attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > الطريق الثقافي > يا أهل إفــريــقيـــة، إن "تـمشــرقـــتم"، فــأفـــخــروا..

العين بصيرة

يا أهل إفــريــقيـــة، إن "تـمشــرقـــتم"، فــأفـــخــروا..

السبت 30 أيار (مايو) 2009

خميس الخياطي

لتونس علاقة غريبة مع الرياح وتحديدا مع رياح الشرق، شرقنا المضاعف في شرقيته نعني وليس شرقهم الغربي الذي يمس تخوم مملكة السماء...

لقد اقترن دخول هذه الرقعة من اليابسة التي نسميها بـ"تونس" سجل التاريخ الإنساني بريح شرقية فينيقية استعملت حيلة الجلد لتستوطن البلاد وتجلد العباد. ومنذ ذلك الحين وحتى هذه الساعة، استمرت الحيل وتتالت الغزوات والفتوحات وما فتأت أرضنا تستقبل الرياح الشرقية المحملة خيرا و"خميرا"... من الفينيقيين حتى "القومية العربية" ? في صيغها الناصرية والبعثية بشقيها العراقي والسوري وإسقاطاتها الوطنية - مرورا بوفود اليهودية والمسيحية الشرقيتين، بالوندال والبيزنطيين، ثم المد الإسلامي باختلاف تياراته وملله ونحله، بالسلطة العثمانية وفرماناتها و"كرباجها"... واليوم نستقبل مشاريع الخليج بمدنه التي لولا الأزمة "الغربية-اليهودية-المسيحية- الرأسمالية" التي أوقفتها لحين تنقشع الغيوم، لناطحت السحاب وأنزلت علينا غيثا من الدولارات "المغسولة"... وإن لم تشيد بعد المدن، فإن الأقمار الاصطناعية نايل سات وعربسات تمدنا طيلة أيام الأسبوع ولياليه بوابل من الصور التي استنبطها التونسي، فأصبحت من بشرته... ولو قارنا ما حملته لنا الرياح الأربع، لوجدنا أن كثافة موجات "الصحوة" والبعض من "تبهيمها" أتتنا من شرقنا المشرقي... ولا داعي أن نعطي أمثلة، فالعيون المتربصة والأذان المشنفة والأعناق المشرئبة (حلوة "مشرئبة" هاذي) لا تسمح في الأيام العجاف التي نعيش، أن يكون التونسي موضوعيا ولو بدرجة دنيا مع الموجات المكونة لثراء شخصية بلاده الأساسية...

"الكثرة وقلة البركة"

تلفزيا، في الماضي القريب، كانت القناة "الوطنية" -هجالتنا الحالية ? القناة الوحيدة التي يشاهدها اهل البلاد إضافة لقناتي "فرنسا الثانية" الفرنسية بطبيعة الحال و"راي أونو" الإيطالية... ولم نخرج حينها ولسنين عدة عن تونسيتنا ولم ننسلخ عن عروبتنا ولم "نطورن" عن إسلامنا وما كنا بناكرين لمغاربيتنا وإن اعتبرنا أننا للمتوسط من المنتمين... وعندما بدأت الصحون اللاقطة تتمركز فوق السطوح والبعض من الحدائق الخاصة وأصبحنا نلتقط ما شاءت السماء أن تمطرنا به من صور وترهات، لم نتمشرق أكثر ولم ننسلخ أكثر... كنا أكثر انفتاحا على الآخر لا أكثر ولا اقل، وهويتنا التونسية، كما فعلت في الماضي وكما تفعل كل الهويات في العالم، هضمت ما جاءها، تأثرت وأثرت وليس في الأمر من إشكال...
واليوم، تراتبية القنوات الأجنبية بعثت بالقنوات المتوسطية القريبة منا إلى أرحم الراحمين وباتت القنوات الشرقية المصدر الرئيسي للمعرفة والترفيه، باتت هذه القنوات بوصلة الانتماء وقبلة الهوية. أما القنوات التلفزية التونسية، باستثناء قناة الإخوة قروي "نسمة تي في" الحديثة العهد، فهي تعمل جاهدة? ودون وعي منها إلا وعي العصبية - على تأصيل أكثر لحاسة التمشرق لدى التونسيين إن لم يكن ذلك بالكلمة الفصيحة، فهي باللبس والهيئة والنغم. فلا غرابة في ألا نجد القنوات المغاربية ? من المملكة حتى الجماهيرية مرورا بالجمهورية ? ولا القنوات الفرنسية ولا الإيطالية من بين القنوات الأكثر مشاهدة من التونسيين... أول قناة فرنسية هي قناة "أم 6" التجارية والتجارية جدا فهي موجودة في آخر سلم القنوات العشر... واختفت الثّانية والثالثة وأرتي وغير ذلك مما كان يعطي للمشاهد التونسي إمكانية المقارنة وتأثيث مخياله بما ليس من خانته... هذا الانغلاق على الصورة التونسية-العربية وإن في جانب ضئيل منه ايجابي، فهو في النهاية عازل للتونسي عن محيطه القريب المغاربي والمتوسطي... وكأننا بمصب القنوات الشرقية لم يسترع انتباه التونسيين فقط، بل أصبح من غذائهم اليومي... مما جعل، منذ أشهر عديدة مضت، شركة تجارية تونسية تقوم بإعلان لإنتاجاتها في إحدى القنوات الخاصة المصرية...

نعرف قانون نظرية داروين الذي يقول بأن الحياة للأبقى... أما ونحن في عالم الاتصال، فإن التنازع على البقاء يقوم حاليا الآن وهنا على قاعدة قوة الانتشار وكثافته، وهذه القوة قد لا تكون في القيمة بقدر ما هي في العدد. وهو ما هضمه مبكرا أضحاب الأموال من خليجيين ولبنانيين ومصريين... من هنا تأتي فاعلية القنوات الشرقية التي تنصب علينا من القمر الاصطناعي نايل سات. وبالتالي، منطقتنا المغاربية أصبحت منطقة تنازع بين الغرب والشرق. وأن بقيت للقنوات الفرنسية البعض من الجاذبية داخل التراب الجزائري، فإن القنوات الشرقية تحتل رأس قائمة الفضائيات الأكثر مشاهدة في المملكة المغربية وفي بلادنا. غير أن المملكة ? وإن لم تحرر بعد المشهد السمعي البصري كما فعلت تونس- سمحت لقناة مثل "دوزيام" بازدواجية لغوية، وهو الأمر غير المرغوب فيه تونسيا إلا في قناة "تسمة". من هنا، وأمام غياب قنوات تلفزية منافسة وذات خاصية، يبقى المشاهد التونسي فريسة للغث والسمين ? وأكثره غث ? الذي ينصب عليه من السماء وبعضه يصنّع محليا...

"عفاف أهيه... عفاف أهيه "

من صانعات التمشرق المحلية قناة "حنبعل تي في" في البعض من برامجها وأخص بالذكر برنامج "الليلة ليلة" السيدة عفاف الغربي سنوسي التي تقدمها القناة على صفحات الإنترنيت وبلغة فرنسية ركيكة من كونها "تحمل تجربة إعلامية غنية" وأن التنشيط بالنسبة إليها "ميدان عزيز على قلبها" ...

JPEG - 94.5 كيلوبايت

إن كان الثراء الإعلامي الذي إكتنزته يدفعها لمثل هذه البديهية، فإن برامجها تمثل هذا المستوى الفكري الأبجدي... وكانعكاس لهذا المستوى، نجد على صفحات الشبكة الاجتماعية "فيسبوك" مجموعة بها أكثر من 1200 مشترك طالبوا بإلغاء برامج السيدة عفاف, مجموعة أخرى بها ما يقارب الـ600 مشترك تطالب السيدة عفاف أن تترك نهائيا شاشة التلفزة. وأخيرا مجموعة ثالثة بها 200 مشترك تطالب السيدة عفاف بالخروج من التلفزة نهائيا... قد لا تعني هذه المجموعات شيئا موضوعيا ولكن قد تكون دلالة على نفور شريحة فاعلة في المجتمع التونسي من برامج السيدة عفاف الغربي... ولها في بعض الأحيان الحق في إنفعالها.
أول الغيث "المفريس" جاء في صورة الإعلان عن برنامج "الليلة ليلة" الذي يخرجه رشاد البوبكري... إن كانت هالة الركبي في "أحلى ناس" بالهجالة قد اختارت زهرة البو?رعون كرمز لها، فإن عفاف اختارت الزهرة نفسها وأضافت إليها الـ"?حوانة"... وعلى صورة تمثل ما يشبه "المنداف" ضد الفئران الريفية، تتساقط موجة من البوٍ?رعون وعلى يسار الصورة زهرة الـ?حوانة، أضافت السيدة عفاف أغنية يقول مطلعها "أهلاااان وسهلاااان... عفاف آهيه، أهيه... عفاف آهيه" وكأننا قلقون لإمكانية عدم وجودها على الشاشة في حركة من حركات باعث القناة... وتضيف "الليلا، يا بوالعيلا، خليك معانا، الليلة ليلا". فسواء على مستوى الكلمات (كما تقرؤون) أو اللحن (العودة إلى البرنامج كل سبت مساء)، فنحن في خانة الشرقيات البليدة مع ما نراه من دخول للمنشطة وعليها في عديد الحلقات لباس من نفس اللون والتصميم وتحيات ثقيلة للمايسترو المحتسم (الغضاب) وللـ"ديجي"، صاحب "مريول برفكت"...

الحلقة التي أثارت إهتمامنا هي تلك التي أصرت فيها المنشطة على أنها ستكون "تونسية مئة في المئة على مستوى الإستضافات" (هكة طاح لا دزوه)، "80 في المئة من الأغاني تونسية و20 في المئة شرقية"... وعند نهاية البرنامج، وجدنا أغنيتان تونسيتان فقط والباقي مصري مئة في المئة وحلبي بعض الشيء. في هذه الحلقة، استضافت السيدة عفاف بليلتها الحنبعلية كل من الفنان الناشئ الصاعد الـ... الـ... الـ... الذي ينظم إلى الأصوات التونسية... وكانت تقدمه وكأنها تقدم ماركة من الصابون. كان ضيفها الفنان التونسي الشاب "سيف"... وبالنظر إلى سمات الوجه، إكتشفنا أنه الفنان سيف (الدين الطرابلسي) الذي شاهدناه بصفة خاطفة في سلسلة رمضانية لنصر الدين بن مختار ومن أجلها أصبح في أعين السيدة عفاف ممثلا صاعدا... وكذلك حضر الحلقة كل من المغنية وردة الغضبان ومخرج الأفلام القصيرة أنيس الأسود... كل الليلة كانت مع السيد الفنان الطرابلسي ومعه جمهور "من الضاحية الجنوبية" سألته السيدة المنشطة مرارا عن قابلية التجاوب مع فقرات برنامجها. وبعد أن بثت لنا كليبا له مصريا لحنا وكلمات وأداء من نوع الشعر الحلمنتيشي المعروض بسوق الأزبكية والذي كان مطلعه "رضينا بالقليل وما حدى رضى بينا" (ملا فلسفة) مضيفا " الحبايب شفنا منهم العجايب/والصحاب خذنا منهم العزاب" (إنتاج مصري قلك، ومصر منه براء)، جاء سؤال مطلوب الجواب عنه بالإرساليات القصيرة ? مصدر رزق القناة مع الاستشهار- يقول: من صاحب الصورة؟ هاني سلامة أم ثامر حسني... ولا أعتقد أن أحدهما جزائري أو تونسي أو حتى موريطاني... وقبل وضع السؤال، تفتقت مخيلة المنشطة عن مجموعة من الأسئلة لمعرفة الضيف، أسئلة قائمة على البرج واللون المفضل والأكلة المفضلة واللغة المفضلة وهنا يجيب ذاك الذي لم ينفك عن الغناء بالمصري والحلبي بأن "أفضل لغة عندي هي لغة بلادي التونسية". عجبا في خلق الله كيف أن الوطنية لديهم مثل خيط البلاستيك، تمتد حسب الأهواء!

الغيرة الوطنية "بالشرقي"

ويطفو على صفحة "الليلة ليلة" الشعور بالوطنية في أبهى مظاهره ويتمثل في تكوين مجموعة من الفنانين التونسيين "حتى نوري أن في تونس أكثر من نجم، وتونس، تبارك الله، غنية بالأصوات... أنا أتمنى انو ما عادش التونسي يذكر "إيدول" واحد... يمكن يذكر أكثر من نجم، عشرة، خمستاش ناجحين..."، فتحمد الله على هذا الثراء التونسي الذي به وعلى قاعدة الغناء المشرقي ستغزو روتانا وأخواتها من "دريم" وخليجية وذهبية من جماعة هلمجرا...

JPEG - 34.7 كيلوبايت

ولا يقف الشعور بالانتماء عند حد الأغنية فقط، لقد نوهت السيدة عفاف بالمقدرة التمثيلية لضيفها سيف الدين الطرابلسي الذي قال عن نفسه أنه يغني مساء كل سبت (لم يذكر في أي ملهى). قالت "شفنا فيك مشروع متاع ممثل جيد" فما كان منه إلا أن التقط الحبل ليؤكد "أنا نحب السينما وبالفرنساوية يقولو "جو ديـقـاج" وذكر أنو عمل تحت إدارة المخرج المعروف (حسب مادام عفاف) أشرف فائق في فيلم أولاد العريان ("رومانسي آكشن" حسب مادام عفاف، كذلك) وفي دور الشرير الذي يتحول من أجل الحب ويتخلص من دور الشر..." ولن نبقى على هذه الوتيرة إذ ذكرت السيدة عفاف أن الفنان الصاعد سيغني في حفل يقيمه التجمع بقاعة السابع من نوفمبر...

وهكذا، من الغيرة على الوطن إلى التنشيط الحزبي، مرت الحلقة المفقودة برياح الشرق لتعود محملة بشحنة اقل ما يقال عنها أنها ليست بريئة... والليلة ليلة لتلك الليلة لم تكن بريئة البتة لأنها كانت قائمة على التزحلق المشرقي كما يفهمه فنانونا.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose