم دعونا نرى بكم من الضرر سنصاب... وليكن ذلك بقرار رئاسي يلغي كل المضايقات ضد هذا المكتب جملة وتفصيلا، هو وكل الذين يواجهون اتهامات سفسطائية مماثلة.

يرفع النظام التونسي قيمته أمام العالم لو أنه تعالى على تصرفات كهذه، ويجدر به أن يظهر أقوى وأكثر ثقة بالنفس من أن يخشى تقرير أفراد سريعا ما يلفه النسيان.. تقرير يبني ولا يهدم ..ويؤسس ولا يدمر..

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose