attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > شؤون وطنية > قفصة: حل أزمة الحوض المنجمي ممكن، فأين الإرادة السياسية

قفصة: حل أزمة الحوض المنجمي ممكن، فأين الإرادة السياسية

الخميس 5 حزيران (يونيو) 2008

أحمد إبراهيم

بعد بضعة أيام سوف تكون قد مرت على انطلاق التحركات الشعبية لأبناء الحوض المنجمي بقفصة خمسة أشهر كاملة، ومن المؤسف أن نلاحظ أن الأزمة ما كان لها أن تصل إلى هذا القدر من الطول لوعرفت السلطة كيف تتعامل معها واستوعبت أسبابها وأبعادها ووعت بمستلزماتها السياسية العاجلة والآجلة.

فأمام موجة الغضب المشروع التي شملت كافة الأهالي، وأمام الاعتصامات والمسيرات والخيام المنصوبة في أرجاء أغلب المدن المنجمية - وهي أشكال من الاحتجاج اتسمت كلها بدرجة عالية من الوعي والمسؤولية - بدت السلط الجهوية والمحلية طيلة أسابيع في حالة من الذهول وكأنها قررت الاكتفاء بمراقبة الأحداث عن بعد، مستعينة بالتعتيم الإعلامي ومراهنة على عزل التحركات عن الرأي العام الوطني تمهيدا لإنهاكها.

إلا أن "سياسة النعامة" هذه سرعان ما اتضحت حدودها لأن المواطنين قد رأوا فيها عدم اكتراث بأوضاعهم واحتقارا لمطالبهم وطموحاتهم... فزادهم ذلك إصرارا على تكثيف تحركاتهم وتنويع أشكالها، ولأن المراهنة على التعتيم الإعلامي قد أفشلتها مجهودات جرائد المعارضة – ومنها الطريق الجديد – ومبادرات نشطاء المجتمع المدني والأحزاب التقدمية - ومن ضمنها حركة التجديد - التي ساهمت في طرح القضية الطرح الصحيح وإعطائها بعدا وطنيا.

فرص ضائعة

ثم شهد النصف الثاني من شهر فيفري وبداية شهر مارس محاولة من قبل السلطة المركزية تمثلت في عقد مجلس جهوي بإشراف ثلاثة وزراء وتغيير المسؤولين جهويا ومحليا وربط قنوات حوار وقطع عدد من الوعود بالتشغيل في مجالات مختلفة، وهي إجراءات كان بإمكانها أن تكون بداية انفراج حقيقي لو تم تكريسها على أرض الواقع واقترنت ببرنامج واضح يكون دليلا على إرادة سياسية حقيقية في حل قضايا التنمية والتشغيل بالجهة...

ولكن "حليمة" سرعان ما "عادت إلى عادتها القديمة": فلا الوعود أنجزت ولا البرنامج التنموي المنتظر تم الإعلان عنه بوضوح، بل إن ما بادر به المواطنون من فك للخيام والتزام بالهدوء تسهيلا لتطبيق الحلول العاجلة الموعود بها قد أسيئ تأويله كمؤشر ضعف، فكان منزلق "الحل الأمني" في بداية أفريل وما أدى إليه من توتر خطير إثر مداهمات المنازل واستعمال القنابل المسيلة للدموع ضد عموم المواطنين وإيقاف المناضلين النقابيين خاصة بالرديف وغير ذلك من الاستفزازات التي جابهها الاهالي بقوة التضامن الهادئة والحزم المقرون بالنضج والمسؤولية، فأطلق سراح المعتقلين و أقيمت الحجة على أن سبيل الحوار مع الأهالي عبر من يحظون بثقتهم سبيل لا غنى عنه وأن أساليب التسويف والمماطلة والمراهنة على الإحباط لا طائل من ورائها...

ورغم هذه الظروف المؤاتية، أضاعت السلط مرة أخرى فرصة تجاوز الأزمة في بداية شهر ماي، وذلك على الصعيد المحلي أولا، عندما أساءت التعامل مع معتصمي قرية "تبديت" فكان ما كان من مأساة وفاة شاب بصعقة كهربائية ومسيرات جوبهت بطريقة عشوائية أدت بصفة غير مباشرة إلى وفاة شاب آخر بأم العرائس، وعلى الصعيد الجهوي والوطني ثانيا ،بسبب غياب خيار سياسي واضح ومقنع.

واليوم لا بد من الإقرار بأن المراوحة في نفس المكان لا يمكن أن تستمر بعد خمسة أشهر من التأزم، وبأن السياسة المتبعة حتى الآن إزاء الوضع بالحوض المنجمي في حاجة إلى المراجعة في الاتجاه الأيجابي الذي يقطع مع الترددات والتناقضات وينطلق من الوعي بعمق الأزمة بمختلف أبعادها ويستند إلى إرادة جدية في انتشال المنطقة من الفقر ووطأة البطالة المجحفة التي تصل أحيانا إلى درجة تساوي مائتين بالمائة من المعدل الوطني .

مفارقات

فليس مقبولا ولا معقولا أن يقع الحديث في وسائل الإعلام والدعاية الرسمية عن الحوار مع الشباب وطنيا ويتواصل العجز عن الحوار معهم جهويا بعيدا عن سياسة العصا الغليظة وهم الذين لا يطلبون غير أخذ مطالبتهم بالشغل وبالمقومات الدنيا للحياة مأخذ الجد...

وليس مقبولا ولا معقولا أن تتواصل المفارقة التي تجعل أزمة الفقر والبطالة في منطقة الفسفاط تتواصل في أجواء ليست في مأمن من مخاطر التعفن في الوقت الذي يشهد فيه سعر هذه المادة في السوق العالمية ارتفاعا مدهشا، حيث قفز سعر الطن الواحد من الفسفاط الخام في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام من 190 إلى 320 دولار، وسعر طن الأسمدة الفسفاطية من 860 إلى 1045 دولار، وتمكنت تونس في 2007 من تصدير ما لا يقل عن 1260 مليون دولار من الفسفاط ومشتقاته (أنظر مجلة جون أفريك، 4 ماي 2008)، وسجلت شركة الفسفاط والمجمع الكيميائي أرقاما قياسية من المرابيح لم تعرفها منذ عقود دون أن تعود تلك المرابيح بالمنفعة ولو جزئيا على أهالي الحوض المنجمي وهم الذين يكدون جيلا بعد جيل على أرض تحتوي على كنز عظيم دون أن يصلهم حتى الحد الأدنى مما يحق لهم انتظاره من عائداته.

تلك مفارقات غريبة من غير المقبول أن تظل قائمة في بلادنا، وقد آن الأوان أن تطرح مسألة التنمية الجهوية طرحا جريئا ينطلق من الإقرار بأن السياسة المتبعة طيلة نصف قرن من الاستقلال لم تفلح في تجاوز انخرام التوازن وتحقيق تكافؤ الفرص بين الشريط الساحلي والجهات الداخلية شمالا ووسطا وجنوبا، ومن استيعاب ضرورة التكامل الاقتصادي بين أجزاء البلاد والتضامن الوطني بين جميع أبنائها أينما وجدوا دون استثناء أو تمييز.

بعض المقترحات العملية

-  إن التمشي التضامني الوطني يقتضي القطع مع وضع تمركز أهم الأنشطة الصناعية العصرية بالسواحل - خاصة بالشمال والوسط الشرقي - وحصر دور الشريط الغربي في الأنشطة التقليدية والقطع مع النظرة القديمة الموروثة عن نمط الإنتاج الكولونيالي والتي تعتبر منطقة مثل منطقة الحوض المنجمي مجرد مصدر لمادة خام، كما يقتضي اهتماما خاصا بهذه الجهات المحرومة بهدف تدارك الآثار السلبية المتراكمة جراء عقود من انعدام التوازن والتكافؤ.

-  من هنا جاءت ضرورة عاجلة تتمثل في اعتبار جهة مثل الحوض المنجمي بقفصة نوعا من "المنطقة المنكوبة" بسبب هذا الانخرام المزمن، ومن هنا جاءت تبعا لذلك ضرورة رصد الاعتمادات المالية التي يتطلبها وضعها الاجتماعي الخصوصي من ناحية والتي تتناسب مع دورها المتميز في تنمية الثروة الوطنية عبر عائدات الفسفاط المستخرج من أرضها من ناحية أخرى. والهدف من هذه الاعتمادات الاستثنائية هو بعث مشاريع ذات صبغة متأكدة تمكن من انتشال المنطقة من الفقر والخصاصة المشطة والتقليص من الهوة التي تفصل بينها وبين معدل الأوضاع الوطنية خاصة فيما يتعلق بفرص التشغيل على شحتها.

-  كما يمكن التفكير بموازاة مع ذلك في نوع من "التمييز الإيجابي " الذي يخصص نسبة معينة من تلك الفرص التشغيلية المتاحة وطنيا لأبناء المنطقة والمناطق المحرومة الأخرى.

-  إلى جانب إجراء عاجل من هذا القبيل، ينبغي الانكباب على إعداد وإنجاز مخطط تنموي جهوي يعتمد محاور رئيسية منها على سبيل المثال لا الحصر:

- تخصيص جزء محترم من مرابيح شركة الفسفاط والمجمع الكيميائي ليقع استثمارها وجوبا بالمنطقة،

- إخراج الجهة من حدود الشركات الصغرى للتنمية لتشتمل أيضا على الصناعات الكبيرة وهو ما يتطلب من الدولة القيام بالدور الاستراتيجي اللازم،

- تجاوز الدور الاستخراجي البحت للحوض المنجمي في اتجاه بعث صناعات تحويلية لإنتاج الأسمدة وغيرها نسجا على منوال البلدان التي تملك أو تخطط (مثل الجزائر والسعودية) لصناعات متطورة في مجال مشتقات الفسفاط بعيدا عن السواحل،

- التوجه نحو جعل المنطقة قطبا أساسيا في ميدان الصناعات الميكانيكية على غرار ما تم إنجازه في الساحل عندما تحول إلى قطب لصناعات النسيج،

- إنجاز ما تمت برمجته سابقا من المشاريع كمعمل الإسمنت ومعمل الآجر وغيرهما،

- العمل في اتجاه تخصص الجهة في بعض الخدمات كالخدمات المرتبطة بالصناعات البترولية، بما في ذلك تخصص مطار قفصة في اللوجستيك البترولي نظرا لقرب المنطقة من الجزائر وليبيا وحتى من مالي،

- تحقيق النهضة الفلاحية بتطوير حفر الآبار واستصلاح مزيد الأراضي وتشجيع الفلاحين والتقنيين والمهندسين من أبناء الجهة،

- تدارك المضار التي ألحقت بالبيئة وحماية المنطقة وإحكام استثمار إمكانيانها في مجال السياحة
بعث قطب تكنولوجي مرتبط بالجامعة الجهوية وتجاوز نقاط الضعف الكبيرة لهذه الأخيرة في مستوى التجهيز والتأطير،

- وضع مخطط جدي للإدماج الاجتماعي للعائلات المعوزة، الخ...الخ...

تلك بعض المقترحات نطرحها للنقاش وسوف نعود إليها في أعداد لاحقة من الطريق الجدي،د علما بأننا واعون بتعقد المشاكل وتشعبها وتأكيدا مجددا على ضرورة حوار جدي في هذا الموضوع الحيوي ذي البعد الوطني.

وللتذكير فقد سبق لنا في الرسالة التي وجهناها إلى رئيس الدولة في 12 أفريل الماضي بعث "لجنة تفكير مكونة من أخصائيين وكفاءات من مختلف الحساسيات السياسية والأطراف الاجتماعية الوطنية، لبلورة حلول طويلة المدى واقتراح سياسة للتنمية الجهوية خاصة بالجهات الداخلية في الشريط الغربي جنوبا وشمالا" ومبنية على المزيد من التضامن الوطني "تمكن من القضاء على انعدام التوازن بين الجهات ومن تحقيق تكافؤ الفرص بين أبناء الوطن أينما وجدوا على تراب الجمهورية"

ونحن نعتقد أن المواجهة الصحيحة للأوضاع في منطقة الحوض المنجمي لم تعد تحتمل مزيد الإرجاء خاصة وأن الحلول ممكنة شريطة أن تتوفر الإرادة السياسية.

أحمد إبراهيم

جريدة "الطريق الجديد" عدد 82 (من 31-05 إلى 6-06-08)، ص 3.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose