attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > شؤون وطنية > ديمقراطية ناشئة؟

ديمقراطية ناشئة؟

السبت 2 أيار (مايو) 2009

عبد العزيز المسعودي

في معرض رده على أسئلة الصحافيين أعلن الوزير المكلف بالوظيفة العمومية رفضه استقدام ملاحظين أجانب لمراقبة الانتخابات بدعوى أن تونس ليست ديمقراطية ناشئة. وفي مقال سابق له بجريدة "الصباح" استغرب موقف المعارضة المنادي باعتماد طريقة النسبية التي سوف تحرمها ـ لو تم تطبيقها ـ من أي حضور بالمجلس النيابي، مضيفا بأنها مازالت ضعيفة وفي طور التشكل، وأن المحطات الانتخابية كانت الفرص المناسبة لها لطرح عدد من المطالب المحقة التي تمت الاستجابة لها من طرف الحكومة، كما هو الحال في وجوبية اختيار بطاقة المترشح داخل الخلوة، وفتح مكاتب الاقتراع أمام ملاحظي القائمات المشاركة، وتحديد عدد مكاتب الاقتراع وغيرها. وطبعا لم ير الوزير فائدة في تعداد بقية المطالب التي واجهتها السلطة بالتجاهل أو الرفض، وهي مطالب لا تقلّ عنها مشروعية ولا وجاهة وما انفكت ترفعها المعارضة الديمقراطية، ومنها ما يخص تخفيف وضبط اجراءات التسجيل في القائمات الانتخابية حتى يتسنى التسجيل شبه الآلي لكل من تتوفر فيهم الشروط. أما المطالب الأكثر أهمية فهي بالتأكيد ذات صبغة سياسية واضحة، اذ هي تتعلق بتنقية المناخ السياسي الذي لا يمكن تحقيقه دون اطلاق سراح مساجين الحوض المنجمي الذين يقبعون في الزنازين لا لذنب ارتكبوه سوى دفاعهم عن حقهم وحق مواطنيهم في الشغل والحياة الكريمة في دولة اعتقدوا أنها دولة القانون والمؤسسات، كما تروج لذلك الدعاية الرسمية صباحا مساء.

وهي تتعلق كذلك بتوفير حد أدنى من أجواء الحرية وخاصة في المجال الاعلامي، مغايرة تماما لما هو سائد حاليا، حيث يكاد المواطن العادي يجهل كل شيء عن الاطراف السياسية المتواجدة على الساحة ورؤاها وبرامجها ومشاريعها المستقبلية، وعما يميّز بعضها عن بعض، وهي ذات القوى التي سيجدها فجأة أمامه لأيام معدودات أثناء الحملة الانتخابية تحاول التعريف بنفسها وتجهد في أن تخطب وده حتى تظفر بصوته، وهو في حيرة من أمره، لا يدري بماذا يجيب، وغالبا ما تصدر عنه بكل تلقائية وعفوية الأسئلة التالية. "أين كنتم قبل الانتخابات، ولماذا لا نراكم ولا نسمع عنكم الا أثناء الانتخابات؟.. إنكم لا تتذكروننا إلا في زمن الانتخابات عندما تحتاجون الى أصواتنا"...

وهي أسئلة توجه في شكل لوم وانتقاد، سمعناها أكثر من مرة ونحن نجوب ربوع بلادنا أثناء الحملات الانتخابية السابقة، وتدل على أن جلّ المواطنين ليسوا على بيّنة من الظروف الحقيقية التي تعمل فيها أحزاب المعارضة الديمقراطية ومن شتى أنواع التضييقات والعراقيل التي تفرضها السلطة بهدف محاصرة نشاطها وتحجيم دورها والحد من تأثيرها واشعاعها.
أما المعضلة الأساسية التي تصطدم بها مصداقية الانتخابات وشفافيتها في بلادنا فهي تلك التي تتعلق بضمان احترام اختيار الناخب الذي يعبر عنه من خلال وضع بطاقة التصويت في صندوق الاقتراع، وهي معضلة بدت جلية للرأي العام الوطني منذ عملية التزوير واسعة النطاق التي شهدتها أول انتخابات تعددية جرت في بلادنا سنة 1981 وشكلت صدمة كبيرة لآمال وتطلعات الناخبين. ولم تخل الانتخابات التي تلتها من طعون موثقة للعديد من القائمات بسبب ما لوحظ من
تزوير وتجاوزات وخروقات مفضوحة لنص وروح المجلة الانتخابية.

وما انفكت تلك الاخلالات الهيكلية تنتعش وتتّسع حتى طغت على كامل العملية بسبب غياب الحد الأدنى من الملاحظين عن القائمات المعارضة الحقيقية للسلطة، وهو غياب يرجع ليس فقط الى الصبغة التعجيزية لعدد مكاتب الاقتراع بل وأيضا لما يتعرض له هؤلاء الملاحظون من تهديدات وضغوط متنوعة بهدف ثَنْيهم عن مجرد التفكير في لعب دورهم كاملا طبقا للقانون.

وهنا تحديدا تكمن أهمية وجود مراقبين دوليين سوف يقتصر دورهم على معاينة ظروف الحملة الانتخابية وعملية الاقتراع والاطلاع على مدى مطابقتها للمعايير الدولية المعتمدة في هذا المجال.

فالأمر لا يتعلق بأي صورة من الصور، بالاستنقاص من سيادة بلادنا، وهو ما كنا سنرفضه قطعا ودون تردد، وموقفنا من هذه المسألة واضح ولا غبار عليه، ولكنه يرمي فقط الى أمرين. أولا ضمان الحياد في الاشراف على العملية الانتخابية عبر لجنة مستقلة متوافق على تركيبتها ودورها، وثانيا السماح بوجود شخصيات محايدة من دول شقيقة وصديقة ومن هيئات دولية لا همّ لها سوى التثبت من أن عملية الانتخاب تتم بصفة سليمة وشفافة، وهو ما يشكّل في الحقيقة ضمانة لكل الأطراف المشاركة التي يفترض أن تكون جميعها ـ بما فيها الحزب الحاكم ـ معنية بمصداقية الانتخابات ونزاهتها.

ونحن نُذكّر السيد الوزير، أن دولا عديدة عربية وغير عربية، ومنها دول عتيدة كروسيا، لا يشك أحد في حرصها الشديد على فرض احترام سيادتها، قبلت حضور مراقبين من الاتحاد الأوروبي وهيئات دولية وأممية عديدة اثناء اجراء الانتخابات، وكان ذلك نزولا عند رغبة أحزاب وقوى وطنية داخلها، طالبت بالاستعانة بهم للاطمئنان على صحة التمشي الانتخابي وسلامة نتائجه.

ومادام في بلادنا جزء من القوى السياسية المشاركة في الانتخابات يطالب بوجود هؤلاء المراقبين الدوليين، فما هي حجة السلطة لرفض مطلبهم؟ أما مجابهة ذلك بأن ديمقراطيتنا ليست ناشئة حتى تقبل بذلك فهو أمر لا يثير إلا الاستغراب والدهشة، ولنتّفق أولا على توصيف ديمقراطيتنا، فإذا لم تكن ناشئة فماذا عساها أن تكون؟ هل بلغت سن النضج دون أن يتفطن لها أحد؟ وفي هذه الحالة أيضا ما ضرّ لو انتظرنا تأكيدا محايدا من المراقبين الدوليين؟

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose