attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > الطريق الثقافي > مـن يصنــع حريـــة الصحـــافـة؟

رأي إعــلامــي:

مـن يصنــع حريـــة الصحـــافـة؟

الأحد 10 أيار (مايو) 2009

نحتفل يوم الأحد 3 ماي مع سائر الصّحفيين في العالم، باليوم العالمي لحرّية الصّحافة، الذي انطلق الإحتفال به سنة 1993 إثر صدور إعلان في الغرض من الجمعية العامّة للأمم المتّحدة ، باعتبار أنّ حرّية الصحافة هي المحرار الذي تقاس به الحقوق الديمقراطية للفرد والمجتمع، في كل ما يتعلّق بالتعبير عن الرأي والفكر وكوسيلة للإصلاح والتقدم والتطور.

هذه المناسبة تستحقّ أن نتوقّف عندها لنقوّم مدى ما بذلنا من جهد من أجل نيل هذه الحرّيّة وتحويلها إلى أمر واقع في بلادنا، باعتبارها أحد أهمّ الحقوق.

ولكي نكون عادلين في التّقويم، وجب أن ننطلق من القاعدة التالية: أنّ الأقلام المغلولة لا تصنع حرّية الصّحافة. والأقلام المسمومة تغتال حرّية الصّحافة.

حقوق معنويّة مخطوفة


إنّ حرّيّة التّعبير شرط أساسي لإعلام ناجح، لن يتحقّق إذا لم يناضل من أجله الصّحافيون ويتمسّكوا به كبند من بنود الحرّيات الأساسيّة التي نصّت عليها المواثيق الدولية كحقّ من حقوق الإنسان. هذا الحقّ يصطدم بعدّة معوّقات في تونس، حيث نجد عدّة قيود زجريّة في مجلة الصحافة والمجلّة الجزائية، ترفع الإستقلالية عن وسائل الإعلام وتقيّد الصّحافيين. وفصول العقوبات في المجلّتين تجعل أقلام الصّحافيّين مغلولة. فالصّحافي يمارس عمله في ظلّ هذا الوضع تحت هاجس الخوف من أن يكون عرضة للعقاب أو المتاعب جرّاء الجرأة في كتابة مقال والتّطرق إلى موضوع قد لا يروق لبعض الأطراف، حتّى وإن لم يخالف الضّوابط الّتي تفرضها أخلاقيات المهنة. كما يمكن أن يصطدم الصّحفي بالخط الذي تنتهجه الجريدة الّتي يعمل فيها، ممّا يحول دونه والتّطرّق إلى المواضيع التي ترى إدارتها أنّها قد تضرّ بمصالحها. وهكذا يجد نفسه مجبرا على عدم نقل الأخبار بأمانة ،بعيدا عن التّهويل والإثارة خدمة للحقيقة، وبالتّالي فاقدا لأهمّ وسيلة للدّفاع عن هذه الحرّية. وأكبر مثال ودليل على ما نقول، هو التّعتيم على أحداث الحوض المنجمي التي تواصلت على امتداد سنة. وخلّفت قتلى وجرحى ومساجين صدرت ضدّهم أحكام قاسية، لم يقع التّطرّق إليها ولو بالتّلميح. وكأنّ تلك الأحداث جدّت في بلد آخر! وقد قامت صحيفة الطّريق الجديد بتغطية تلك الأحداث ونقل وقائعها رغم صعوبة النّفاذ إلى المعلومة والوصول إلى المنطقة.

من جهة أخرى يصطدم الصّحافي في غالب الأحيان بحواجز تحول دونه والوصول إلى مصادر الخبر والمعلومات، وممارسة سلطته المعنويّة، لا سلطان عليه في ذلك سوى أخلاقيات المهنة. وما يؤكّد وجود مثل هذه الموانع، دعوات رئيس الدّولة في عدّة خطابات، إلى الوزراء والمسؤولين وكل من يخدم المصلحة العامّة إلى تيسير عمل الصّحافيّين ومدّهم بالمعلومة. وأخذ النّقد النّزيه بعين الإعتبار والإجابة عنه وتصحيح الوقائع عند الإقتضاء. هذه الإشارات التي تكرّرت في عدّة مناسبات تدلّ على وجود عوائق أمام الإعلام تجعل من الصّعب عليه التّقدّم في طريق حرّية الصّحافة المنشودة.

كما نشير إلى أنّ النّقابة الوطنية للصّحافيين التونسيّين، حين طالبت في تقرير الحرّيات لسنة 2008 بضرورة فتح باب الحريات الصّحفيّة وإلغاء فصول العقوبات ومراجعة مجلّة الصّحافة، اتّهمها البعض بالتّصعيد والدّخول في صدام مع السّلطة. وكأنّ السلطة تمنع حرّيّة الصّحافة؟ أو كأنّ حرّيّة الإعلام لا تخدم السّلطة؟

ما سلف ذكره وغيره ممّا لم نذكر من خطوط حمراء، لا تعفي الصّحافي من تحمّل جزء من المسؤولية في هذا التقصير، سببها هاجس الخوف المبالغ فيه أحيانا من تبعات ما قد يجرّه عليه نشر حقيقة من الحقائق والتطرّق إليها بجرأة ومسؤولية. أو الحرص على عدم إغضاب هذا الطّرف أو ذاك إن هو تحمّل مسؤوليته الإعلاميّة. وهذا النّوع من التّقصير غير المبرّر يحرمنا كصحافيين من فرض الحرّية التي نريد والّتي دونها لا تستقيم مهنتنا ولا يكتمل واجبنا.

خلاصة الكلام هو أنّ التفريط في الحقوق المعنويّة التي تحرمنا من حرّيتنا الصّحفيّة، يعدّ تعدّيا على المهنة الّتي اخترنا الإنتماء إليها ونحن ندرك متاعبها.

حقوق مادّية مسلوبة


الحديث عن الحقّ المعنوي لا ينفصل عن الحقّ المادّي والّذي له أهمّيته والمتمثّل في الحقوق الماليّة للصّحفي، والتي بنيلها يتسنّى له ممارسة عمله في ظروف تدفعه إلى تقديم عطاء غزير. وبانعدام هذه الحقوق يتقلّص العطاء، حيث لا يمكن أن ننتظر إنتاجا في المستوى من صحفي جائع. ومن المؤسف أنّ هناك صحفيّين يعيشون أوضاعا مزرية، لأنّ عدّة مؤسّسات إعلامية تنتهك حقوقهم المعنويّة منها والمادّية، دون أن يحاسبها أحد على تجاوزها القوانين التي تحمي هذه الحقوق؟

فسلطة الإشراف السّاهرة على مراقبة تطبيق قوانين الشّغل والإتفاقيات المشتركة في المؤسّسات الإعلامية، والتي من حقّها وبالقانون اتخاذ إجراءات رادعة تجاه التّجاوزات، لم نسجّل أنّها حرمت بعض المؤسّسات الإعلاميّة التي تنتهك الحقوق المالية لصحفيّيها من الدّعم العمومي بواسطة الإشهار. وتفقّديّة الشّغل الملزمة بمراقبة تطبيق قانون الأجور في المؤسّسات، لم تقم بالخطوات المطلوبة منها لحماية حقوق الصّحافيين. والصمت تجاه هذا الوضع يبعث على الحيرة، خصوصا أنّ القانون سيّد الجميع. بل الغريب هو أنّ عدّة صحف تنتهك قوانين الأجور، نجدها تتمتّع بالدّعم بواسطة الإشهار العمومي، وكأنّها تتلقّى مكافأة على انتهاكها حقوق الصّحافيين؟

هذا الوضع غير مقبول ويسيء إلى مؤسّسات البلاد قبل الصّحافيين، ويساهم في عرقلة تطوّر المشهد الإعلامي التونسي. ولا نعلم إلى متى سيتواصل الصّمت على هذا الوضع؟ فالطّرف النقابي اتصل بمديري المؤسّسات، وطلب منهم تطبيق القانون دون استجابة لذلك الطّلب، والمعلوم أن سلطة النقابة معنويّة أمّا آليات التنفيذ فهي من مهام الإدارة . إنّه لم يعد من المقبول أن نتحدّث في تونس عن مثل هذه القضيّة، وما على المؤسّسات التي لها سلطة تنفيذ القرارات إلاّ ممارسة صلاحياتها ضدّ منتهكي قوانين البلاد.


الأقلام المسمومة

إذا كان من حقّ الصحافي ووسيلة الإعلام نشر الحقيقة وتوجيه النقد إلى أية جهة من الجهات أو إلى الشّخصيّات العامّة إذا كان الهدف من وراء ذلك خدمة المصلحة العامّة، فإنّ ذلك لا يعني أن يصل الأمر إلى الثّلب ومسّ الأعراض والتّخوين...، بصورة مخلّة بالقانون وبميثاق شرف وأخلاقيات المهنة. هذه الخروقات نسجّلها من حين إلى آخر، دون أن يقع التصدّي لها، خصوصا وأنّها لا تخدم أية جهة من الجهات إلى جانب أنّها تسيء إلى صورة الإعلام التّونسي. والصّمت على فعل كهذا يعدّ مشاركة فيه.

إنّ وضع الإعلام التّونسي بصورة عامة وفي ظلّ الواقع الذي أبدينا فيه وجهة نظرنا من خلال التّطرّق إلى بعض الأمثلة القائمة، يدلّ على أنّه لم يتمكّن من بلوغ الدّرجة المنشودة من الحرّية. وهذه الحرّيّة لن تصنعها إلاّ إرادة الصّحافيّين.

محمود العروسي

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose