attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > تـحـقــيــقــات > حــي 3 أوت بالدنـــدان: غيــاب مقومــات العيش الكريم

حــي 3 أوت بالدنـــدان: غيــاب مقومــات العيش الكريم

الأحد 12 نيسان (أبريل) 2009

بالرغم من تعدد البرامج والآليات المستحدثة من أجل النهوض بالاحياء الشعبية المحيطة بتونس العاصمة ومقاومة جيوب الفقر والخصاصة التي تعشش فيها بكثافة، فإن عددا منها لا تتوفر فيه ظروف جودة الحياة على غرار ما هو موجود في الأحياء الراقية.

حي 3 أوت بمدينة الدندان بالطرف الغربي لقلب العاصمة هو أحد الأمثلة على حالة التناقض بين مساحات سكنية تعرف قفزة هائلة من حيث البنية الأساسية والخدمات المتوفرة للسكان، وأحياء مازالت تقاسي ويلات التخلف على مختلف الأصعدة. "الطريق الجديد" عاينت ميدانيا الاوضاع الاجتماعية لبعض قاطني ذلك الحي، لتقف في نهاية الأمر على ضرورة انكباب السلط الادارية المحلية والجهوية على معالجة جذرية لمواطن الخلل القائمة فيه.

لعل ما يروج عن قاطني حي 3 أوت أو "حي الفراشيش" كما اصطلح على تسميته أن عددا منهم تضطرهم الظروف الى "امتهان" التسول

واستجداء المعونة بعد أن دفعتهم الفاقة وضيق ذات اليد وانعدام مصادر القوت الى ذلك ولم يكن من الصعب أن نكتشف هذه الحقيقة، فبمجرد أن دخلنا أحد الأزقة اعترضنا أحد الشبان وطلب منا تمكينه من "دنوس" لاقتناء علبة سجائر، فاغتنمنا الفرصة لمحاورته والالتقاء مع بقية اقرانه "من متساكني الحي، في احدى المقاهي حيث تجتمع "شلته

مورد رزق مفقود

حدثنا الشاب س.م. (30 سنة) وقال انه عاطل عن العمل منذ مدة تناهز ثلاث سنوات، وبعد عدة محاولات في البحث عن الشغل في عدد من المدن الساحلية، استقر برفقة عائلته في حي 3 أوت بعد أن اكترى منزلا متواضعا يتناسب مع ظروفه، على أمل الحصول على عمل قار بالعاصمة، وقد أشار الى أن جميع مساعيه لم تكلل بالنجاح وعمل منذ اقامته بالعاصمة في التجارة الموازية والاشتغال في عدد من محطات بيع البنزين، الا أن الموارد التي يحصل عليها لم تمكنه من توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة، خصوصا أنه كافل لوالديه المعوزين.

ويواصل محدثنا قوله بأنه اتصل بالجهات الادارية المحلية قصد ايجاد حل جذري يوفر له دخلا لائقا، غير أن الشروط التعجيزية التي فرضت عليه عصفت بآماله، فتواضع مستواه التعليمي وافتقاره الى رأس مال ذاتي يحول دونه والحصول على قروض لانشاء مشروع ليجد نفسه يقضي جل ساعات النهار في المقهى، وقد عبر عن نقمته الشديدة على الوضع وعلى استحالة توفير أسباب العيش الكريم.

خلال الاسابيع الماضية، علمنا أن مجموعة من شبان الحي قاموا بتكسير عدد من المنشآت والمعدات العمومية في عدد من الأحياء المجاورة .أضواء الطرقات، اللوحات الاشهارية.. الخ. في سلوك "وندالي" يؤشر على اشتداد حدة الغضب جراء المعاناة في صفوف عدد من الشبان. الشاب م.م. (24 سنة) أكد أنه جمع ما يقارب ثمانمائة دينار خلال الصائفة المنقضية بعد أن بلغته معلومات حول تنظيم عملية هجرة سرية الى ايطاليا عبر السواحل التونسية. وقال "لقد اجهدت نفسي واتصلت بأقاربي وجمعت المبلغ ثم قمت بتسليمه الى أحد الوسطاء من أبناء حينا وهو الذي تكفل بالتنسيق بيني وبين منظمي العملية، وعند الموعد المحدد لها اختفى الوسيط فجأة ولم أعد استطيع الوصول اليه، وثبت فيما بعد أنه قام بنفس التصرف مع شبان آخرين، فضاعت جميع احلامي والآن اشتغل في ورشة لتصليح السيارات والأجر الذي أتقاضاه ادفع الجزء الكبير منه لتسديد ديوني وبقية المبلغ اغطي به مصاريفي الخاصة".

من الأشياء اللافتة للانتباه هو افتقار هذا الحي للمؤسسات الاقتصادية ذات الطاقة التشغيلية الكبرى في هذه المنطقة التي يناهز عدد سكانها 3500 نسمة. السيدة ج.ع. (43 سنة) تملك محلا لاعداد الفطائر و"الملاوي" ذكرت انه بعد وفاة زوجها منذ خمس سنوات اثر اصابته بمرض عضال لأنه لم يستطع توفير مصاريف علاج باهظة الثمن، وهي تشتغل في بيع الأكلات الخفيفة لتعيل نفسها وتسدد معلوم كراء الغرفة الوحيدة التي تسكن فيها، وتكفي التنهيدة العميقة التي أطلقتها لنَعِ عمق الألم الذي تشعر به امرأة تفتقد لعائل يحميها من قسوة الحياة وضنك العيش.

تسول

معظم متساكني الحي يعيشون نفس الوضع تقريبا، قصص تراجيدية يروونها لك ولا فرق بين صغير أو كبير، رجل أو امرأة، متعلم أو أمي.

أمام أحد المنازل اجتمع عدد من الشيوخ حول كانون صغير يترشفون الشاي ويتبادلون حكايات ونوادر عاشوا اطوارها في سنوات شبابهم. السيد ح.ك (61 سنة) ذكر أنه نزح الى الحي وهو في ريعان شبابه واشتغل في جميع المهن كعامل بناء لدى مقاول وأجير في ورشة حدادة ونادل في أكثر من مقهى قبل أن ينزلق في آخر المطاف في متاهات الجريمة بحثا عن الثراء السهل والسريع، وهو ما تسبب له في قضاء مدة طويلة من سنوات عمره خلف القضبان. وواصل حديثه دون أن يأبه بلمزات خلانه قائلا "بعد خروجي من السجن منذ خمسة عشر عاما وامام تقدمي في السن وعدم قدرتي على العمل من جديد، أجبرت على التسول في الشوارع، وفي محطات القطارت وطلب المساندة المالية لكي أوفر لقمة العيش وماأزال أتسول بين الحين والآخر لجمع قليل من المال لأوفر قوت يومي". وأضاف أنه يقطن غرفة منحها اياه احد متساكني الحي ليقضي فيها ما تبقى من سنوات عمره

بنية تحتية تحتاج الى العناية

من غير الخافي أن الحي الذي يقطنه حوالي 3 آلاف نسمة يفتقد الى الحد الأدنى من المرافق العمومية، فجولة بسيطة بين أزقة وأنهج حي 3 أوت تكشف لنا غياب الصيانة لعدد من الطرقات وعدم تعهدها بالتعبيد والتبليط وحول هذا الموضوع قال لنا الكاتب العام لبلدية الدندان السيد هشام بن فطيمة أن مخطط الاستثمار البلدي لسنة 2008 الذي كان من المفترض أن يحسن البنية الاساسية للحي تأخر نسبيا وذلك بسبب قيام الديوان الوطني للتطهير بأشغال لتهيئة شبكة التصريف الصحي، والبلدية تنتظر انتهاء تلك الأشغال لتنطلق في عمليات تبليط مختلف الشوارع والأنهج بالحي وقد رصدت لذلك ميزانية تناهز خمسمائة ألف دينار.

وأكد محدثنا أن نسبة التنوير العمومي بلغت مائة بالمائة ولم تقصر بلدية الدندان في الاهتمام بحاجيات سكان الحي كلما كان ذلك ضروريا، ولعل أبرز مثال على ذلك المجهودات التي تبذل من أجل تشغيل عدد من أبناء الحي في اطار توفير موارد رزق لفائدة أبناء المعوزين أو غير المتحصلين على شهائد علمية خصوصا في أشغال البستنة والدهن وغيرها من الأعمال العادية.. ويبدو أن هذه المجهودات قد لا تلبي الحاجيات الحقيقية للسكان امام النقائص الكثيرة التي يعانون منها والمطلوب من الجهات الادارية المحلية والجهوية مزيد الاهتمام بحاجيات الحي ومتساكنيه بما يوفرلهم الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم.

سفيان الشورابي

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose