attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > تـحـقــيــقــات > من يخرج 75 عائلة من عزلتها...؟ من يوقف وادي الموت؟

صرخة قرية محاصرة

من يخرج 75 عائلة من عزلتها...؟ من يوقف وادي الموت؟

الأحد 12 نيسان (أبريل) 2009

قبل ثلاث سنوات لم يقدر أحد على انتزاع عادل من براثن الوادي الذي جرفه بعيدا ليطمره تحت أكوام النفايات، وبعد سنة قطع الوادي طريق جنين في رحلة خروجه الى الحياة، والقدر وحده هو الذي انتشل قبل ايام التلاميذ الثلاثة من سيول الوادي قبل أن تحكم قبضتها على أرواحهم.

المسرح واحد، ولعنة الوادي هذه كتبت على سكان قرية "الكلايبية" من معتمدية منزل تميم .ولاية نابل. الذين يعيشون العزلة عن محيطهم الحضري منذ أكثر من خمسين سنة، وحتى بعد أن أصبح العالم قرية صغيرة لم يتسن لقريتهم الالتحاق بالعالم الى حد اليوم.

أدركناها بعد رحلة شاقة عبر المسالك والشعاب الوعرة ولم تنجح حلة الربيع الخضراء في حجب شقاء أهلها البادي على معالمهم.

تجمع سكاني يحوي قرابة سبعين عائلة تقتات من تربية بعض المواشي وما تجود به أرضهم الطينية من محاصيل الحبوب التي ترتهن لعطف السماء أو ما يدره عمل فتيات القرية في مصانع ولاية نابل اذا نجحن في عبور الوادي الذي يتواصل فيضانه كل شتاء ليقطع الشريان الوحيد الذي يربط القرية بمدينة "الرعانين" المحاذية، فبالكاد يسمح "سيدي الوادي" كما يطلق عليه أهل القرية تهكما، بعبور الافراد والذي يمثّل مخاطرة كبيرة بعد أن دأب أهل "الكلايبية" على دفع جزية بشرية كل بضع سنوات.

أيام الحصار وحلم الطريق المقطوعة

قبل سنوات كانت قرية "الكلايبية" مطوقة بالجبال والمرتفعات وكان الطوق يشتد كل شتاء عندما تحول الارض الطينية وفيضان الوادي دون عبور السكان الى المدينة فينقطع التلاميذ عن الذهاب الى مدارسهم، ويتوقف نشاط عاملات المصانع فتنقطع الأرزاق ويبقى سكان "الكلايبية" رهائن مساكنهم الى أن ينخفض منسوب المياه في الوادي وتتصلب طبقات الأوحال التي تكسي أراضيهم.

ومنذ سنوات قليلة استيقظ أمل أهل القرية في أن يكون لهم طريق معبدة أو مسلك مهيئ يربطهم بالعالم، استيقظ الأمل بعد أن عملت الشركة المتعهدة بصيانة أنبوب الغاز الجزائري الذي يعبر القرية في اتجاه أوروبا على ا لشروع في تهيئة مسلك ترابي يسمح بنفاذ تجهيزاتهم الى حضائر أشغالهم. بعد ذلك تعالت أصوات أهالي القرية الى جميع المسؤولين في الجهة يطلبون تهيئة الطريق وبعد أن تم وضع أسسه وتشييد جسر فوق "وادي الموت" لم يجد صراخهم ضمائر صاغية، ولم تجد العرائض ولا المراسلات ولا حتى اللقاءات بين أهل القرية والمسؤولين المحليين اجابة الى أن بلغ الأمر ببعض المسؤولين التحدي الصريح لمطالب الغاضبين والتمسك بإبقاء حال القرية على ما هو عليه.

وادي القرية تاريخ حافل بالضحايا

خلال شتاء 2006 رجع عادل الى القرية في المساء بعد يوم مضن من العمل في مصنع الخزف بمدينة قليبية ولم يحفل كعادته بهطول المطر وجريان سيول المياه تحت قدميه بعد أن أصبح ذلك دأبه كل يوم، بلغ عادل الوادي الهادر بعد أن ارتفع منسوب مياهه ولم يجد بدا من العبور بعد أن وضع نصب عينيه صورة زوجته وبناته اللواتي يتطلعن الى عودته، لكن الوادي لم يقبل التحدي فجرفه ليلقي به على بعد ثلاثين مترا تحت اكداس النفايات التي ألقت بها مصالح المجلس القروي.

مات عادل تاركا زوجته وبنتيه للأقدار تتلاعب بهن دون عائل مما اضطر الزوجة الى بيع البقرة الشيء الوحيد الذي تملكه العائلة لتأمين عودة بناتها الى المدرسة قبل أن تستأنف الحياة بما يجود به الأجوار من مساعدات. كما خلفت حادثة عادل موجة غضب كبيرة لدى أهل القرية وأججت مطالبهم باخراجهم من العزلة وحمايتهم من عربدة الوادي فأمعنت السلط الجهوية في تجاهلهم وبعد سنة تعطش وادي القرية الى ضحية جديدة فلم يسمح بعبور احدى الحوامل الى مستشفى المدينة ليموت الجنين في بطنها في ليلة حالكة بقيت عالقة في أذهان أهل القرية.

ولما ضاقت الأقدار بحظوظ "وادي الموت" لم تمكنه من جرف ثلاثة تلاميذ من سكان القرية كانوا يريدون العبور الى مدرستهم فحاول الوادي اختطافهم قبل أشهر قليلة.

خلال كل هذه السنوات بقيت قرية "الكلايبية" محظورة على جميع أنواع وسائل النقل بما في ذلك "الكريطة" التي يلجأ اليها السكان في ايام الصحو لنقل محاصيلهم الزراعية وقد جوبهت مطالب أصحاب النقل الريفي بتعبيد الطريق ليتمكنوا من الوصول الى القرية، بالرفض ووقع تهديدهم بسحب رخصهم اذا أصروا على مطالبهم.

لا حياة لمن تنادي

قد لا يصدق كل من اطلع على قصة قرية "الكلايبية" ان حل اخراج اكثر من 74 عائلة من عزلتهم لا يتطلب سوى تهيئة مسلك لا يتجاوز طوله 2000 متر لربطها بمدينة "الرعانين" حيث تتوفر مرافق الحياة الضرورية، ورغم ذلك أصرت السلط الجهوية على عدم المبادرة بفك الطوق عن القرية، وذلك رغم مبادرة أهلها بتوفير كميات هامة من التربة على جنبات المسلك من أجل تشجيع السلطات على الشروع في التهيئة والتبرع بـ1000 دينار من مداخيلهم الشحيحة.
وخلال الاشهر الماضية أقدمت السلطات على مد ثلاثة أنابيب اسمنتية فوق الوادي في شكل جسر سرعان ما أخذ يتداعى امام قوة ارتفاع مياه الوادي التي يصل علوها عند الفيضان الى أكثر من مترين، وقد بلغت التكلفة الجملية للجسر 32 ألف دينار قد تجرفها السيول في لحظة.

محاصيل زراعية مهددة

فضلا عما يخلفه فيضان الوادي وتراكم المياه المتدفقة من المرتفعات المحيطة للقرية من اغراق حقول الحبوب واتلاف محاصيلها، وتعثر جميع وسائل النقل بين الضيعات، فقد عمدت مصالح المجلس القروي الى احداث مصب للفضلات في أحد حقول القرية على جنبات الوادي الذي أصبح يوزع النفايات على الحقول الأخرى.
هذا الأمر أصبح ينذر بكارثة بيئية قد تحل بأهل القرية وتتلف محاصيلهم الزراعية بعد أن بدأ يظهر مفعول تحلل النفايات والذي أدى الى تآكل مساحات زراعية كبيرة. ورغم ما يكابده سكان قرية "الكلايبية" من معاناة يومية وما يتربص بأرزاقهم من مخاطر فقد كانوا حريصين على عدم التنصيص على هوياتهم خشية رد فعل قد يذهب بمطلبهم البسيط الى متاهات التأويل، اذ يبقى حرصهم الأكبر أن يبلغ صوتهم الى مراكز القرار حتى يتحقق حلمهم البسيط في طريق معبدة تبعث في قريتهم الحياة وتنتشلها من عزلتها.

توفيق العياشي


معتمدية منزل تميم ترد:

ننتظر الاعتمادات الكافية لتهيئة الطريق والحد من إلقاء الفضلات في الوادي نهائيا!

اتصلنا بمصدر من معتمدية منزل تميم لنقل تشكيات سكان قرية "الكلايبية" ومطالبهم بتعبيد المسلك الوحيد الذي يربطهم بالمدينة وإزالة مصب النفايات المتاخم للوادي وما سببه من خطر على الأراضي الفلاحية لسكان القرية، وقد أكد لنا الممثل عن معتمدية منزل تميم التالي:

"من المؤكد أن مشروع تهيئة المسلك الذي يربط قرية "الكلايبية" بمدينة "الرعانين" يبقى من أوكد اهتمامات المعتمدية في الوقت الراهن حيث يلقى عناية كبيرة من طرف السيد المعتمد والسيد والي نابل شخصيا ولجنة التنمية المحلية، وقد تم انجاز جسر فوق وادي القرية وتهيئة المسلك مما أصبح يسمح بالتنقل بعد أن كان الوادي يقطع الطريق ويشل حركة السير نهائيا، ونحن الآن ننكب على دراسة مشروع تعبيد هذاالمسلك لكن الاشكال الوحيد يبقى في عدم توفر الاعتمادات المادية الكافية لانجاز هذا المشروع.
لقد استفدنا كثيرا من مبادرة شركة الغاز بالتهيئة الاولية للمسلك كما بادر سكان القرية بجمع تبرعات بلغت 1000 دينار الى جانب توفير كميات التربة المخصصة للتهيئة، والمهم أن تتظافر جميع الجهود للتمكن من انجاز هذا المشروع، اذ يمكن اعتبار أن ما أنجز الى حد الآن مهما مقارنة بالميزانية المتوفرة.
أما فيما يتعلق بصرف الفضلات في الوادي، فقد تدخلنا بمجرد بلوغ الشكايات الى مصالحنا فأمرنا بالايقاف الفوري لهذه العملية التي تمثل خطرا بيئيا حقيقيا على المنطقة، وقد تأكدنا لاحقا أن الأمر هو مجرد سلوك فردي من طرف بعض المصالح المكلفة بتصريف الفضلات وتعهد المجلس القروي الجديد بمراقبة العملية".


SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose