attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > الطريق الثقافي > وعن مسلسلات "الأكتاف"، حدث ولا حرج...

العين بصيرة...

وعن مسلسلات "الأكتاف"، حدث ولا حرج...

السبت 2 أيار (مايو) 2009

بقلم خميس الخياطي

في شارع فلسطين بالعاصمة- وتحديدا بالمبنى السابق للمرحومة "وكالة النهوض بالإنتاج السمعي البصري" التي "بركت" لفرط ما نهضت بالإنتاج و أفلست لفرط ما صرفت من الدنانير ( في الحقيقة "بركوها وفلسوها")- في ذاك المبنى انطلقت هذا الأسبوع "ميسرة" المسلسلات التي ستساعدنا على هضم "بغلي" كاس الحليب والتمرات الثلاث، الشربة والبريكة، الكمونية والـ"دولما" والحوت (من استطاع إليه سبيلا) وتتخللهم أنفاس "السيقارو" الأول ورشفات القهوة الأولى وما إلى ذلك من حسنات الدنيا الفانية التي لا نكتشف قيمتها إلا عند وشك فقدانها...

المسلسلات في البر التونسي، مثل هلال رمضان، لا نعاينها إلا في شهر الإمساك لأن "هجالة" شارع الحرية حتى الاستئناس بالحساب لم يعد مسموح لها به، فما بالك إذا طالبناها بالتخطيط للمستقبل وهي التي لا تعرف منه حتى الكلمة... ؟

وحتى لا نتهم بخبث اللسان والتجني، نستدل على ذلك بالغاء خطة المسؤول عن البرامج منذ أكثر من ست سنوات، وهي الخطة التي تقوم عليها جل تلفزات العالم التي، على اقل تقدير، تحترم دافعي الضرائب قبل ان تحترم مشاهديها...
فالمعذرة للقارئ وليسمح لي بأن أدق مسامير بديهيات العمل التلفزي في خشب "هجالة" شارع الحرية...

في التلفزات التي تراقب نشاطها وأداءها مؤسسات مستقلة، حتى وإن هي تابعة للدولة ولها صلاحيات قانونية، يخضع الإنتاج إلى نسب مئوية في البرمجة مثل أن تكون البرامج الحوارية بنسبة كذا والبرامج الإخبارية بنسبة كذا والترفيه بنسبة كذا إلخ... حتى مصادر البرامج، فهي محددة بكذا إنتاج محلي وكذا إنتاج مستورد. وإن حادت التلفزة عن هذا التقسيم، تأتيها تنبيهات تعيدها إلى رشدها... وفي هذه المؤسسات التلفزية ? والمسالة ليست مسألة تمويل بقدر ما هي مسألة شفافية سياسية ? تنقسم المسؤوليات إلى مسؤوليات عن الإنتاج الوثائقي وأخرى عن الروائي— الذي يتضمن المسلسلات والمسرحيات والـ’تيليفيلم" وغير ذلك من القص بالصورة - ... الوثائقيات معدومة كليا في قنواتنا ما عدا برنامج الكاميرا تتجول... "هز يدك مالطبق".

تلفزة "ربي يعمل دليل"

في حديث جانبي مع مسؤول عين لتوه على رأس "الهجالة"، قال هذا المسؤول كلاما منطقيا ومعقولا لا يقدر إلا المناوئ على معارضته. قال أنه لم يدرس بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار وأنه لا يفهم في الإعلام السمعي البصري رغم أنه عين في هذا المنصب... وبما أنه لا يفهم في هذا الإعلام كما لا يفهم مثلا في البناء ? على حد تعبيره - وحتى يكون ذا
فاعلية ونجاعة في عمله، أفصح عن رأي سليم يتمثل في إنشاء مجلس استشاري ينصحه بحقيقة الأمور البرمجية ومضامينها... وتعجب مسؤولنا كذلك من كون سابقيه على هذا الكرسي لم يفكروا في هذا وكيف سمحوا لأنفسهم بأن يفتوا في أمور لا يعرفونها... وشعرت للحظة وكأني في بلاد غير بلادي وفي مبنى تلفزيوني غير مبنى الهجالة لحصافة ما سمعت... ومر زمن وراءه أزمنة- وكما قال مرة مخرج تلفزي تونسي "قبل أن تطأ قدماك فضاء التلفزة تكون مشاريعك كبيرة وما أن تدخل الفضاء إلا وتتقزم المشاريع حتى تذوب"- وذاب المجلس واكتشف هذا المسؤول أن المبادرة ليست بين يديه ولكن في مكان آخر غير التلفزة... ولا أفشي سرا إن كشفت أن هذا المسؤول تلقن الدرس أحسن تلقين فأصبح في فترة وجيزة "فهيم" في الإعلام السمعي البصري.

وبالتالي ومن هذا المنطلق، تلفزاتنا قائمة على بركة الله وحسنات المواطن المفروضة عليه. فلو سألت أحد المسؤولين على التلفزة التونسية بقناتيها (دون الحنبعلية والنسمية) عما سيبث في الأشهر المقبلة، فإنه، بعد همهمة وتنصل وخطوة الى الأمام واثنتين الى الوراء، لن يجيبك إلا بـ"ربي يعمل دليل" وما إلى ذلك من التعابير التي، وإن تروح عن النفس البشرية، فإنها لا تقضي شؤون المواطنين ومنها الشؤون الترفيهية... ذلك أن خطة الإنتاج اضمحلت لسبب يتمثل في تركيز القرار في يد واحدة وهو ما يحدث حتى هذه الساعة. وحينما يكون الأمر على هذا النحو من المركزية، تمحي المراقبة ويتضاعف الإنفراد بالقرار فيكون فرض الٍرأي الواحد والذوق الواحد والخبر الواحد والدراما الواحدة، وهي حالة عانت منها تونس ولا أخالها ترغب في العودة إليها ثانية...

وبالأ كتاف يعمل المسلسل...

المسلسلات هي الطبق الرئيسي في هذه الشؤون التلفزية لأنها تجنح بالمشاهد خارج دائرة فاتورة الماء وابنة عمها فاتورة الكهرباء- لفترة البث دون سواها- تحمله إلى أرجاء عوالم تعمل فيها الـ"كاثارثيس" (التنقية) فعلها ، فيعود اقرب إلى قبول الأمر الواقع من رفضه ولو إلى حين... ورغم ما للمسلسلات من فعل إستشفائي، فإن تلفزتنا لا تفكر فيها إلا "ليلة صلى الله" وهذه السنة مثل السنين المنقضية، بدأ التفكير فيها متأخرا بشهرين على الأقل حسب العارفين في هذا المجال الإنتاجي.

سؤال لم يكف عن مراودة مهنيي المهنة المسلسلاتية منذ فترات لا تحصى ولا تقاس مفاده: كيف يتم اختيار المسلسلات والـ"سيتكومات" وما إلى ذلك من الأطباق الروائية؟

لا أحد يعلم الجواب إلا الراسخون لدى الهجالة...هل تتذكرون الأطباق التي قدمت السنة المنقضية ؟ من "بين الثنايا" إلى "صيد الريم"، من "شوفلي حل" إلى "ولد الطليانة"، من "أعطيني وذنك" إلى "مكتوب"، إلخ. هذه المسلسلات لم تجتمع لدراسة سيناريوهاتها لجان... وإن قرأت بصفة منفردة من أناس لا علاقة لهم بالسرد الروائي فلأنهم من أصدقاء المسؤول... وبعضها الآخر لم يقرأه إلا المسؤول وحده... أعمال تلقت التلفزة أمرا بإنتاجها لأن إبن المسؤول الفلاني يحب الشخصية الفلانية. أعمال أنتجت لأن المسؤول سمع في سهرة ما أن رغبة موجودة لدى مسؤولين كبار في مشاهدة أعمال من النوع الفلاني، فأمر بإنتاج خمسة عشرة حلقة من ذاك النوع... وكأننا في رواية "البيغ براذر"...

هذا، ولقد ذهب الأمر بالتلفزة إلى أن نحّت جانبا أهم كاتب مسلسلاتي وهو "علي اللواتي" وقبلت أن يخرج السيد الفهري مسلسلا... وعشنا إعلانات في الصحف تطلب سيناريوهات ممن يرى القدرة في نفسه على كتابتها فأعطت للبوسطاجي والقاضي المتقاعد والأستاذة الجامعية وحتى إلى هلمجرا كتابة سيناريو للتلفزة كأن الإبداع الروائي عمل تقني مثل بسط خيوط الهاتف أو كنس المكاتب بعد الدوام الإداري، وهو أعلى درجات الديمقراطية الروائية...

كفانا هراء. إن الزميلة "سعاد بن سليمان"، حينما كانت مسؤولة عن قطاع الإنتاج الروائي، قامت بإثراء بنك للسيناريوهات بعد تكوين لجنة للقراءة والتقييم حسب القواعد المعمول بها في هذا الميدان... وكما هي العادة عندنا، قالوا للسيدة بن سليمان: "باي باي" وذهبت السيناريوهات أدراج الرفوف... من بينها على سبيل المثال سيناريو من وضع الزميل لطفي لعماري بعنوان "نوارة" وقد حصل على علامات "حسن" في جميع مقتضيات العمل وكان ذلك في العام 2003. ألم تجد التلفزة والمسؤولون عليها رغبة وتطفلا للإطلاع على أعمال مثل "نوارة" قيمت من أهل الذكر عوض استسهال الأمر وقبول وصية فلان ونصيحة علانة؟

إلا إذا كانت النصيحة والوصية قاعدة للصعود إلى أعلى المراتب الحكومية...

"العمالة على المتقاعدين"...

مسلسلات هذه السنة، ولم يبق على شهر رمضان سوى أربعة اشهر، هي "عاشق السراب" من تأليف علي اللواتي، وسيقوم بالإخراج الحبيب المسلماني، و"أقفاص بلا طيور" (وكأننا أمام أدب المنفلوطي) من وضع جمال شمس الدين (سحابة) ، وسيقوم بالإخراج عز الدين الحرباوي، وسيأتينا للمرة الألف سيتكوم "شوفلي حل" من تكرار حاتم بلحاج، ولأن صلاح الصيد سئم الخرافة والشخصيات رفض إخراجها، فما كان من سادة التلفزة إلا أن استنجدوا بأحد المخرجين المتقاعدين وهو عبد القادر الجربي ورائعة "مكتوب " لسامي الفهري عن سيناريو للطاهر الفازع...

ما نلاحظه أن، باستثناء سامي الفهري الذي سيتمادى في تعلم الحجامة في رؤوس يتامى الهجالة، باقي المخرجين، ومن بينهم المهمين جدا مثل المسلماني والحرباوي، هم من المتقاعدين وكأن التلفزة التونسية خلت من المخرجين الشباب ونحن في سنة الشباب وأكثر من 500 ألف شاب سيتوجهون للخلوة الانتخابية لأول مرة... كان الأجدر بمسؤولينا أن يفكروا في إعطاء الفرصة للمخرجين الشباب ولو من باب الزكاة مثل الـ"تيليفيلم"، تلك الصيغة التي شرع في إرسائها رئيس مدير عام سابق هو السيد إبراهيم الفريضي... إلا أنه لم يعمر طويلا لأن نفسه حدثته في تحسين بعض أوجه الهجالة، فشكروه على نواياه الحسنة وأثنوا عليه لسياسته الحكيمة فأرسلوه قنصلا عاما وجاء من بعده من فتح الباب على مصراعيه فأرسلوه سفيرا...

هكذا،من ليس له كتف يحب المسلسلات، "ليا وليه ربي"....

في شارع فلسطين بالعاصمة....

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose