attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > الطريق الثقافي > . ...وتأتيـــك "نشرات الأخبـــــار" بما كــنت تعلــــم

العين بصيرة..

. ...وتأتيـــك "نشرات الأخبـــــار" بما كــنت تعلــــم

الأربعاء 6 أيار (مايو) 2009

خميس الخياطي

يوم الأحد 3 ماي، تحتفل بلادنا كسائر البلدان باليوم العالمي لحرية الإعلام.

والإعلام في بلادنا - التي عرفته قبل عديد الدول العربية والمتوسطية - أصبح رمانة لم "نفركها" بعد، وكأنه معضلة المعضلات ، كما تعتقد فئة فاعلة من مسيرينا السياسيين الإيجابيين حتى النخاع، من اليسير تحقيق التنمية المستديمة والإنتاجية المستقيمة وفتح المجال الاقتصادي دون إعلام يتماشى وهذه التنمية وهذه الإنتاجية وهذا الانفتاح... ومهما كانت التقارير (الموالية كما المعارضة) التي ستصدر غدا، فإن واقع الإعلام ببلادنا (المكتوب كما المسموع والمرئي، الرسمي والخاص) لا يعبر البتة عن وعي المواطن ولا يرتقي إلى ما ترغب فيه المجموعة الوطنية... إن عنوانا واحدا ? كما قال رئيس الدولة مرة - يغنيك عن قراءة العناوين الأخرى. ولا نعني هنا صفحات كرة القدم أو أصداء المحاكم وأخبار الفنانين وغير ذلك من الخبز اليومي للصحفي، بل الشأن السياسي الوطني...

وإن كان الأمر، مقارنة بالصحف المغربية أو الجزائرية، على نحو مخجل من الفقر في تناول الشأن العام في الإعلام المكتوب حيث يوجد الخواص وتوجد المعارضة بصعوبة، فكيف هي الحال في الإعلام السمعي-بصري الذي تسيطر عليه الدولة دون سواها؟

"هجالة" وقتلتها الوحدة...

قناة "حنبعل تي في" الخاصة - وبحسب كراس شروطها، وهو نفس الكراس الذي قنن تعامل "قناة الأفق"- ليس لها الحق في بث نشرات الأخبار( وإن خرقته بنشرة عن النشاط الرئاسي كانت تصلها من تونس 7...) من جهتها، "نسمة تي في" قبل بعثها من جديد، لم تهتم أبدا بهذا الجانب ونظن أن مستقبلها لا يستوي في التناول السياسي... تبقى لنا "هجالة" شارع الحرية بوجهيها (تونس 7 وتونس 21)... بمعنى آخر، أنها تفتقد إلى المنافسة وبالتالي فهي " تحسب وحدها و... يفضلها".

من المواعيد الإعلامية الهامة في كل دول العالم، أيا كان موقعها في سلم البنك والصندوق الدوليين
ومنزلتها في جدول "مراسلون بلا حدود" ومكانها في تقييم أهل "دافوس"، موعد النشرات الإخبارية التلفزية... وليست محبة في الصور أن يهتم المواطنون هناك بنشرات الأنباء المتلفزة وإنما ليطلعوا على شأنهم المحلي ويتأكدوا أنهم ما زالوا من هذا العالم في علاقاتهم بأهل جلدتهم والمختلفين عنهم... هذا هو السبب الأساسي والرئيسي وهو موعد مع ذروة المشاهدة (الساعة الثامنة ليلا)... ولا غرابة في أن أصحاب المؤسسات التجارية الكبرى الذين يبغون الدعاية لبضاعتهم يهتمون بنشرة الأنباء لأنها المعلنة عن انطلاق الذروة ومنها تبدأ السهرة حول التلفاز... أما عندنا، فإن الغرابة أغرب إذ تنطلق الذروة بعد نشرة الأخبار، أي مع الساعة الثامنة والنصف ليلا. والفارق بين الموقفين فارق في الشكل والجوهر... والدليل الذي لا ينازعه أحد، هو أن الأخبار لا تهم إلا من يريد أن يهتم يها رغم أنها انتقلت من 3.3 في المائة من نسب المعاينة لشهر ماي من السنة الماضية إلى 9,8 في المائة لشهر مارس الماضي...

لنترك جانبا قناة 21 التي انضمت إليها "لطيفة مقطوف" لتقتطع لها نشرات الأخبار مع أمل أن تساهم في إخراج القناة من هوة الشبابية المرادف لممارسة الشيء ونقيضه، قناة رأت مؤخرا أن بها من البرامج الكثير، فعملت على تقليصها للمختصر المفيد.

بالمقابل، الهجالة، بنشراتها الإخبارية التسع، "تورينا الزنباع وين يتباع". هذه النشرات موزعة على الساعات السابعة والثامنة والتاسعة صباحا ضمن "نسمة صباح" (هي نشرات موجزة أقيمت مع حرب الخليج وبقيت هكذا حسب مقولة "المؤقت الدائم")، ثم أخرى عند منتصف النهار ونشرة خامسة في الثانية بعد الزوال والمسائية الأولى المختصة في الجهويات تبث الساعة السادسة والنصف والرئيسية التي تبث الثامنة ليلا ثم تأتي النشرة الثامنة وهي باللغة الفرنسية وتبث في الحادية عشرة ليلا (تبثها قناة 21 في الساعة التاسعة وتضيف إليها نشرة بالأنقليزية) وختاما نشرة منتصف الليل وهي التاسعة...

"نسا سيدي البحري"

نشرات الأخبار هذه، إن أضفنا إليها ما تبثه الـ21، تشغل ما يقارب الـ172 )مائة واثنين وسبعين( صحفيا بين مترسم ومتعاقد ومقطوع، 90 في المائة منهم من الجنس اللطيف... وهو رقم غير معقول وتوزيع غير مقبول ولكن له إيجابية امتصاص البطالة بين أصحاب الشها ئد ويبرهن أن المرأة في تونس صاحبة كل الشدائد. يرأس الفيالق الكبرى المتمركزة مثل الجيش المكسيكي زمن أنفلونزا الخنازير، رئيس التحرير المركزي السيد عماد قطاطة وينوبه السيد ناجح الميساوي ويرأس النشرات بالتناوب كل من نجوى السويسي )حرم السيد قطاطة( ومفيدة حشاني ونعيمة عبد الله، فيما انتقلت بسمة دفدوف إلى الإنترنيت ولطيفة مقطوف إلى 21، كما "جمد" كل من سعيدة بن حمادي والحبيب الجويني ونبيهة بن صالح وأحمد الصالحي وعبد الحق الطرشوني...) ولكلمة "تجميد" مفاهيم عديدة يؤكدها البعض ويدحضها البعض الأخر من هذه الأسماء(. مما يجعل المناخ متأزما في الرواق المظلم للطابق الثاني من بناية الهجالة المهترئة، حيث في القاعة الكبرى يترقب الجميع - كما نساء سيدي البحري - اجتماعات تحرير يسمع عنها سماعا وتربصات خارج البلاد تمر تحت أنوف العديد منهم وتنجز الأعمال كل في "حانوته"، ما دام الطبق الرئيسي للنشرات الإخبارية، وهو نشاط رئيس الدولة، يأتي جاهزا للبث، وما لـ"قارءة الأنباء" إلا أن تحفظ الـ"تيراده" وتلقيها على مسامع المواطنين. وإن حدث طارئ، "فتمزبل جهار بهار" في الممر كما حدث لإحداهن في نهاية الأسبوع الماضي... ونتيجة ذلك ، وقبل بداية الأخبار بدقائق، أغمي عليها وتناثرت الأوراق ولم يتفطن لها أحد لسبب ناتج عن عبقرية السيد "جيرار صباغ" الذي اقتطع للأخبار قطعة من"سروال العسكري" كما يسميه أهل الهجالة )ستوديو 9 حيث توجد "نسمة صباح"، ومن قبل "الأحد الرياضي"( فيما بقيت الـ"ريجي" في أستوديو 15... وتم الاستنجاد بزميلة لها كانت تستعد لنشرة منتصف الليل، فانقذت الموقف.

مثل هذه الإشكالات ما كان لها أن تحدث لو اهتم رئيس التحرير ونائبه بعملهما، فكف الأول عن التجوال بين قارات العالم وكف الثاني عن مراسلة قناتا "الساعة" و"الكويتية" وإعطاء الدروس في معهد الصحافة وإدارة "ماجستيرات" الطلبة وتنشيط "المنتدى"... أيعقل أن يكون نائب رئيس التحرير قسم الأخبار ببلادنا مجرد مراسل بالقطعة لقناة أجنبية؟ ثم ما هي القيمة الإعلامية لهذه "البناويت" - كما يقول أهل ’الزيروويت"- اللواتي يقدمن الأخبار الرئيسية (واحدة مرسمة والأخرى بالقطعة!!!)؟ إنهن لا يملكن المصداقية المطلوبة من أهم برنامج على شبكة الهجالة لصغر سنهن... ولو أضفنا إلى هذا كله الثغرات التقنية مثل ان تحمل المذيعة "ميكروفونين"، واحد على صدرها والأخر موجود على الطاولة... أن تكون المذيعة في طرف الطاولة التي صيغت مثل "زحليقة كارتاج لاند"، فالفضاء يصبح خانقا وبالتالي استعمال نوعية من اللقطات يفي بالغرض ولكن الإفراط فيه يقتل المتابعة لرتابتها البصرية...

ومن الأخبار ما ينفر...

نأتي بعجالة إلى الأخبار لأنها من النوع الذي يحاصر المواطن التونسي. فإن لم يشاهدها في التلفزة،فسيجدها في أي يومية. وإن لم يتفطن إليها في اليومية، فستفرض عليه في الأسبوعيات لتعاد له في التلخيص الأسبوعي... "بالعربي الفلاقي" نشرات الأخبار من تلك النوعية التي تصف الفيضانات بالغيث النافع وتعمل على إقناع المشاهد أنه غيث وإن لم يقتنع فهو يصطاد في المياه العكرة التي والحق يقال من بقايا الغيث النافع...
- 1- أن تفتتح نشرات الأنباء بنشاط رئيس الجمهورية فذلك أدنى الإيمان. ولكن أن تكون تغطية هذا النشاط ، رغم مشروعيته، على شاكلة قراءة دليل الهاتف، فإن النتيجة مملة، خانقة تدفعك للبحث عن آفاق أرحب ، مع كل الاحترام لرئيس الدولة ولقيمته... وحينما تكون قراءة دليل لفترة يعبر عنها أهل الصحافة بكلمة "نفق" )"تونيل" بالفرنسية(، فإن نشرات الأنباء لا تعدو أن تكون سوى كوزا لتغذية المواطن رغما عنه وخوفا من داء النسيان... إن مشاهدة رئيس الدولة وهو يتكلم دون أن نسمع من كلامه ولو جملة واحدة ، في حين يأتي كلام المذيع )عادة بصوت المسؤول عن الأخبار( أو تأتي نوعية موسيقية تعطيك الشعور بالركض واللهث أو الأخرى القريبة من أعمال "أوفنباخ"، كل هذا الأسلوب يجعل لنشرات الأخبار بابا في البروباغندة... ولا أظن بأن رئيس الجمهورية يقبل بذلك.
- 2- كذلك، أن يكون نشاط الأحزاب مقتصرا على تحرك الحزب الحاكم دون سواه من الأحزاب المعترف بها قانونيا، فذلك مثل تحقيق عن العداء الذي يجري وحده ويصل الأول. إن أهم قاعدة للإعلام والتي تدرس في ’الإبسي" تقوم على منهج الرأي والرأي المخالف للوصول إلى زاوية من الحقيقة... وكأني بأهل نشرات الأخبار فقدوا حاسة الاتزان والبحث عن الحقيقة ليصبحوا مثل شخصيات رواية "1984" للروائي جورج أورويل... من جهة أخرى "شوية من الله وبرشة من عبد الله"، ذلك أن معارضتنا المحروسة بكامل أطيافها لا تحذق إلا الندوات التي تغطيها التلفزة وتبثها أيضا على شاكلة "قصولوا يديه، جات صالحة للطنبور"... وكانك بالأخبار إعادة لما كنت تعلم...
- 3- عديد التحقيقات التي تبثها نشرات الأخبار لا نفهم محلها من الإعراب... وقد تبث اليوم أو غدا أو الأسبوع المقبل أو لا تبث أبدا، فلن يتحرك لفراغها ساكن المواطن... مثل التحقيق عن "المعلوماتية والتعليم" أو حتى "الحساسية والربيع" وغير ذلك... وحينما نعلم أن التحقيق أجرته
40 دينارا الواحد، فإنه ينجز قريبا من مبنى الهجالة اعتمادا على حكمة المواطن التي تقول: "تعطيهم على قد فلوسهم"... فيقبل الراعي ويأكل الذئب وتموت الماشية.
- 4- لو تستقر الأوضاع في العراق وفلسطين، لا نعرف كيف ستتصرف الهجالة، ذلك أن الرسائل من هذين البلدين- ورغم فقرهما المذهل- سعر المراسلة الواحدة منها 1500 دولار... والغريب في الأمر ان أبناء بلدنا من الصحفيين النابغين منتشرون في عديد البلدان ونادرا ما استعانت بهم هجالتنا عملا بالمثل القائل "الماء الماشي للسدرة، التونسي موش أولى بيه"... أما ما يأتي من "الآ بي تي أن" )وكالات(، فإنه يستعمل على صيغة "كعور واعطي للأعور"، أي يبث أدنى ما يمكن منه في الأمور الدولية دون أن نقول للمواطن-المشاهد اين توجد المكسيك أو ما هو موقع الفيليبين من الخارطة إلخ...
- 5- لماذا لا تعتمد الأخبار المتلفزة التونسية تعليقات أهل الذكر من محللي السياسات... فإن كان الأمر مقبولا فيما يخص تونس، لماذا لا نطلب رأيهم عندما يتعلق الأمر بالانتخابات الجزائرية أو الصحراء الغربية أو الصراع الفلسطيني-فلسطيني؟
أم أننا أمة كلمة واحدة والاختلاف في الرؤى ليس من خصالنا؟
- 6- المتفرقات من ثقافة وفنون وغير ذلك ? ما عدى الرياضة وليست كل الرياضة ? هي من الكماليات التي تصب كلها في وادي واحد: إننا أفضل شعب أخرج للناس... وهو كذلك!!

إن الحديث عن نشرات الأخبار التونسية في هجالتنا حديث ذو شجون. وما هذه الورقة إلا الحلقة الأولى منه و"النافع ربي"... وتقارير يوم 3 ماي حول حرية الإعلام ببلادنا لا شك أنها من حبها للإخبار تناستها... وهذه ليست أول مرة ...

خميس الخياطي


المقال المقبل: "الضلف" و"الهجالة" وبينهما كامخ...

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose