attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > تـحـقــيــقــات > تمتمات حارق عائد من رحلة الموت

أطوار غــريبة قطعت رحلة الأحلام الى ســيــســيـلـيــا

تمتمات حارق عائد من رحلة الموت

الثلاثاء 19 أيار (مايو) 2009

مذكرات "حرّاق" فاشل

بعد ثماني سنوات عجاف من الجمر والجوع والحرمان والنضال قضيتها في أغوار الجامعة التونسيةختمت بشهادة الأستاذية في الفلسفة كما سبق أن ذكرت، تجرأت على الحلم كبقية أبناء وطني، حلمت أن أدرس الفلسفة وأن أعلم التلاميذ التفكير على طريقة الفلاسفة لصنع جيل قادر على التمرس على التفكير والتدرب على أساليبه، لكن الفلسفة وعصر الفلاسفة قد ولى في هذا الزمن الرديء، فأصبحت الفلسفة هواية بالنسبة لي? كما حلمت أن أعمل مدرسا لتحسين وضعيتي المادية وأقدم يد المساعدة لوالدي المحتاج الذي ضاق المر من أجلي لأواصل دراستي، أفلا يحق لي أيها الانسان أن أقدم هدية لأمي المريضة في عيد الأمهات تقديسا لمعنى الأمومة. وهل تستقيم كرامة الانسان دون شغل؟ ربما كل هذه الأحلام بسيطة، لكن السؤال المحير لماذا لا تتحقق هذه الطموحات؟

لقد تحولت هذه الأحلام الى أوهام، وظلت الهوة بين الحقيقة والحلم شاسعة، فاصطدمت بواقع مرير اذ ألقت بي الظروف عرض الحائط فأصبحت عاجزا حتى على الحفاظ على وجودي البيولوجي، لأن كل المحاولات للخروج من هذا الوضع المزري لضمان حياة كريمة باءت بالفشل وتحولت كل أحلامي الى سراب، فقررت ألا أستسلم وأحاول مرة أخرى لكن هذه المرة بطريقة مغايرة تماما، رغم كل هذا دفعتني الظروف القاسية الى التفكير في الهجرة حتى وان كانت بطرق غير شرعية عساني أخرج من عنق الزجاجة وأحوّل الانكسارات الى انتصارات، فما بقي الا أن أتحول الى بطل وجودي يؤمن بمعنى المسؤولية والاختيار كبطل المسعدي "أبو هريرة" "الذي لم نقف له في حياته على وقفة قط كالمستعد للرحيل لا ينقضي عنه الرحيل" فكانت الرحلة بالنسبة لي هي القدر والحل الأنسب والأخير لعل في السفر حياة جديدة وغد أفضل.

بدأت الرحلة يوم 3 فيفري على الساعة العاشرة وعشرين دقيقة ليلا امتطيت القطار لأتوجه الى احدى مدن الجنوب التونسي "قابس" ، تاركا خلفي قساوة الزمن الماضي وضنى الأفكار ووحشة الاحلام لا أفكر الا في مستقبل الزمن، أبحث عن آليات للخروج من مستنقع البطالة? وصل القطار وكانت الساعة تشير الى الرابعة صباحا قضيت هناك بضع ساعات ثم كانت الوجهة نحو مدينة مدنين ووليت وجهتي الى بنقردان وقد أشرفت الشمس على المغيب، قضيت هناك ليلة بأكملها في غابة زيتون أدخن السيجارة تلو الاخرى الى أن أشرقت شمس اليوم الثاني فاتجهت الى السوق الأسبوعية لأقضي اليوم هناك أترقب مجيء صديق ليشاركني الرحلة، لكنه رفض المغامرة وهكذا انقضت الساعات والدقائق مملة، رتيبة الى أن أقبل الليل البهيم والموحش، فاقتنيت تأشيرة عبور الصحراء القاحلة كأيامنا والشاسعة كأحلامنا، ماء وعلبة سجائر ثم امتطيت عرض الصحراء في اتجاه ليبيا? قضيت ليلتي أمشي لا أسمع إلا عواء الذئاب وعصف الرياح، قطعت مسافة طويلة وشاقة الى أن اهترأت قدماي من شدة المشي وقد أخذ مني التعب والارهاق كل مأخذ، ومع بزوغ فجر اليوم الموالي استلقيت كالجثة الهامدة على الرمال ونمت نوما عميقا وبقيت حبيس المكان خوفا من أن يقبض عليّ قطاع الطرق "الفلاقة" كما يسميهم أهالي الجنوب أو أن أقع في قبضة رجال الحراسة الصحراوية، ولما داهمني الليل عزمت على مواصلة الرحلة ولم يبق معي لا الماء ولا السجائر، فتأكدت بالفعل أن "قطرة ماء خير من ألف كنز"، قطعت اذن أضعاف ما قطعته الليلة الفارطة الى أن أشرقت الشمس مرة أخرى..

نظرت... فاذا بي امام بناية ضخمة علق عليها علم الجماهيرية فعرفت أنني في ربوع ليبيا، فهاتفت صديقا يقيم في مدينة "زوارة" وهي مدينة قريبة من الحدود التونسية وصفت له المكان الذي تواجدت فيه فما هي الا ساعات وصل في سيارته واتجهنا نحو المكان الذي يقيم فيه، أقمت هناك زهاء شهر ونصف أو ما يزيد انتظر الرحلة وهدوء البحر لاجتياز مياه المتوسط نحو مدينة سيسيليا الايطالية، فكانت لحظات الانتظار قاتلة، تحولت الساعات الى شهور والأيام الى سنوات ضوئية، فما أسخف أن يتحول الزمن الموضوعي الذي يقاس بالساعات والدقائق الى زمن وجودي يقاس بالشعور والاحساس.

في أواخر شهر مارس على الساعة التاسعة ليلا في قرية نائية تدعى "سيدي بلال" بالقرب من العاصمة الليبية التقيت هناك خليطا من البشر?? من مالي، من النيجر، من الجزائر، من المغرب، من تونس... كلهم مستعدون للرحيل.. امتطى "الحراقة" قارب الموت على ظهر المركب في الصفوف الأمامية وقد كان المركب شبيها بعلبة سردين من شدة الازدحام?

ألم تكفنا الأرض ازدحاما أيها البحر؟ انطلق المركب بين الأمواج المتلاطمة وكان الركاب يرددون أغاني السفر والغربة، وكنا نحن التونسيون نردد أغنية "يا روما"، قطع المركب أميالا وأميالا وقضينا ساعات وساعات بين المد والجزر، جزر ومد في الحياة ومد وجزر في نفوس ?الحراقة?، وبين المد والجزر تنتظرنا الكارثة، وهكذا بعد أن كان البحر هادئا، انقلب الى النقيض وكأنني بتسونامي جديد قد حدث، لكن هذه المرة في مياه المتوسط حيث لم أشهد في حياتي قط غدرا أشد من غدر البحر? فانقلبت سرعة الرياح بما لا يشتهي مركبنا وهناك استنشقنا رائحة الموت وتحول القارب من الجهة الخلفية الى حطام وبدأ يسقط الواحد تلو الاخر الى أن قارب كل الراكبون على الهلاك، فأحسست حينها أن قدماي لن تلمس اليابسة مرة اخرى، فقاومت وشددت الوثاق بأول المركب حبا في الحياة، وطمعا في النجاة الا أنني وقعت في النهاية بين الأمواج التي تقاذفتني يمينا وشمال وتحول الصراع تلك اللحظة من صراع طبقي الى صراع مع الأمواج، ولولا تدخل فرق الانقاذ الليبية التي أخرجتني لهلكت في أعماق المتوسط، وهكذا نجوت من الموت في آخر لحظة، كما نجا 20 آخرون، أما البقية فكانوا غذاء لأسماك البحر.

وبعد الخروج من المياه تم ايقافنا بمعتقل في مدينة طرابلس يوميني كاملين تذوقنا خلالهما أشد أنواع العذاب والجوع، ثم تم تحويلنا في الليلة الثالثة الى سجن مدينة "صرمان" بليبيا على متن شاحنة فأحسست كما أحس الجميع بأنه سيتم سجننا لمدة طويلة ثم ترحيلنا الى بلداننا، فأصبح كل واحد يفكر في طريقة للهرب من الشاحنة ولما احتد الخلاف بيننا وبين أعوان الحرس الليبي كانت الفرصة سانحة، فلذنا ثالثة بالفرار وقد أطلق علينا الرصاص، ولكن سقط احدنا نتيجة اصابته برصاصة في الساق والرصاص كما قال درويش يوسع الكلمات للموتى والأحياء، فامتطينا بعد الهرب سيارة أجرة الى مكان يسمى "العجيلات" حيث أقمنا هناك ما يقارب عشرين يوما في منزل صديق أحسسنا خلالها بضيق وكرب شديدين، فعاودني الحنين الى الوطن والعائلة والرفاق ولم يبق أمامي الا عبور الصحراء لأعود الى وطني وحبيبتي وهكذا شاءت الاقدار أن أجد نفسي بين افراد عائلتي التي انتظرت عودتي طويلا وبجانبي أمي التي بكت بكاء مرا فرددت في ضميري قائلا "أحن الى خبز أمي وقهوة أمي، ولمسة أمي، وتكبر في الطفولة يوما على صدر أمي وأعشق عمري لأنني إذا مت أخجل من دمع أمي".

شريف السليطي

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose