attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > الطريق الثقافي > تقــــديــم كتـــاب "الحبــس كــذاب والحـي يــروح" لـفتــحـي بالحـــاج (...)

تقــــديــم كتـــاب "الحبــس كــذاب والحـي يــروح" لـفتــحـي بالحـــاج يحـــي

الأحد 10 أيار (مايو) 2009

لطيفة الأخضر

على طريقة Saint-Exupéry في كتابة Le Petit Prince قال فتحي بلحاج يحي: لنبدأ بالنهاية. ولأنه ليس ماضويا بدأ بالنهاية التي هي الزمن الحاضر، ومن هذا الزمن الحاضر أخذ يغوص بنا في طيات الذاكرة فكان " الحبس كذاب والحي ايروح ".

عنوان إستمــده فتحي من روح الثقافة الشعبية التي تبدع في صياغة الحكم وفي بلورة فلسفة التجاوز والإنتصار على عنف القدر وعلى العنف المقنن.

مقام الذاكرة هو السجن وأصل الحكاية - كما يقال - تتلخص فيما تردد في الكتاب في " القضية عدد 6 لسنة 1975 " لأن لكل سنة من تلك السنوات كانت قضية!

أما تطور أحداثها - في ما هو ما قبل وما بعد - فقد أتانا بها فتحي في شكل لوحات فرض جماليتها على قساوة حقيقة مايرويه.

الأولى منها كانت حول مأتم دفن لشخص قال عنه الحبر في لغة أنجيلية أنه عاش طيبا عادلا "René Chiche"، لم يعرفه فتحي شخصيا لكن حرص على أن يفتتح به كتابه لتسجيل إعتراف وإعتراف بالجميل لزوجته Mme Chiche وبناته اللاتي خرقن حدود الإنتماء الضيق إلى العالم الأرحب أين يكن جزءا منا ونكون جزءا منهن.

الثانية: ألو....نور الدين....

قرار لا رجوع فيه. ذهب، ونزل وطئ رحيله على وجدان الجميع ليشعرنا بيأس مبك أن غيابا قد حدث.

عودة الذاكرة مع بدايات الرحيل:

أحمد بن عثمان، نور الدين بن خذر، عم حسين والد الشريف الفرجاني وقد إنضم هذا الرجل إلى المجموعة مدافعا ومساندا بتلقائية الراعي الذي لم يبحث يوما لنفسه عن علاقة بالدولة فإذا به يتقابل مع وجه جبروتها القبيح.

عودة الذاكرة مع هدم سجن 9 أفريل "الحبس الجديد" وهو قديم قدم الإستعمار، يرويه فتحي على نغم محمد الخميسي "يا بــــودفــة شبحــتنـــا"،
أغنية شغف بها التونسيون آنذاك، شغفا يعبر عن توجسهم بما ستكون وعود الإستقلال.

لوحات تتتالى على طول 240صفحة بها حفريات في ترسبات الذاكرة وبها نقوش ورسوم دقيقة رقيقة تؤديها لغة من السهل الممتنع:
- 1 أمة المحبة المرحة .
- 2 مدير السجن بالكاف التي تكذب طبيعة خلقه طبيعة شغله.
- 3 وجه الحبيبة وحديث الروح للروح في فوضى العشق والحب الشبقي وغموض الحقيقة.
- 4 الكريوكات من أجوار الزنزنات في تركيبتهن المعقدة بين الأنوثة والرجولة، تنبع منهن إنسانية ترفرف فوق النوعين.
- 5 ثم، ثم لوحة اللقاء مع بورقيبة 1980

بورقيبة المسرحي الذي مثل "علينا" بكل نجاح دور بورقيبة كما يمثل يوسف وهبي دور يوسف وهبي.

بورقيبة الذي أتعبه المرض وأمرضت نرجسيته هزات بلاده الغاضبة في جانفي 1978 وقفصة 1980. يحملق في وجوه شباب بلده المسجون ويقص عليهم قصته المعروفة ثم يغضب لإلحاحهم على حقوقهم المنصوصة بالفصل الثامن من الدستور قائلا: "هاتوة انحي والديه هالفصل".

لوحات عديدة تملأ الكتاب، كان يرجئ بها فتحي بلحاج يحي الحديث عن شخصه وعن وقع السجن في نفسه.

مساره النضالي - كمسار الأغلبية - بدأ مع إقتحامه الجامعة سنة 72 أو قبيلها بأشهر، وهذا الفضاء الشبابي يعرف آنذاك عصره الذهبي وبداية مصاعبه وتناقضاته المميتة مع حركة فيفري 72.

كانت الجامعة تعيش آنذاك على ثلاثية ساحرة يكونها الإختلاط والحرية والثورة، وتغذيها تماثلات جميلة ومخيال واسع خصب حول Che المتمرد وMao المتميز والفتنام الصامد وفلسطين المستيقظة.

أصبح مناضلا يساريا في مجموعة "آفاق" التي كانت تتحول تدريجيا إلى منظمة "العامل التونسي".

بعد موجة إيقافات 73 أخذه إلتزامه النضالي إلى باريس ومن هناك إلى لبنان "حجا إلى الكعبة الثورية" كما يقول ليمر بتجربة التدريب العسكري بين صفوف أكثر الفصائل الفلسطينية راديكالية، مدفوعا إلى هناك بجرح تركته فيه هزيمة 67 وبقي مفتوحا مؤلما مثلما هوالحال بالنسبة لنا جميعا .

كانت العودة بعد هذا إلى تونس عبر الحدود الجزائرية في ظروف تشبه الخيال وكان الرجوع إلى السرية في ظرف سقطت فيه شروطها بسبب الإعتقالات اليومية وما إنجر عنها من حصول البوليس السياسي على أخبار توسع معارفه وتضيق الخناق على من تبقى خارج القفص.

فكان يوم 21 مارس 1975 " يوم الحمام ونهاية عمار" وهو الإسم السري لفتحي بلحاج يحي الذي لا يدري لماذا إتخذ هذا الإسم في حين لم يكن له آنذاك تعاطف خاص مع "أبي عمار"... عرفات...

وكانت "الضيافة في دار سلامة أمن الدولة" وعنف التحقيق، وكا ن "يوم الحشر" وبداية المحاكمة.

وكان أعسر على نفسي ما قرأت في الصفحتين 131 و132 من الكتاب حول "التوبش البشري" ثم في الصفحتين 167 و169 مع وصول المجموعة إلى برج الرومي وجحيم الإستقبال الذي خصصته لهم وزارة "قيقة" مزيدا في إشفاء الغليل وتكملة لبربريتها وساديتها.

السلطة في شكلها البدائي الخام تسعى إلى رسم سيطرتها عن طريق وضع الوجع في الجسد وممارسة قوتها لإيلامه.

ورغم أن فتحي فسر في نهاية الكتاب كيف أكسبته ثقافة "الحومة والفتوة" مناعة أخلاقية أمام الأوجاع الجسدية، إلا أنني أستسمحه في أنني كنت أردد في نفسي وأنا أمام لوحة التعذيب والوجه القبيح لممارسته أردد كالحمامة التي ناحت قرب أبي فراس الحمداني في سجنه، أردد وأنا

شاعرة بحاله تلك الأبيات الشهيرة لـــAragon:

Dis qu’as-tu fais des jours enfuis

De ta jeunesse et de toi-même

De tes mains pleines de poèmes

أعرف هذه الأيادي المحملة شعرا، كانت مرفوعة تتحدى دولة القوة الخالصة والتي جعلتها كارزمتية بوقيبة في غير حاجة إلى شرعية القانون.

وقد ساهمت المجموعة بهذا التحدي في إشعار بورقيبة ودولته بحقيقة ما يقوله Napoléon بعبقريته المعروفة حول القوة

On peut tout faire avec des baïonnettes sauf s’asseoir dessus

نعم القوة تمنع الراحة حتى على من يستعملها.

بلغة ينفرد بها، سلاسة وجمالا ووضوحا وهو يقتنيها من عمق روح الشعب الذي عاش بينه منذ طفولته، كان فتحي يسلمنا حينا استنتاجات فلسفية حول " فردانية الوجود داخل وهم الجماعة" وحول ما ينكسر في الذات ليعود أكثر صلابة في عملية إعادة بنائها.
Stoïque، لم يسمح لنفسه ولو لحظة، الإستسلام للتشكي، بل كان مضحكا أمام المبكيات يستعمل السخرية والهزل مسافة فاصلة بين ذاته وبين تجربة الألم والسجن.

فكان يسمي التعذيب " تقنيات البوليس السياسي في تعامله مع أجسامنا"

وكان يثير في هزل قضية التسميات وما وراءها من معان: فسمى المساجين نسبة إلى السجن، والمواطنين نسبة إلى الوطن، ويتساءل حينئذ لماذا لا نسمي السكان مساكين نسبة إلى السكن؟

أما عن إصلاحات وزير الداخلية "المصلح" الطاهر بلخوجة فقد أتانا بأنه سمي المساجين" نزلاء"، "نزولا" عند رغبته.

وفي حديثه عن يوميات المحاكمة ومثولهم لسماع" الأحكام الصادرة في حقهم" يقول " لازالت لا أفهم سر هذه البلاغة العربية في لغة القانون فكأننا طالبنا حقا ما في تنزيل أحكام علينا وهاهي تصدر في حقنا؟! وهي في الحقيقة نازلة علينا."

فالسخرية كانت تكمن في الأسلوب وفي الألفاظ وفي التراكيب وفي الصور والمعاني تقف بك بين الضحك والبكاء وتمنحك طوال الكتاب توازنا بين هذا وذاك كعلاج ناجح عثر عليه فتحي لنفسه ولقرائه.

ورقات في دفاتر اليسار في الزمن البورقيبي. في الحقيقة جاءت هذه الدفاتر بمحتواها السياسي متسربة في نسيج الكتاب، معلنة مرة وضمنية مرات أخرى وقد أعلنها فتحي بشيء من النقد الذاتي أحيانا وبالتمسك بها أحيانا أخرى أما أنا فقد إحتار دليلي أمام الملف السياسي ماذا أقول وفي ذاكرتي أيضا ألم يعود إلى سنة 1976 عندما لم أكن أدعى لا بإسمي ولا بلقبي بل"بالتحريفية" التي وضعت نفسها في فضاء للذنب الذي لا يغفر، وكنت مع رفاقي عرضة" لعنف ثوري" لا يقدر العقل السياسي. ولا العقل إطلاقا على فهمه وإن تمكن القلب فيما بعد من وضعه في سلة المهملات .

ما يمثل الإشكال الأكبر ليس هذا، بل هو أولا دولة لم تطلب إلى اليوم المغفرة لما فعلت بل نراها تواصل فيما يشبهه.

وثانيا هذا النقاش الداخلي بيننا الذي أعتقد انه لم يقم والذي بقيت تكبله رواسب التجارب السابقة، هل كنا آنذاك حقا في حاجة إلى يساريتموقع على يسارpct وآفاق؟ أم في حاجة إلى التفاعل معهما وتغذيتهم وتثمين ما لديهم نحو خلاصة مفيدة؟؟ وسأترك رأيي وإختلافي لفرصة أخرى لأعبر عن صداقتي ومحبتي لفتحي بلحاج يحي وقد إختار إئتماني على كتابه وأنا أقدر بشعور قوي هذه الثقة.

أتمنى أن أكون شرفت الأمانة.

لطيفة الأخضر

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose