attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > شؤون وطنية > لماذا تراجع إشعاع تظاهراتنا الكبرى؟

في المجلس الأعلى للثقافة:

لماذا تراجع إشعاع تظاهراتنا الكبرى؟

الأحد 26 نيسان (أبريل) 2009

اجتمع المجلس الأعلى للثقافة في دورته الثانية يوم السبت 11 افريل الجاري تحت اشراف الوزير الأول ووزير الثقافة وبحضور عدة اعضاء من الحكومة وممثلي كافة الاحزاب السياسية الممثلة في البرلمان وممثلي بعض الجمعيات الثقافية والمنظمات الوطنية كاتحاد الشغل واتحاد الصناعة والتجارة ومنظمة حماية المستهلك واتحاد الكتاب.

وقد تميزت هذه الجلسة ببعض المداخلات المدروسة من جانب الأحزاب السياسية وبالاتفاق على بعض الخطوط العريضة، مثل الاعتناء بالكتاب والمطالعة ومقاومة القرصنة لمزيد حماية الملكية الفكرية والاعتناء بدور الثقافة في الجهات وتجهيزها والعمل على حماية الذاكرة الوطنية في الميدان السمعي والبصري... في حين طرحت قضايا أخرى لم تجد صدى في ردود الحكومة وفي وسائل الاعلام الرسمية لذلك نوافيكم بمداخلة ممثل حركة التجديد السيد حاتم الشعبوني عضو أمانة الحركة.


السيد الوزير الأول

السادة الوزراء

أيها الحضور الكريم،

نلتقي بعد سنة من الاجتماع الأول للمجلس الأعلى للثقافة، هذا الهيكل الذي أحدث لدفع الحوار بين الحكومة والأحزاب السياسية والجمعيات والمنظمات المعنية، وأود أن أنوه في البداية بالأجل الكافي الذي فسح لنا بوصول التقرير حوالي أسبوعين قبل اجتماع المجلس، مما مكننا من التشاور مع بعض المعنيين بالأمر حتى تكون مساهمتنا نابعة من توجهاتنا كحزب معارض ديمقراطي من جهة، ومن مشاغل أهل الثقافة من جهة أخرى. كما أريد أن ألاحظ أن الحوار في حد ذاته مفيد ولكنه يكتسي معناه الحقيقي بحوصلة التوصيات والاقتراحات والاستفادة بها في عمل الوزارة.

إن أول ملاحظة أريد أن أسوقها هي حول البون الشاسع بين بعض المشاريع والبرامج كما قدمت لنا في التقرير الذي مدتنا به وزارة الثقافة والواقع، فالوزارة اعتمدت مثلا برنامج التشجيع على نشر الكتب الثقافية بدعم الورق والشراءات والترغيب في المطالعة، إلا أن الواقع يفيد بأن الاقبال على المطالعة ضعيف جدا، وقد نشرت احدى الصحف نتيجة بحث يقول إن التونسي لا يخصص إلا ثلاث دقائق في اليوم للمطالعة، كما تقوم الوزارة بدعم استغلال القاعات السينمائية الا أن عدد القاعات يتناقص باستمرار ولم يبق منها الا عشرون قاعة تقريبا، وهذان المثالان يبينان في رأينا أنه لا يكفي اقرار البرامج، بل يجب القيام ببحوث ميدانية حول انعكاسات تلك البرامج على الواقع حتى نفهم أسباب عدم التوصل الى النتائج المرجوة ونصحح برامجنا ونتخذ الاجراءات الكفيلة فعلا بالنهوض بالقطاعات الثقافية المعنية.

الملاحظة الثانية تخص الاشعاع الدولي لبعض التظاهرات الكبرى التي نقيمها في بلادنا مثل مهرجان قرطاج الدولي وأيام قرطاج السينمائية وأيام قرطاج المسرحية. فقد كانت بلادنا سباقة لتنظيم مثل هذه التظاهرات في فضائنا العربي والافريقي، الا أن اشعاع تظاهراتنا بدأ يتقلص لتتفوق عليها تظاهرات تأسست لاحقا في المغرب مثلا أو في مصر أو حتى في بوركينا فاسو .مهرجان واقادوقو.، فبماذا نفسر هذا التراجع النسبي؟

حسب رأينا فإن النزعة الادارية في تنظيم هذه التظاهرات وعدم الحرفية المتأصل في آليات التنظيم هي التي تكمن وراء هذه الظاهرة المقلقة، اضافة الى العلاقة غير السليمة التي تكونت بين الوزارة وبعض المبدعين القادرين على تقديم منتوجات كفيلة بتحقيق الاشعاع الدولي لبلادنا وثقافتنا وقد طالعنا مؤخرا على أعمدة بعض الصحف أن مسرحا متألقا لا يجد حتى فضاء للتدرب على مسرحياته ولا امكانية لعرضها على المسرح البلدي. بالاضافة الى تصحيح العلاقة بين الوزارة والمبدعين المتألقين باحتضانهم وتشجيعهم دون اعتبار مدى قربهم أو بعدهم عن توجهات السلطة، فإننا قدمنا في الدورة الاولى للمجلس اقتراحا يقضي بايجاد هيكلة قارة لهذه التظاهرات الكبرى وهو ما وجد صدى في التقرير التمهيدي للدورة الثانية التي تحدث عن التفكير في ايجاد شخصية قانونية للتظاهرات الكبرى، ونحن نقترح ألا تكون الشخصية ذات طبيعة ادارية صرف وأنه الى جانب النواة الادارية القارة لهذه التظاهرات، يجب تشريك الجمعيات والمنظمات والنقابات الممثلة للمبدعين في هيكلة الاشراف القار على التظاهرات الكبرى.

النقطة الثالثة التي نود اثارتها هو أنه رغم تطوير ميزانية الوزارة وما تبعها من تطور ميزانية الدعم، فإن العديد من المبدعين يجدون صعوبات كبيرة للتفرغ الى نشاطهم الثقافي والعيش منه، وذلك يعود الى عدم التوفق في سياسة حماية حقوق المؤلفين والملكية الفكرية والأدبية، فرغم سن قانون خاص وتنقيحه أخيرا، ورغم ا حداث هيكل ذو طابع اداري خلافا لما هو معمول به من تشريك المبدعين أنفسهم في حماية حقوقهم، فإن المبالغ الراجعة لأصحاب المؤلفات زهيدة جدا، مما يفرض التفكير في اعادة تنظيم كامل لهذا النشاط بتشريك المبدعين ومن آليات ناجعة لمقاومة القرصنة ولايفاء الهياكل العمومية من اذاعة وتلفزة على الأقل بما يعود للمبدعين حتى لا يبقوا تحت رحمة الدعم الذي يخضع أحيانا لمقاييس غير موضوعية.

ملاحظة أخرى تخص النشاط الثقافي الجهوي والمحلي الذي مازال يعاني من الفتور وقلة الامكانيات، ذلك أن العديد من المبادرات الخاصة أصبحت تضطلع بأدوار متزايدة في تنشيط الحياة الثقافية في تونس الكبرى، فإن الجهات الداخلية بقيت تحت رحمة المجهود العمومي الذي يصطدم بقلة الفضاءات المؤهلة لاستقبال العروض الفنية وغياب التجهيزات والامكانيات، هذا فضلا عن محاصرة نشاط بعض الجمعيات الثقافية التي ترفض الانخراط في القوالب السياسية الرسمية. أما المهرجانات الجهوية والمحلية فاضافة الى طغيان الجانب الترفيهي على الجانب الثقافي، فإن بعضها ليس الا اعادة انتاج لحفلات الأعراس.

أود أن أسوق ملاحظة تتعلق بتنظيم الاحتراف في المهن الفنية الذي هو أساس كل صناعة ثقافية ناجحة، فلا بد من سن قوانين أساسية بعد استشارة المعنيين بالأمر وتشجيع تنظيم المهن في نقابات فنية وجمعيات ممثلة فعلا وناشطة وتمكين هذه الهياكل الممثلة من المساهمة في تنظيم مهنها واسناد بطاقات للمحترفين الذين يجب فرض نسبة منهم في كل التظاهرات التي تنظمها الوزارة والهياكل العمومية حتى نضمن مستوى حرفيا للعروض وموارد رزق قارة للعاملين في المجالات الفنية.

ملاحظة أخرى نسوقها حول تكريم الشخصيات الثقافية الراحلة، فإذا كانت مائوية الشابي قد انطلقت بصفة مرضية، فإننا الى الآن وفي الشهر الرابع من العام لم نطلع على برنامج احياء ذكرى الشيخ الفاضل بن عاشور المثقف والمناضل والعالم الفذ، وعلي الدوعاجي الذي ˜عاش يتمنى في عنبةŒ ومات والى الآن لم نأته ˜بالعنقودŒ. وبالمناسبة وحتى لا نتذكر هؤلاء الأفذاذ في آخر وقت، فاني أشير الى مائوية الأديب محمود المسعدي التي ستحل في غضون سنة 2011، فلماذا لا ننطلق من الآن هذه المرة في التفكير في احياء هذه الذكرى؟

الملاحظة الأخيرة والتي تندرج في نفس السياق هي حول الحفاظ على الذاكرة الوطنية خاصة في الميدانيين الدرامي والموسيقي، حيث يشتكي عديد المبدعين من عدم التوثيق لأعمالهم وتسجيلها من طرف الاذاعة والتلفزة الوطنية وعدم الاحتفاظ بها في ظروف ملائمة، مما يجعلنا نؤكد على ضرورة تلافي النواقص في هذا المجال، وربما احداث هياكل خاصة بالتسجيل والتوثيق والحفظ حتى لا يضيع مخزوننا الثقافي السمعي البصري وتتمكن الأجيال الصاعدة من الاطلاع على ابداعات الستينات والسبعينات وما تلاها.

هذه بعض الملاحظات أردنا المساهمة بها في تطوير واقعنا الثقافي الذي يحتاج في رأينا الى وقفة جريئة تقطع مع الروتينية والرتابة وتتخلى عن النزعة الادارية الضيقة لترقى الى مستوى الفعل الثقافي المبدع والمتطور الذي يتطلب توفير مناخات الحرية والديمقراطية كأفضل اطار لتفتق الطاقات والابداعات.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose