attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > تـحـقــيــقــات > أحكــــام القضــاء الإداري:مـــن ينفـــذها؟

تنتهي على عتبات الإدارة

أحكــــام القضــاء الإداري:مـــن ينفـــذها؟

السبت 2 أيار (مايو) 2009

ستة عشر عاما، قضاها احد الموظفين ينتظر تنفيذ سبعة أحكام صادرة عن المحكمة الإدارية تقضي بإعادته إلى عمله الذي أوقف عنه منذ سنة 1993 ولم ينفذ أي من هذه الأحكام إلى حد اليوم..

ليست حالة فريدة ولكنها مجرد عينة مكثفة تختزل معضلة تنفيذ أحكام القضاء الإداري في تونس، وعلامة على تجاهل عديد الإدارات لهذا النوع من الأحكام رغم ختمه بأمر من رئيس الدولة يلزم المصالح المعنية بتنفيذه، ورغم الحرص الرئاسي المتجدد على تطوير نشاط المحكمة الإدارية والذي ترجم مؤخرا بإحداث دائرة استشارية تعمل على متابعة تنفيذ هذه الأحكام وإعداد دراسات حول نجاعة القضاء الإداري إلا أن جميع هذه الإجراءات لم تستطع حجب المعضلة الناجمة عن ازدواجية الدور الذي يلعبه الجهاز التنفيذي كخصم في القضايا الإدارية ومسؤول عن تنفيذها في الآن ذاته.

ورغم ما يتمتع به القضاء الإداري من مصداقية ونزاهة عالية دفعت إلى إصدار أحكام جريئة تنصف خصوم الإدارات فان عدم تنفيذ هذه الأحكام يطرح إشكالا ملحا حول الجدوى من إحداث هذا النوع من القضاء ومدى نجاعته كجهاز يعلق عليه المواطن آمالا كبيرة لحمايته من تجاوزات بعض الإدارات، وما فائدة أحكام المحكمة الإدارية إذا لم تكن هناك آلية أكثر إلزامية تجبر الإدارة على احترامها؟

-  الوظائف وحدود الصلاحيات

خلافا لسائر الأجهزة القضائية تعود المحكمة الإدارية بالنظر إلى الوزارة الأولى من الناحية الإدارية والمهنية وتضطلع هيئة المحكمة بوظيفتين أساسيتين وهما الوظيفة الاستشارية والوظيفة القضائية.

أما الوظيفة الاستشارية فتتعلق باستشارة القضاء الإداري في مشاريع الأوامر الصادرة عن رئيس الجمهورية والتي تكتسي صبغة ترتيبية، كما يقع استشارته في جميع النصوص التي تقدّر الحكومة فائدة في إبداء المحكمة الإدارية رأيها فيها. ولا تعتبر قرارات وملاحظات المحكمة الإدارية ملزمة في هذا الشأن إذ يمكن للحكومة أن لا تأخذ بملاحظاتها.

أما الوظيفة القضائية فتتمثل في مهمة البت في النزاعات الإدارية بين المواطن وجميع المؤسسات الحكومية، كالنزاعات المتعلقة بإلغاء مقررات إدارية غير شرعية كالطرد من الوظيفة أو الإيقاف عن العمل أو الامتناع عن اسداء خدمة للمواطن إضافة إلى النزاعات الخاصة بتعويض ما يلحق الأفراد من أضرار نتيجة عمل الإدارة. ويمتد التقاضي في نزاعات إلغاء المقررات الإدارية على درجتين: ابتدائي واستئنافي. أما قضايا التعويض فتمتد إلى الطور التعقيبي.
والى جانب هذه الاختصاصات تنظر المحكمة الإدارية في بعض الإجراءات الخاصة كالنزاع الانتخابي أو الجبائي الذي لا تبت فيه المحكمة الإدارية إلا في الطور التعقيبي.

ورغم أهمية اختصاصات القضاء الإداري وحيازته على ثقة كبيرة من المتقاضين فان طبيعة عمله لا تخلو من عدة نقائص.

- نقائص إجرائية وترتيبية.

بالنسبة إلى الوظيفة الاستشارية، تعتبر سرية الآراء ومقترحات المحكمة الإدارية من أهم الهنات التي تحجّم هذا الدور فعلى اعتبار أن هذه الآراء لا يقع نشرها بعد تقديمها إلى السلطة لا يمكن معرفة إن كانت السلطة قد استجابت لمقترحات المحكمة الإدارية أو رفضتها.

أما الهنة الثانية فتتمثل في تعذر استفادة رجال القانون من الاجتهاد الذي تقدمه المحكمة الإدارية في المواد القانونية التي يقع استشارتها بخصوصها وهو ما يعد خسارة معرفية كبرى في مجال الحقوق.

أما بالنسبة إلى الدور القضائي فتتلخص أغلب النقائص في طول الإجراءات وأطوار التقاضي في المحكمة الإدارية والتي تعود إلى تقاعس الإدارة في الإجابة عن طلبات المحكمة خلال الآجال المحددة من ناحية والإجتهاد الكبير الذي تقوم به المحكمة في البحث والتقصي وإعداد التقارير السرية من طرف القاضي المقرر. وقد لا تقل فترة التقاضي في الطور الابتدائي عن سنة ونصف وتصل في بقية الأطوار إلى أربع سنوات.

كما تعتبر شروط توقيف التنفيذ التي يقع استصدارها من المحكمة مجحفة جدا حيث تكاد تقتصر على قرارات الهدم وتسجيل الطلبة وبعض الحالات النادرة الأخرى فعلى سبيل المثال لا يمكن للمحكمة الإدارية إيقاف تنفيذ قرار عزل موظف من عمله ونظرا لطول إجراءات التقاضي غالبا ما يعاني المتقاضون من أضرار مادية ومعنوية كبيرة خلال مدة سير القضية. هذا فضلا عن تضافر عديد العوامل الخارجة عن اختصاص المحكمة والتي من شأنها أن تقلص من نجاعة عملها كفلسفة القضاء الإداري التي تقوم على عدم القدرة على توجيه أوامر للإدارة إلى جانب الشرعية التي يحمل عليها المقرر الإداري.

هذه النقائص عادة ما تعود بنتائج وخيمة على المتقاضين خاصة المطرودين والموقوفين عن العمل منهم في الوظيفة العمومية مما يفقدهم مورد الرزق طوال فترة التقاضي وانتظار تنفيذ الأحكام

-  نزاهة القضاء الإداري :

غالبا ما تكون أحكام القضاء الإداري لصالح المواطن مهما كان طرف النزاع وطبيعة القضية إذ حدث وإن أصدرت المحكمة الإدارية حكما ضد وزارات السيادة وفي بعض القضايا التي ترتكز على خلفيات سياسية ، ففي 9 ديسمبر 2006 أصدرت المحكمة الإدارية حكما ابتدائيا تحت عدد 109976 يلغي قرارا صادر عن وزارة التربية والتكوين يقضي بعزل موظفة من عملها بسبب ارتدائها للحجاب واعتبرت المحكمة آن ذاك أن القرار مخالف للدستور باستناده إلى منشور غير دستوري )منشور 102 لسنة 1986( والذي يمنع الحجاب في المؤسسات العمومية. كما أصدرت المحكمة الإدارية عديد القرارات ضد مصالح وزارة الداخلية، وتعتبر هذه النوعية من الأحكام دليلا واضحا على هامش الاستقلالية والحياد الذي يتمتع به القضاء الإداري والذي يعود إلى عدة أسباب منها:

  • تتكون المحكمة الإدارية من قضاة بارزين، أكفاء ومشهود لهم بالنزاهة على مستوى وطني.
  • لا توجد في تونس إلا دائرة واحدة للمحكمة الإدارية ومقرها العاصمة وهو ما يرفع أي ضغوط مسلطة على قضاتها جراء التخوف من النقل التعسفية وتفسح المجال أمام مزيد الاجتهاد الحرّ.
  • تتمتع الحكمة الإدارية بهامش كبير من حرية الاجتهاد في الأحكام نظرا لرجوعها بالنظر إلى الوزارة الأولى.

-  أحكام عادلة لا تنفذ !

بالرغم من عدالة الأحكام وشفافية أطوار التقاضي التي تمتاز بقدر كبير من الجدية والبحث فإن عددا كبيرا من أحكام المحكمة الإدارية تصطدم بتعنت بعض الإدارات وامتناعها عن تنفيذ ما جاءت به الأحكام ليفقد بذلك من صدر لصالحه الحكم عناء سنوات طويلة يتحمل خلالها قرار الإدارة الذي يبقى ساري المفعول وهو ما يكلفه خسائر مادية ومعنوية كبيرة تستمر لمدة طويلة ويعود ذلك إلى أن جميع آليات تنفيذ الأحكام هي بيد السلطة التنفيذية أي الإدارة نفسها.
وللوقوف على العوائق التي تحول دون تطبيق الأحكام الصادرة عن المحكمة الإدراية وبعض الحلول المقترحة لتجاوز المعضلة نقلت الطريق الجديد هذه التساؤلات إلى أستاذ القانون الإداري المحامي محمد لخضر.


محمد لخضر( أستاذ في القانون الإداري ): المعضلة في عدم تحضر الإدارة

وجب التأكيد في البداية على أن القضاء الإداري يتمتع بقدر كبير من النزاهة والاستقلالية إلا أن معضلة التنفيذ لا ترتبط بآداء المحكمة التي لا يمكن مآخذتها إلا على ما قضت به، وطالما أن الحكم قد صدر فذلك يبرّأ ذمة القضاء الذي لا يختص بتنفيذ الأحكام. فالتنفيذ هو عملية بيد الإدارة وحتى آليات متابعة التنفيذ مثل القوة العامة تعود للجهاز الإداري لذلك لا يمكن تجنيد الإدارة ضد الإدارة لفرض تطبيق الأحكام.

فالمسألة تتعلق بالحضارة الإدارية، فإذا كانت الإدارة متحضرة على غرار ما يوجد في بعض الدول المتقدمة فإنها تحترم أحكام القضاء وتلتزم بها أما إذا كانت الإدارة غير متحضرة فإنها تنظر إلى الأحكام كتحدّ ينال من هيبتها، فأغلب قرارات الإدارة التي تقضي المحكمة بإبطالها هي تلك التي يصدرها المسؤولون ليس أخذا بالمصلحة العامة بل لأسباب شخصية، لذلك فغالبا ما يعتبر الرؤساء الإداريون أحكام المحكمة الإدارية طعنا في شخوصهم وليست تصويبا للخطأ.
هذا فضلا على أن الموظفين لا يآخذون شخصيا على الخطأ الإداري الذي تلغيه المحكمة فوحدها المجموعة العمومية من يتحمل تبعات الحكم ورغم ذلك فإن القانون يعتبر أن عدم تنفيذ قرارات المحكمة خطأ يعمّر ذمة الجهة الإدارية أي أن الأحكام لا تسقط بالتقادم وتبقى الإدارة ملزمة بتطبيقها ما لم تنقضها أحكام أخرى.

و فيما يتعلق بالحلول لتجاوز هذه المعضلة فإن الأحكام الخاصة بجبر الضرر عادة ما يقع تنفيذها رغم طول الإجراءات، أما الأحكام القاضية بإلغاء القرارات الإدارية فالقانون قد توقع لها حل التعويض، فما دام القرار لم ينفذ فإن عدم التنفيذ يعتبر خطأ إداريا يوجب التعويض المادي والمعنوي على الضرر الذي يلحق المواطن المفصول عن وظيفته.
أما الموفق الإداري فرغم أهمية تدخله في عديد الحالات للتوسط بين الإدارة والمواطن فإن صبغته غير إلزامية تجعل دوره محدودا فهو مجرد سلطة معنوية وليس قوة ملزمة للإدارة.


- تقضي بإعادة مفتش شرطة إلى عمله

وزارة الداخلية تتجاهل 7 قرارات للمحكمة الإدارية

عبد الناصر يوسف، مفتش شرطة أقدمت وزارة الداخلية على عزله من الوظيفة بتاريخ 23 فيفري 1993 بعد اتهامه بالاستهتار الفادح بالعمل وعدم انضباطه، ورغم صدور سبعة أحكام من المحكمة الإدارية تقضي بإلغاء قرار وزارة الداخلية، لم يعد عبد الناصر إلى عمله إلى حد اليوم بعد أن تهاطلت عليه قرارات العزل التي بلغت أربعة رغم ايقافه عن العمل منذ 16 سنة.

عبد الناصر روى أطوار مسلسل النزاع القضائي بينه وبين وزارة الداخلية:

عمدت إدارة الأمن إلى عزلي بذريعة مدسوسة طالها حكم الإلغاء..لتتنكر لجميع المساعي المبذولة في تنفيذه..بل وتلجأ إلى التحايل والالتفاف على مقتضى حكم القانون، بالإمعان العبثي في تكرار عزل من انقطعت صلته بالوظيفة منذ مارس 1993 بقرارات خرقاء بلغت أربعة أحكام أشبه بقرارات الطلاق في غياب الرابطة الزوجية.

وأمام انعدام البواعث الموضوعية والأخلاقية والقانونية لرشقي بها..وبعد مواجهة قضائية ملحمية تقر بالحق لفائدتي بأحكام استئنافية قطعية تلغي كليا ما أغدقته عليّ إدارة الصدق و"الإخلاص في العمل"!

وحيث شرعت منذ 2005 في مساعي التنفيذ الرضائي للأحكام مع الوزارة الأولى عساها تقطع مع المكابرة إزاء واجب تنفيذ التزامها التعاقدي: الانصياع الكامل لنتيجة التقاضي.

ستة عشر عاما وأنا شاهد على هذه المهزلة دون أن تتواضع جهة الإدارة وتبدي استعدادها لتطبيق القانون واحترام قرارات القضاء.

توفيق العياشي

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose