attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > الطريق الثقافي > وداعا الطاهر الهمامي

وداعا الطاهر الهمامي

الاثنين 25 أيار (مايو) 2009

بقلم. فاروق العمراني

ما كنت أحسبني وأنا أرافق الطاهر الهمامي الى مطار تونس قرطاج ليسافر الى مدريد في ضيافة ابنته المقيمة هناك، أنني أودعه الوداع الأخير، قلت له وهو يتأهب للدخول الى قاعة المطار للقيام باجراءات التسجيل، لا تنس أن تعلمني بموعد رجوعك حتى أكون في انتظارك. كان ينوي أن يقضي عشرة أيام بجانب ابنته في اسبانيا ولكن بعد أسبوع من سفره اتصل بي وأعلمني أنه يقيم بالمستشفى وأن موعد رجوعه غير محدد.
كان الطاهر الهمامي قبل سفره يشكو من أوجاع في بدنه وكان قد تردد على أطباء مرموقين وأجرى فحوصات دقيقة، وكنت على اتصال دائم به أواكب علاجه ويحدثني بالتفصيل عن مرضه وقد اصطحبته مرتين الى بعض الأطباء، وقد حرصت ابنته على أن يستشير أحد أطباء مدريد وما كان يدور بخلده أحد أنه سيقيم بالمستشفى ثم كان ما كان.

ليس هناك أحب الى الطاهر الهمامي من بلدين. الشام واسبانيا، تعلق بالشام وبحلب بالخصوص وقد قضينا معا أياما في مدينة حلب بمناسبة الاحتفال بها عاصمة للثقافة الاسلامية .سنة 2006. فكانت من أمتع الأيام وأحلاها، وقد وقفت هناك على مدى تقدير مثقفي حلب لشخص الطاهر الهمامي وفي مقدمتهم الاستاذ محمد قجّة رئيس مجلس ادارة جمعية العاديات السورية، وللطاهر في حلبيات حلب قصيدة رائعة، وأما اسبانيا فقد كان يعشقها وكان يقول لي، لسماء اسبانيا لون خاص بديع، ولجوها رائحة عجيبة. ذهب الطاهر اليها ليسترجع قواه ويجدد نشاطه بعد الاعياء فقضى بها ونزل علينا خبر موته نزول الصاعقة وقد كنا ننتظر عودته السريعة.

كان الطاهر الهمامي حسن المعشر طيب القلب، حلو الحديث، مهذبا لا تراه الا باشا، مبتسما وله في حياته أوقات غضب ولا سيما اذا أحس بالضيم والقهر. فقد كان شديدا مع نفسه ومع الناس لا يتنازل عن مبادئه وقيمه التي آمن بها وتعصب لها. هو من ذلك الجيل الذي تفتق ذهنه على قيم الحرية والعدل والاشتراكية، عرفته منذ كان طالبا في كلية الآداب في فترة السبعينات المجيدة، كان يكبرني سنا ويتقدمني في الدراسة، كنا نخرج من الكلية وأرافقه حيث يقيم بالقصبة بنهج دار الجلد في نزل تحول الآن الى مطعم فخم. وكان ونحن في الطريق يقرأ عليّ منتشيا قصائده الأولى.. وقد كان من أشد المتحمسين للتجديد الأدبي ومن منظّري حركة الطليعة الأدبية الأوائل. وأسهم صحبة رفيقه الحبيب الزناد في خلق تيار شعري سمي بغير العمودي والحر، وكان بالاضافة الى قصائده حريصا على نشر بياناته التأسيسية.

وظل الطاهر الهمامي بعد تخرجه من الجامعة والتحاقه بالتدريس بالمعاهد الثانوية منصرفا لإبداعه الشعري منخرطا في أتون الحياة اليومية بحلوها ومرها. وبعد سنوات حن الى مقاعد الدراسة وكان قد مضى على اعداد شهادة الكفاءة في البحث وقتا طويلا درس فيها مظاهر التجديد العروضي عند الشابي .نشر سنة 1976.، فأعد رسالة تحت اشراف الاستاذ حمادي صمود لنيل شهادة التعمق في البحث عنوانها "حركة الطليعة الأدبية في تونس ـ 1968ـ1972 " .نشرت سنة 1994. ثم عين مدرسا بالجامعة التونسية ومضى يعد رسالة دكتوراه الدولة باشراف حمادي صمود أيضا عنوانها "الشعر على الشعر" .نشرت سنة 2003..

وفي كلية الآداب بمنوبة نشط الطاهر الهمامي وأسس الأيام الشعرية وكان موعدا سنويا حافلا اكتشفت فيه المواهب الشعرية الشابة، وكان في كل دورة يدعو شاعرا من الشعراء العرب الكبار، لعل من أبرزهم محمود درويش وأحمد عبد المعطي حجازي، وقد كرمت الدورة الأخيرة للأيام الشعرية مؤسسها معترفة بفضله منوهة بأعماله.
وعندما بلغ الطاهر الهمامي سن التقاعد لم تسمح له وزارة التعليم العالي بالتمديد فتألم كثيرا، فقد كان كما أسر لي في منتهى النشاط والحيوية وكان راغبا في مواصلة تأطير الطلبة والاشراف على رسائلهم، لا سيما في الأدب التونسي الحديث والمعاصر. ولكنه مع ذلك لم يستسلم ولم ينقطع عن النشاط والتأليف والمشاركة المتميزة في الندوات العلمية داخل تونس وخارجها.

نشر الطاهر الهمامي مجموعة من الدواوين نذكر من بينها "الحصار" مجموعته الأولى .1972. و"الشمس طلعت كالخبزة" .1973. و"صائفة الجمر" .1984. و"أرى النخيل يمشي" .1986.، و"تأبط نارا" .1993. و"اسكني يا جراح" .2004. و"مرثية البقر الضحوك" .2005..

ومن الكتابات النثرية نذكر على سبيل المثال كتاب "مع الواقعية في الأدب والفن" .1984. و"دفاعا عن الديمقراطية النقابية" .1985.، هذا فضلا عن بحوثه الجامعية المشار اليها آنفا، ومن آخر كتبه "بعل ولو بغل" .2009. وهو نبش في المسكوت عنه من واقع مؤسسة الزواج. وكان يلذ له أن يسميه كتاب الشفاء، وآخر ما كتب الطاهر الهمامي قبل سفره الى اسبانيا مقدمة لرواية "خواطر امرأة لا تعرف العشق" .2009. للكاتبة والأستاذة الجامعية أسماء معيكل، وكان تعرف عليها في مدينة حلب فحرص بعناية خاصة منه أن تنشر روايتها في دار الأطلسية بتونس.

وداعا أيها العزيز الطاهر الهمامي، نم هانئا، سوف لن ينساك أصحابك وخلانك.. وسيذكرونك دوما في قلوبهم.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose