attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > الطريق الثقافي > الصحافة لن تموت، فهي من نوعية "أقتلوا يصبح حي"!

العين بصيرة...

الصحافة لن تموت، فهي من نوعية "أقتلوا يصبح حي"!

الثلاثاء 19 أيار (مايو) 2009

خميس الخياطي

نستهل هذه الورقة الأسبوعية بتوضيح يتعلق بما جاء في الورقة السابقة (ط . ج العدد 126) حول نشرات الأخبار التلفزية. بعض المسؤولين، عوض أن ينظروا في صحة ما جاء في المقال والتعقيب عليه في صفحات "الطريق الجديد" إن لزم الأمر، أو أن يعالجوا الهنات التي تمت الإشارة إليها، هؤلاء اختاروا أن يحققوا مع الأفراد العاملين في النشرات ليروا من أين تسربت المعلومات حتى يغلقوا منافذ الوصول إلى المعلومة... وهذا أمر مستغرب من موظفين ائتمنتهم الدولة ويتقاضون رواتبهم من المال العام... ولم يكفهم ذلك، بل إنّهم قاموا بترويج تفسير مغرض لتعبير "نسا سيدي البحري" الذي استعملناه لوصف العاملات! في نشرات الأخبار وهنّ يترقبن حضور المسؤولين لبدء العمل. فليسمح لنا المسؤولون الأجلاء أن نقول لهم إن هناك فرقا كبيرا بين "نسا سيدي البحري" (باب الخضراء) و"نسا سيدي بن نعيم" (الحلفاوين)... هؤلاء يبعن قوة ساعدهن وأولئك يبعن مفاتن أجسادهن...

وإن تحنط حس التمييز لدى المسؤولين لدرجة أنهم ابتعدوا عن الثقافة الشعبية لبلدهم: فالمصيبة أعظم من إدارة نشرات الأخبار بالاستشعار عن بعد...

"كي سيدي كي جوادو"

انقضى اليوم العالمي لحرية الصحافة ببلادنا على وقع "جرائم" من الصعوبة إخفاء جثثها في بعض "تراكن" النسيان... لقد أخذنا على أنفسنا أمام القراء نهاية الأسبوع الفارط عهدا في عرض ثالوث "الظلف والهجالة والكامخ" لما فيه من محاسن يحسدنا عليها الأصدقاء قبل الأعداء... وأمام ما حل في هذا العيد من "اعتداءات" في حق صاحبة الجلالة، خير سلطة (رابعة) أخرجت للتوانسة، ما كان لنا إلا أن نبلع ريقنا ووعدنا ونعمل مثل حنين، نعود أدراجنا بحثا عما فقدناه من أحذية في هذا العيد...


"الجريمة" الأولى حدثت يوم الاثنين الماضي في مقر نقابة الصحفيين التونسيين فعند تقديم تقرير الحريات الصحفية حدث تلاسن وتراشق وصلا إلى حد الاشتباك بالأيدي لأكثر من مرة بين طرفي نقيض في قضية حرية جلالة المحروسة: الصحافة... ! طرف قال بتدهورفي حالتها أوصلها إلى الموت السريري وضمن ذلك في تقريره والطرف الآخر، الممثل في لجنة الحريات، أعطى جلالتها سلطانا لا شبيه له في أرض الله الواسعة... وبما أننا لم نتعود على التناول الديمقراطي والتحاور الهادئ، جاءت كلمة وراء كلمة فجانبت الكلمة، فكان أفظع وأفضح مشهد شهده جموع الصحافيين الحاضرين وعلى مرأى من سلسلة صور رؤساء الرابطة/الجمعية/النقابة - من المرحوم الهادي العبيدي حتى السيد محمد بن صالح الذي كان أحد الطرفين، ويا ليته ما فعل... ! - وبطبيعة الحال، قناة "الجزيرة" وأخواتها وجدت في الحادث ما يرفع من درجة "كوليستيرول" مشاهديها عملا بمقولة "حدثني على ما نحب حتى بالكذب" وذلك اعتمادا على "نرفزة" النقيب الذي لم ير من الكأس إلا نصفه الفارغ. في المقابل، أعضاء لجنة الحريات لم يركزوا في مشروع تقريرهم إلا على النصف المملوء من الكأس وفي خلدهم سنة إنتخابية رئاسية... فكانت حلبة التراشق. وسائل إعلامنا الوطنية جدا اكتفت بعرض وجهة نظر واحدة وقامت بنشر برقية وكالة "وات" التي دفعتها نعرتها الوطنية الإسمنتية إلى اعتناق حكمة "عزوزة وشدت سارق" والحال أن ما حدث من التراشق والتلاسن والاشتباك كان من الطرفين والإثنان مسؤولان عن ذلك... هذا نصب الكمين والآخر إستنجد بمثله. و"كي سيدي كي جوادو"، تم الإجهاض على جلالتها الصحافة وزميلتها الحرية...

"تغطية عين الشمس بالتقرير"

جمعية مديري الصحف التونسية التي أطردت - وهي تحت رئاسة السيد التيجاني حداد - من الفيديرالية العالمية لناشري الصحف لدفاعها المستميت عن حرية الصحافة ببلادنا، هذه الجمعية وتحت عناية السيد الهادي المشري، استعادت عذريتها ? أو خيل لها ? حينما استفاقت "طاح لا دزوه" ونشرت أول تقرير لها في تاريخها (23 صفحة فولسكاب، بحرف 26) كرد فعل على تقرير نقابة الصحفيين التونسيين، رغم نفي مكرر من رئاسة الجمعية وأباطرتها... أطلقت نيران "سوفت" على النقابة فيما رفعت كذلك راية اليد الممدودة وكل ذلك في مناخ وفاقي مفتعل يغنّي فيه مدراء "لابراس" و"الخبير" و"الملاحظ" ومن لف لفهم أغنية "الليلة عيد، الليلة عيد". ولم تتبدل النغمة إلا في نهاية الحفل بكلمة من مدير تحرير "حقائق"... ولم يتعجب احد من غياب الصحافة الحزبية عن التقرير وعن القاعة كذلك ولا أحد تساءل في المقابل عن حضور مدير يومية "لورونوفو" التابعة للحزب الحاكم... وهو ما جعل التقرير والمؤتمر الصحفي يأخذان طابع الحركة الاستعراضية لتسجيل حضور معلن قبل استحقاق انتخابي... فهل وصلت الأمور بجمعية مديري الصحف التونسية حد إستبلاه الصحفيين؟ هنا كذلك، غابت جلالتها في عيدها. أما

التعددية الحزبية التي تبرز دائما في وجه المناوئين، فقد ذابت هي الأخرى...

"إللي اختشوا ماتوا..."

وفي هذا اليوم كذلك تمت "الجريمة" الثالثة وما أفظعها !

لم تتأخر "الهجالة" عن الاحتفال بحرية الصحافة باعتبارها وسيلة إعلام جماهيرية تستعملها السلطة ومراكز القوى بغرض تكوين وقولبة الرأي العام... و"هجالتنا" بارعة في هذا، إذ ليس وراءها بحر وليس أمامها عدو، كما ذاكرتها انتقائية وجمهورها مصاب بالأمه (مرض النسيان)...

أفضل وسيلة للهجالة في هذه "الهيلولة" كان برنامج "المنتدى" الذي يعده النابغة في التحليل السياسي علي بن نصيب ويقدمه المنشغل بإثراء المشهد الإعلامي ناجح الميساوي وكان الموضوع ابتكارا وفتحا ما قبلهما وبعدهما ابتكار وفتح...
عنوان الحلقة (مدتها 52 دقيقة و47 ثانية) التي تم بثها في سهرة الاثنين الماضي كان، "الإعلام التونسي،الواقع والتحديات"...( ولو استبدلتم كلمة "الإعلام" بكلمة "اللفت" او "السفنارية"، "الدالة" أو "السيمان"، لحصلتم على نفس المعنى:"الواقع والتحديات": ثنائية من ليس له أي شيء جديد يضيفه!)

حضرت البرنامج المسجل في المبنى الجديد للتلفزة شخصيات (إختارها معالي وزير الإتصال والعلاقات مع مجلسي النواب والمستشارين) : السيد هشام الحاجي (نائب عن حزب الوحدة الشعبية ورئيس تحرير أسبوعية الحزب) والسيد الهادي المشري (أستاذ جامعي ورئيس تحرير "الاقتصادي المغاربي" - ونسوا أن يشيروا أنه رئيس جمعية مديري الصحف -) والسيد المنجي الزيدي (عضو اللجنة المركزية ورئيس تحرير يومية الحزب الحاكم "الحرية"... -ونسوا أن يشيروا إلى أنه دكتور في التنشيط الثقافي-) والسيد نور الدين بوطار (مدير إذاعة موزايك - ونسوا أن يشيروا إلى أنه عضو بالمجلس الأعلى للإتصال -) إضافة إلى السيد نزار بهلول (مدير موقع "بزنس نيوز" الإقتصادي).

لنسحب جانبا نزار بهلول لأنه لم يساهم في الجوقة ابدا، بل كان نشازا في سمفونية مملة لفرط أصوات النحاسيات الصاخبة بها... ملاحظة أولى: لا أحد من الضيوف يتوجه وهو يتكلم إلى الكاميرا... هل السبب عدم التمرس على الحديث في التلفزة أم قلة الكاميرات؟ الهجالة ولقلة معدّاتها، أصبحت تستأجر الكاميرات من الخواص...!

من الجملة الأولى للسيد ناجح الميساوي، حتى قبل تقديم الضيوف، نعلم أن "المشهد الإعلامي في تونس مشع..." وفي مستهل التحقيق نعلم كذلك أن "الإعلام التونسي حر وجريء"... لا أعرف عن أي صحافة تونسية مشعة وجريئة يتحدثون... بحثت، فكرت، ضربت الأخماس في الأسداس، فلم أجد جوابا... وهنا استحضرت الجملة المختصرة المفيدة الموجودة في عديد الأفلام المصرية "بو دورو" والتي تقولها "هجالاتهم" وهي تتلاعب بخصرها: "اللي أختشوا ماتوا..."

"عنزة ولو طارت..."

السيد المشري كان يتكلم وهو ينظر يمينه ويساره دون أن يكف عن النظر إلى ورقته حتى لا يخطئ في أمر من أمور الإعلام الذي يقول عنه، بعد أن أثنى على رئيس الدولة: "الحمد لله، المشهد الإعلامي ماشي ويتطور. ولينا نستقطبو أكثر من 1200 صحافي... على خاطر قبل، الواحد يمشي للصحافة لأنو مالقاش خدمة بالكل"... الله الله على هذا المنطق الذي يلغي من تاريخ تونس رغبات ورغبات في امتهان الصحافة دون سواها... !

ولئن كان السيد هشام الحاجي - على عادته مسايرا لأهواء جميع الحاضرين ("حرية الصحافة أصبحت واقعا فتعددت العناوين الصحفية المستقلة") إلا أنه، في موضوع مصدر الخبر، وقف في وجه لغة صلبة أقوى من الفولاذ أتته من طرف السيدين الميساوي والزيدي وخاصة من السيد نور الدين بوطار... هذا الأخير، طيلة البرنامج، لم ينبس بكلمة كل مرة إلا ونوه وأشاد وشكر رئيس الدولة!

لقد بدأ بتحديد مفهوم الحرية (هكذا!!!) فألغى كل تطور إعلامي وكل استعمال للإعلام في الفترة الاستعمارية، وزعم أن "دولة الاستقلال كان أقل همها حرية التعبير" ("الرأي" و"الفار" وغيرهما ألم تكن موجودة؟)، "فجاء التحول لتغيير هذا الأمر" مضيفا "المشهد الإعلامي متعدد به عديد الكفاءات، يعطي المواطن في المكتوب والسمعي بصري ليختار المعلومة..." أما عن أحقية الصحفي في الحصول على البطاقة المهنية، فقد كان كلام السيد بوطار إقصائيا عنيفا إذ قال "الصحافة لا يجب أن تكون مفتوحة للجميع... واحد يمارس السياسة ويسب، لا يمكن أن نعطيه هذه الصفة في تونس" وتحدث عن الإيجابيات مشيرا إلى أن الحرية الصحفية عند جيراننا (الجزائر) "حرية تمثيلية. أما في تونس الحرية لا ترتبط بالمصالح... ما عندناش حقائق نستحي منها... حقائقنا ناصعة"...

أما عضو اللجنة المركزية للتجمع، الدكتور في التنشيط الثقافي الاستاذ المنجي الزيدي، فإنه حاضر عن الإعلام في خدمة التنمية مبينا أن الحرية "قيمة دستورية لا يمكن المزايدة فيها... الحرية موجودة في مختلف المجالات، لا الحرية المطلقة التي تترك الحبل على الغارب..." وفي ختام البرنامج، وعلى منوال السيد قطاطة حينما ختم برنامجه بكلمة كاتب الدولة، أعطى ناجح الميساوي كلمة ختام الختام لممثل الحزب الحاكم، فتكلم، وهنا بيت القصيد، عن الإستحقاق الإنتخابي القادم وعن المجلس الأعلى للإتصال، مؤكدا أن الإعلام في بلادنا "ينعم بالحرية والإمكانيات"... ونزلت العناوين النهائية! !

تذكرت حينها أنه، في العيد السابق لحرية الصحافة، صال السيد بن نصيب وجال مع السيد المنصف قوجة أنذاك (قبل أن يرسل إلى أبوجا) وكالا التهم والدروس... والهجالة تجتر مسرحية جديدة- قديمة من وضعه وإخراجه: تفطنت إلى أن حرية الصحافة ومهنية التعامل الصحفي قبرتا مرة أخرى في بلادنا...
جرائم ثلاثة في يوم واحد... ولكن الصحافة هي من نوعية "أقتلو يصبح حي" لأنها تتنفس من مبادئ الصحفيين وتتغذى من أحلام المواطنين.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose