attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > الطريق الثقافي > La Puerta Falsa الباب الخاطئ

La Puerta Falsa الباب الخاطئ

الثلاثاء 3 حزيران (يونيو) 2008

الدّيني/الحماسي/الملحمي:عودة الإيديولوجيا الدّينيّة إلى التّعليم الثّانوي

(في نقد برنامج الرّابعة آداب)

منصف الوهايبي

لعلّ ما يقع في الظنّ للوهلة الأولى،من موضوع كهذا"الحماسي/الملحمي"،أنّه موضوع قديم،وأن لا حاجة للعودة إليه.غير أنّ ما نلاحظه من حفاوة بشعر الحماسـة في مواقع مـن الأنترنيت وفي بـعض الفضائيّات(قناة الجزيرة مثلا التي صارت تخصّص لهذا النّوع من الشعر حيّزا لا يستهان به)وفي مناهـج التّعليم الرّسميّة في فلسطين وسوريا وليبيا والعربيّة السعوديّة... وآخرها تونس حيث صارالمنهج (الرّابعةآداب2007) يتّسع، منذ مفتـتح هذا العـام الدّراسي،لشعر الحماسة عند أبي تمّـام والمتـنبّي وابن هـانئ الأندلسي،يسوّغ العودة إلى هذا الموضـوع والعودة"عليه" في ذات الآن.ذلك أنّ موضوعا كهذا محفوف بمحاذير شتّى،لعلّ من أشدّها خطورة،سهولة الانزلاق إلى "الإيديولوجيا الدينيّة" عند التّلميذ التّونسي الجديد الذي يتعذّر عليه ـ لقلّة محصوله المعرفي ـ أن يميّز بين"دينيّ"وملحميّ" وهو يقرأ قصائد لهؤلاء الشّعراء تكاد تحصر الحماسة في مجرّد صراع بين "الإيمان" و"الشرك" أو بين دار الإسلام ودار الحرب.وربّما تعزّزت لديه هذه الإيديولوجيا وهو يستمع إلى "إذاعة الزّيتونة للقرآن الكريم"،أو يشاهد في التّلفزيون الصّراع بين فتح وحماس،أو بين أمريكا والقاعدة؛ فيما الحماسة أو الشّعر الحماسي في تقديرنا أعمق من ذلك بكثير.(بيّنت هذا في مفتتح السّنة الدّراسيّة،في محاضرة ألقيتها بسوسة،بحضور عدد من السّادة متفقّدي اللغة العربيّة).
المصادرة التي أستأنس بها في هذا الباب أنّ "الحماسة" مصطلح حياتي عند العرب ، بالغ الدلالة قد يسوق الى القول بوجود صلة ما بين الأغراض الشّعريّة المتعارفة من مدح وهجاء وفخر وغزل أو نسيب ورثاء والمعتقدات و الطقوس الدينية في الجاهلية،وما تواصل منها في الإسلام.وهذا يقتضي في مستوى أوّل ضبطا دقيقا لمصطلح"حماسة" ومفهومها،

من جهة،فمحاولة في إعادة تصنيف الأغراض الشّعريّة،من جهة أخرى.
الحماسة لغة من حمس أي اشتدّ.وحمس بالشيء:علق به.والحماسة:الشّجاعة والمنع والمحاربة.والتحمّس:التشدّد. ورجل حمس وحميس وأحمس:شجاع.والأحمس:الشّديد الصّلب في الدّين والقتال،والورع المتشدّد على نفسه في الدين.وقال ابن الأعرابي:الحمس(بفتح الحاء):الضّلال والهلكة والشرّ.وسنة حمساء:شديدة.والحمساء هي الكعبة.و الحمسة الحرمة.و الحمس(بضمّ الحاء) لقب قريش وكنانة و جديلة في الجاهلية،لأنّهم كانوا يتشدّدون في دينهم وشجاعتهم فلا يطاقون.وقيل سمّوا حمسا لأنّهم تحمّسوا في دينهم أي تشدّدوا. و جاء في كتب السيرة أنّـه " لا ينبغي لأهل الحلّ أن ياكلوا من طعام جاؤوا به معهم من الحلّ إلى الحرام إذا جاؤوا حجّاجا او عمّارا و لا يطوفوا في البيت إلاّ في ثياب الحمس فإن لم يجدوا طافوا عراة … و أمّا النّساء فتضع إحداهن ثيابـها كلّها إلاّ درعا مفرّجا ( مشقوقا من قدّام أو من خلف) ، ثم تطوف فيه."

حاصل هذه النّبذة اللغويّة الخاطفة أنّ مادّة"حمس" بشتّى مشتقّاتها تكاد لا تخرج عن معاني الشدّة والمنع والشّجاعة والمحاربة،سواء تعلّق الأمر بالحرب والقتال،أو بالدّين وطقوسه،أو بغيرهما من شؤون العرب القدامى،ومن أنظمة قيمهم.
إذن ما الذي يسوّغ اتّخاذ هذه الكلمة"حماسة" عنوانا لعدد من الدّواوين أو المختارات الشّعريّة عند القدماء،ومشتقّها النّعتي مقابلا عند المعاصرين للفنّ الغربي المعروف بPoésie épique أوHéroïque أي "شعر حماسيّ" ؟
جاء في دائرة المعارف الإسلاميّة أنّ التّرجمة"شعر حماسيّ"كانت،على جلالها،قصيرة العمر أو من الهباء الذي لا يعمّر،إذ سرعان ما عفّى عليها البلى،وناب عنها المصطلح الذائع"شعر ملحميّ" أو"ملحمة شعريّة"Epopée الذي نديره على ألسنتنا بكثير من اليسر والسّهولة،برغم أنّه ـ على ما يتهيّأ لي ـ يعاني قدرا من قلق العبارة،غير يسير.ولعلّ مصطلح"شعر الحماسة" أن يكون أوفر دلالة منه،وأنمّ على هذا النّوع من الشّعر القصصي الذي يسرد أعمالا ومغامرات بطوليّة تمّحي فيها الحدود بين الواقعي والخارق،والتّاريخي والأسطوري،في سياق الإشادة ببطل والتّغنّي بمآثره.
ونقدّر أنّه ليس هناك كلمة أبلغ في تمثّل هذه الحالة من كلمة "الحماسة" التي كان العرب يطلقونها على شعرهم قبل ان يحمل عليه تصنيف الانواع أو الاغراض إلى غزل و فخر و رثاء … والحماسة مصطلح حياتي و فلسفي شامل و عميق ، يجسّد أوج الانفعال بحالة من الحياة تتجاوز الحاضر الى الغائب و المرئي الى اللامرئي او المتخيل،كما يذهب إلى ذلك مطاع صفدي.ف"حماسة الحبّ" لا تنحصر في الانفعال بجسد الانثى وانّمـا تتفرّع الى انفعال بجسم البطولة و الى انفعال بجسد الحب يتحوّل الى احتفال بالجوهر الانثوي ، و يرقى الى ما يمكن تسميته "توثين الجسد " أو "أسطرة الجسد".فمن خلال الحماسة يصوغ الشاعر صورة الجسد الكونية هذه الصورة التي يبدو فيها الجسد ضربا من المجاز او استعارة كبرى.فهو جسد – مثال يمتح الشاعر عناصره من أجساد و أجسام عامة، من آلهة و طواطم كانت لها قداسة في غابر الجاهلية .

إذا كان من السّائغ المقبول القول إنّ النّسيب أو شعر الحبّ موضوع من موضوعات الحماسة أو هو غرض من أغراضها،فليس أيسر من القول إنّ بقيّة الأغراض من مدح وهجاء وفخر ورثاء،وهي ما هي، في شعر العرب،أحقّ بهذا الاسم وأجدر.

أمّا المديح فهو خطاب "تقريظيّ" Apologique يأخذ بوظيفة تنبيهيّة phatique قد لا تخفى. وهذه الوظيفة تتمرّس، في تقدير المعاصرين، بالشّفهيّ أكثر منها بالكتابيّ، بحكم أنّها وظيفة اتّصال أو تماسّ أساسا.على أنّ ما يدفعنا إلى أخذها بالاعتبار، وإن على حذر وتحرّز، أمور من أظهرها أنّ هذه الوظيفة تكاد تكون الأشدّ علوقا بالفرد، في حين التّخاطب أو التّواصل؛لأنّها هي التي تثبّت الاتّصال، وبخاصّة في غرض مثل المدح يستغرق أكثر شعر العرب. فالمدحيّة قصيدة "حواريّة" تختلف اختلافا بيّنا عن غرض مثل الهجاء؛ لأنّها تكتب أساسا لتلقى أو تنشد في محفل،أو لأنّها تنضوي إلى "قصائد الحفل" بعبارة ابن رشيق.والحفل مثله مثل الايقاع طقس حماسيّ جماعيّ حميم. ولعلّ ما يجمعه إلى الشّعر إنّما هو الطّابع الزّمنيّ الخاصّ الذي يميّزهما،حيث ينطوي المكان وينتشر الزّمان وكأنّه الأبد. وقصيدة الحفل إنّما تبني لنفسها حضورا كلّيا، فيتعارض زمنها الخاصّ والزّمن "الموضوعيّ" الذي يمكن ضبطه وقياسه. وقد أسلفنا أنّ العرب دأبوا على اعتبار الشّعر، وهو مديح في الأغلب الأعمّ منه، ديوانهم وسجلّ مآثرهم وبائد عوالمهم، و"نصّهم" الذي له من قوّة الأمر المقضيّ ـ وقد تنزّل منهم في الجاهليّة منزلة الدّين ـ ما جعله على تعاقب العصور يتخطّى الانقلابات الحاصلة في هيئة الشّعرزمانا ومكانا؛ ليبني هذا الحضور الزّمنيّ الكلّيّ، وهو في تقديرنا ميزة أيّ طقس حماسيّ سواء كان دينيّا أو شعريّا، فيثبّت زائلا ويحوّل عابرا أو غابرا إلى "حال" أو "ديمومة".وكلّما كان هناك "حفل" كان تواصل ومشاركة وكان "لعب" وكان "رمز".بل كانت حماسة،وكانت ملحمة.(يتبع)


هل الشّعر الحماسيّ شعر ملحميّ؟

من المفيد أن نعود بالملحمة1 و دلالتها إلى الأصل الأتيمولوجيّ لهذه المفردة في اللّغة الإغريقيّة على أساس أنّ أرسطو يُعدّ من الأوائل الذين اعتنوا بالنّظر في هذا الجنس الأدبيّ. وتفيد الملحمة أتيمولوجيّا فعل تأليف قصّة épos. ويستخدم أرسطو دونما تمييز épos وépopïa (ما يمكن تعريبه بالقصيدة القصّة).ومنذ تلك الحقبة كان مصطلح الملحمة épopée غير القصيدة الملحميّة نفسها التي تشكّل جنسا أدبيّا مخصوصا. غير أنّ المقايسات الاستعاريّة تذهب أحيانا إلى إضفاء خصائص العمل الملحميّ على نشاط غير أدبيّ في الأصل، أي على نشاط ملحميّ.
والواقع أنّ الجنس الأدبيّ قد حدّد منذ القدم بالرّجوع إلى القصيديتْن الطّويلتين لهوميروس: الإلياذة والأوديسة. وقد مثّل هذان النّصّان نموذجا للملاحم الأخرى القديمة حتّى العصر الوسيط، وعصر النّهضة. غير أنّ هناك نصوصا ظهرت في مختلف هذه العصور ظلّت ملتبسة إذ لم يهتد التّصنيف إلى حسم أمرها أهي من جنس الملحمة أم هي غير ذلك. ففي العصر الحديث يتحدّث فيكتور هيغو مثلا عن "ملاحم صغيرة" petites épopées في ما يتعلّق بما سمّي لاحقا La légende des siècles. ثمّ إنّ الأمر توسّع بعد الأرسطيّة ليضفي صفة الملحمة على آداب غير إغريقيّة وغير أوروبيّة نظير ما نلفيه بشأن "الشّاهنامه" (أي "كتاب الملوك") للشّاعر الفارسيّ الفردوسيّ (القرن11م.)، أو القصائد الكبرى في الهند القديمة "الماهابـهاراتا" حيث دام تأليفها قرونا (من القرن الرّابع ق.م. إلى القرن الرّابع م.). ويمكن أيضا ذكر "الرّمايانا" التي ربّما يعود تأليفها إلى ما بين القرنيْن الثّاني ق.م. والثّاني م.

إنّ حدَّ الملحمة على أنّها قصيدة هو ما يجعلها تختلف عن الأجناس النّثريّة التي يمكن أن يكون لها نفَس ملحميّ دون أن تكون مع ذلك ملاحم. وبالفعل، فإنّ هناك ضربا من التّنظير théorisation يريد أن يذهب بالملحمة إلى حدّ النّثر. ويمكن أن نشير في هذا السّياق إلى لوكاتش في" نظريّة الرّواية" "Théorie du roman" إذْ يقدّر أنّ هناك شكلا جديدا للملحمة يعلن عن نفسه في بعض أعمال دوستويفسكي. غير أنّه بغضّ النّظر عن طرافة هذا التّأويل، فإنّه قد لا يجوز التّغاضي عن القيمة الجماليّة للملحمة المرتبطة بشكلها الشّعريّ؛ وهذا الشّكل ليس شكليّا البتّة، فالملحمة ليست مجرّد حكاية أو قصّة؛ وإنّما هي تحقّق خصوصيّتها بواسطة سحر الإيقاع وبواسطة الالتجاء إلى شكل مُطقَّس forme ritualisée وشبه موسيقيّ حيث يتمّ تنزيل الكلمة منزلة أرقى من اللّغة العادية. وباختصار فإنّ الملحمة قصّة شعريّة مقدّسة، صُنعتْ لها قدسيّة خاصّة بها.

لكن كونها قصّةً، فإنّ هذا ما يميّزها عن القصائد اللاّسرديّة. وكما يبيّن أرسطو في "فنّ الشّعر" فإنّ الملحمة عمل محكيّ أو مسرود action racontée، وهو في تقابل مع التّراجيديا من حيث هي عمل ممثّل action représentée؛ فالتّراجيديا تتدبّر أمرها بالتّعويل على ممكنات الإخراج وحوامل العرض في حين يتعيّن على الملحمة أن تثير المتقبّل بواسطة الألفاظ فقط. وإلى ذلك فإنّ فعل التّراجيديا محدود بسبب شروط التّمثيل المسرحيّ؛ مثلا من جهة ديمومتها، في حين لا تخضع الملحمة لمثل هذه القيود ويمكن أن تغطّي مساحة زمنيّة أكبر.

وفضلا عن ذلك فإنّه يمكن أن نشير إلى الإسهاب من حيث هوخاصّية من خصائص الملحمة. وقد أقرّ أرسطو بمزيّة الإسهاب في الملحمة إذ يسمح بالتّعبير عن ممارسة هي واحدة ومركّبة في آن. وبعبارة أخرى فإنّ التّجربة التي تعبّر عنها الملحمة تجربة واحدة لكنّها متعدّدة الحلقات épisodes على نحو يتمّ فيه تطويرها بكفاية فائقة تحفظ التّوازن داخل تركيب مجموع الملحمة.

وبما أنّ هذه الورقة لا تستحضر خصائص الملحمة بانتظام منهجيّ [إذْ هي ترجئ هذا المطلب إلى وقت لاحق نأمل أن نتمكّن فيه من جعل هذه الورقة قابلة للنّشر والتّداول، أمّا في هذه المناسبة فكتفي ببعض الملاحظات التي يمكن أن تكون مادّة أوّليّة، ليس إلاّ، لهذه الورقة. وهي ملاحظات لا ترقى حتّى إلى مستوى المسوّدة؛ فالتّسويد يكون منهجيّا أيضا]؛ فإنّنا نشير أيضا إلى أنّه إذا كان من شأن الإسهاب أن يسمح للملحمة بأن تغطّي زمنيّة مطوّلة وبأن تشتمل على شخصيّات عديدة، فإنّها تكتفي بوضع عدد محدود من الشّخصيّات في الصّدارة على أساس دورها الأساسيّ والمفصليّ في مجريات القصّة. وهي تحرص على إبراز فرديّة individualité كلّ شخصيّة من هذه الشّخصيّات وتفرّدها إبرازا قويّا. ولكنّها بالإضافة إلى تدبّر نوعيّة العلاقات والرّوابط بين هذه الشّخصيّات فإنّها تتولّى توجيه قوى ضخمة وجيشا عرمرم وأهوالا طبيعيّة عظيمة وقدرات خارقة (فوق-طبيعيّة)؛ تتولّى توجيهها بحسب علاقاتها بأبطال الملحمة؛ وهم البشر لا محالة: فعالَم الأثر œuvre هو دوما نفسه حتّى وإن داخلتْه الآلهة، عالَم في صميمه إنسانيّ تماما. وكما يلاحظ هيغل فإنّه عالَم حيث أفراد مستقلّون يشكّلون واحدا UN بفضل إرادتهم.

ولعلّ هذا ما يدعو إلى التّساؤل عن علاقة الملحمة بالفعل القويّ أو بممارسة القوّة؛أو بالحماسة. فهؤلاء الرّجال الملحميّون هم قبل كلّ شيء رجال يتحرّكون ويفعلون. لكنّ أفعالهم هي في الغالب مغامرات، بل هي معارك أو قل هي تتنزّل دائما في جنس المخاطرة؛ وهذا ما يميّز السّلوك الملحميّ سلوك البطل حيث يتعلّق الأمر دائما بالمخاطرة الأشدّ، أي المجازفة بما هو أساسيّ لدى الإنسان: حياته. وإذا ما حدث وانزلقت إلى فضاء الملحمة –وهذا يحدث أحيانا- مشاعرُ رقيقة فذلك ذو وظيفة جماليّة تتمثّل في إبراز التّعارضات الفاعلة والمؤثّرة في سير الأحداث والتي تؤلّف مجموع الملحمة. ذلك أنّ الملحمة لطبيعتها الدّيناميكيّة تحتاج إلى تعارضات أو تقابلات (أي قوى متضادّة) وليس إلى قوالب تشلّ الحركة.

نستطيع إذن أن نجمل تعريف الملحمة على نحو مبسّط هو بالتّأكيد لا بفيها حقّ المفهوم؛ فنقول إنّ الملحمة سرد شعريّ مسهب يتعلّق بممارسة هائلة للقوّة تكون في نفس الوقت واحدة ومتنوّعة، كما تكون مترامية إلى أفضية وأحداث متفرّقة، لكنّها تكون في نفس الوقت متمحورة حول عدد محدود من الأبطال. وهذا التّعريف لا يعفي طبعا من تطارح كثير من الإشكالات التي ما زالت بعدُ تعلق بكلّ تناول لجنس الملحمة. من ذلك، مثلا، هل تقتضي الملحمة بالضّرورة استحضارا للعجيب merveilleux؟

و ما يدفع إلى مثل هذا السّؤال، هو أنّ معظم الملاحم تستدعي إلى دائرة أحداثها آلهة، وشياطين، وملائكة، وقوى غريبة غامضة.. فيكون السّؤال: هل يمثّل حضورها شرطا جماليّا للملحمة؟
لقد أثارت هذه المسألة بعض الخلافات بين بعض الدّارسين للملحمة، ويمكن أن نكتفي في هذه المناسبة بالإشارة إلى ما يقوله هيغل من أنّ إدماج الآلهة في الملحمة من شأنه أن يوفّر حضورا عينيّاprésence concrète وذاتيّا présence subjective لقوى هي في الأصل قوى جوهريّة وكلّية، أي موضوعيّة. ويكون ربطها شعريّا بالملحمة من قبيل ما ينحت هويّة موحّدة للآلهة والبشر حيث يتمّ التّأليف في نفس الوقت بين القوّة الكونيّة (الوظيفة الرّمزيّة للآلهة والخوارق الطّبيعيّة) وما يجري في الحياة من طباع caractères(الوظيفة الرّمزيّة للبشر). وعليه تكون الوظيفة الجماليّة للعجيب في الملحمة هي نفسها: أن توفّر للممارسة البشريّة أصداء هائلة تتجاوب في أبعد ما يكون من أفضية العالَم، فيتمّ إضفاء طابع إنسانيّ على هذا العالَم.

وفي الجملة، فإنّه يمكن القول في ما يخصّ شروط الملحمة أنّ هذه الأخيرة ظهرت منشدّة إلى مقتضيات يبدو أنّها تمثّل هي نفسها جزءا من تعريفها ومن طبيعتها. لكن ذلك لا يعفي من التّساؤل عمّا إذا لم تكن الملحمة شكلا مرتبطا بحضارات دون أخرى، أو بمجتمعات لم تعرف فكرة "الدّولة" بعد (وهذا ما يطرحه هيغل)،أو بيقظة الحركات القوميّة.

فلعلّ في هذا ما يسوّغ ترجمة الشعر الحماسي بالملحمي،على ما في هذه التّرجمة من قلق العبارة،إلاّ إذا وقفنا بكلمة"ملحمة" على معناها المبذول أي الموقعة العظيمة أو الاقتتال العنيف أو الأعمال البطوليّة التي تثير الإعجاب والدهشة.والملحمة أجلّ شأنا من ذلك.ولا نملك، في هذا السياق،إلاّ أن نشاطر القائلين بأنّ العرب لم يعرفوا الملحمة إلاّ في الأزمنة الحديثة:"الإلياذة الإسلاميّة" لأحمد محرم،وهي قصيدة طويلة تروي سيرة النّبي محمّد،و"على بساط الريح" لفوزي المعلوف،و"عيد الغدير" لبولس سلامة،وأساسها واقعة الغدير الشيعيّة.

أمردّ ذلك إلى قاعدة القافية الواحدة التي حالت دون إنشاء القصائد الطّوال كما جاء في دائرة المعارف الإسلاميّة، برغم أنّ الرّجز كان ـ بحكم تنوّع قوافيه ـ يتيح نوعا من النظم الملحمي؟أم إلى جهل العرب بالملاحم القديمة مثل الإلياذة والأوديسة،وصعوبة ترجمتها؟ هذا بالرّغم من أنّ ملحمة مثل"الشاهنامة"للفردوسي،كانت متيسّرة لهم سواء بالعربيّة أو الفارسيّة.ولكنّهم لم يلتفتوا إليها.

فهل يرجع الأمر إذن إلى"تقليد قوميّ" ترسّخ في هؤلاء العرب منذ الجاهليّة،وإلى إحساس بعظمة شعرهم،قد يكون صرفهم عن إنشاء الملحمة،رغم امتلاكهم لعناصرها اللازمة،على نحو ما نلمس في قصائد غير قليلة لأبي تمّام والمتنبّي وأبي فراس وابن هانئ،وإن كان من التمحّل عليها أن نعدّها ملاحم حقيقيّة؟

ومع ذلك فإنّه من مفارقات الأدب أو التّاريخ،أن يعرف أدبنا"الشّفوي" أشكالا ملحميّة مثل:"سيرة عنتر"[عنترة] التي يجدها البعض شبيهة،على نحو مثير،ب"أغنية رولاند"Chanson de Roland،من حيث موضوع الفروسيّة والإحساس بعظمة أرض الأجداد،وهي عناصر أساسيّة في الملاحم المعروفة، أو سيرة بني هلال أو سيرة سيف بن ذي يزن.

منصف الوهايبي


عندما يكون الأمل في الجحيم والسعادة في اليأس

كتب كثيرة قراءتها واجب،وكتب كثيرة قراءتها متعة.وكتاب الفرنسي أندريه كونت سبونفيل
"السّعادة يأسا Le bonheur désespérément " الذي ترجمه المعزّ الوهايبي(ولا ينتظر إلاّ إجازة بالنّشر) إنّما ينضوي إلى النوع الثاني.وعندما يكون كتاب بهذه الصفة،إمتاعا ومؤانسة،فإنّه من الصّعوبة بمكان تقديمه أو تلخيصه.تقرأ هذا الكتاب،وكأنّك لا تقرأ كتابا في الفلسفة،وإنّما الحياة مكتوبة بلغتين:لغة المفاهيم الفلسفيّة ولغة الرّموزالأدبيّة.ولعلّ الشذرات المتفرّقة التي أسوقها من الكتاب،وليس لي فيها من فضل،فهي لصاحبها،وإنّما تصرّفت في بعضها تصرّفا بسيطا،أن تعزّز من وجاهة هذا الوصف.

يقول سبونفيل:إنّ الحبّ رغبة، لكنّ الرّغبة ليست نقصا. إنّ الرّغبة قدرة: قدرة على التّمتّع واستمتاع باقتدار!
.
إذا كان الحبّ الذي تصرّح به نقصا (كما الشّأن لدى أفلاطون، غير أنّ المسالة ليست في أن يكون المرء أفلاطونيّا أم لا، بحسب عبارات مذهبيّة، المسألة هي أن يكون المرء أو لا يكون لدى أفلاطون؛ فلم أكن أبدا أفلاطونيّا لكنّي أحيا كثيرا جدّا لدى أفلاطون، مثل كلّ النّاس: ففي كلّ مرّة نحبّ فيها ما نفتقد، فإنّنا لدى أفلاطون)، فإنّك عندما تقول "أحبّك"، فإنّ هذا يعني "إنّي افتقدك" وبالتّالي "أريدك" («Te quiero » كما يقول الإسبان: أحبّك، أريدك، نفس الكلمة). هو تماما مطالبة بشيء ما، إذن، بل هو المطالبة بكلّ شيء بما أنّه مطالبة بشخص ما، بما أنّه مطالبة بالشّخص نفسه!

"أحبّك: أريد أن تكون لي." فأن يقال عندئذ "أنا فرح لفكرة أنّك موجود"، فهو ليس طلب أيّ شيء: هو إنشاء حالة فرح، وبعبارة أخرى حالة حبّ، وهي تستطيع لا محالة أن تناسب رغبة في التّوحّد أو التّملّك، لكن لن تُختزل في ذلك. فالأمر وقف على نوع الحبّ الذي نختبر، ومن أجل أيّ موضوع. إنّ هذا يكون حيث يقيم، على ما يوضّح سبينوزا، "كلّ هنائنا وكلّ بؤسنا".

تصوّرن، سيّداتي رجلا يقترب من الواحدة منكنّ هذا المساء في الطّريق، أو غدا، وهو يقول لها: "سيّدتي، آنستي، أنا سعيد لفكرة أنّك موجودة!" وبما أنّه ليس مستبعدا كونه يستعير هذه الفكرة من محاضرتي، فإنّه ينبغي بعد كلّ شيء أن أوفّر لكنّ بعض عناصر الإجابة، حيث تفعلن بها ما تشأن... فما عساكنّ تجبنه؟ليكن مثلا هذا الجواب:

- سيّدي العزيز، هذا يسرّني. إنّك فرح لفكرة أنّي موجودة؛ وها، أنت ترى أنّي موجودة فعلا، فكلّ شيء على ما يُرام إذن، عمت مساءً سيّدي!

سيحاول بلا ريب استبقاءكِ:

انتظري، لا تغادري: أريد أن تكوني لي!

في هذه الحالة، سيّدي المسكين، يكون هذا شأنا آخر تماما. أعدْ قراءة سبينوزا: "الحبّ فرح تصاحبه فكرة عن علّته". هل أنت موافق؟

نعم...

- لكن عندئذ، ما الذي يجعلك فرحا؟ هل إنّ ما يجعلك فرحا، هو فكرة أنّي أوجد، كما فهمتُ في البداية؟ وهي الحالة التي أذنت لك فيها بأنْ تحبّني، وابتهجت وقلت لك عمتَ مساءً. أم هل إنّ ما يجعلك فرحا، هي فكرة أنّي أكون لك، كما أخشى أن أفهم الآن؟ وهي الحالة التي فيها ما أنت تحبّه، ليس أنا، وإنّما امتلاكي، ممّا يعني، سيّدي المسكين، أنّك لا تحبّ إلاّ نفسك. وهذا لا يعنيني البتّة!
ستشوّشينه لا محالة.سيتلعثم، ويغمغم، ويقول لك مثلا:

لم أعد أعرف... أنا محبّ، ماذا!

حسنا أن أُتعب نفسي لأفسّر لك! أنت محبّ، فأنت لدى أفلاطون، إنّك لا ترغب إلاّ في ما ليس لديك: أنا أنقصك، فتريد أن تحوزني. لكن تصوّر أنّي ألبّي عروضك... فمن فرط أن أكون لك، أن أكون هنا كلّ الأماسي، كلّ الصّباحات، ستفتقدني حتما أقلّ فأقلّ، ثمّ أقلّ من أيّ شيء آخر أو أقلّ من العزلة. ولقد عشنا كفاية، أنا وأنت، لندرك كيف تجري هذه الأمور... فهل تريد حقّا أن نكرّر هذه القصّة، مرّة أخرى؟ هذا لم يعد يعنيني... اللّهمّ... اللّهمّ إلاّ إذا كنتَ قادرا على أن تحبّ بطريقة أخرى، أن تكون سبينوزيّا، على الأقلّ أحيانا، أو أن تحيا لدى سيبينوزا، أريد أن أقول أن تحبّ من لا تفتقد، أن تبتهج بمن هو كائن، وفي هذه الحالة، فإنّ هذا يمكن أن يشدّني. فكّر في الأمر. وها رقم هاتفي."

لا يوجد حبّ سعيد، ولا سعادة من دون حبّ. لا حبّ سعيد طالما هو يفتقد موضوعه. ولا سعادة من دون حبّ، طالما أنّها تستمتع به.

كتب شومفورت Chamfort معلّقا على بيت لدانتي: "ليس الأمل غير دجّال يغشّنا باستمرار؛ وبالنّسبة إليّ، لم تبدأ السّعادة إلاّ عندما افتقدته" [=الأمل]،وأضاف: "سأعلّق مطمئنّا على باب الفردوس، البيت الذي علّقه دانتي على باب الجحيم: أنتم أيّها الدّاخلون هنا ! اقطعوا كلّ أمل."وعقّب الفرنسي أندريه كونت سبونفيل،في تفسير هذا الاستبدال أن لا مسوّغ لتعليق هذا البيت على باب الجحيم.إذ كيف لا يِؤمّل المعذَّبون؟وهم الذين يتألّمون كثيرا! فلا بدّ أنّهم يؤمّلون شيئا ما،أن ينتهي عذابهم.وربّما تشملهم رحمةً إلهيّةً،أو ربّما يتعوّدون على ذلك فيكون عذابهم أقلّ...ومن المستحيل تقريبا،سواء في الجحيم الإلهي أو جحيم دانتي أو جحيم المعرّي،ألاّ يكون هناك أمل.ولعلّ الآية"ونادى أصحاب النّار أصحاب الجنّة أن أفيضوا علينا من الماء أو ممّا رزقكم الله،قالوا إنّ الله حرّمهما على الكافرين"(سورة الأعراف50) ليست إلاّ دليلا على هذا الأمل،وإن يكن أمل الانسان الذئب في ذئبه الانسان.

لايستطيع السّعيد تماما، في الفردوس، أن يؤمّل أكثر –بما أنّ لديه كلّ شيء.وقد كتب ذلك بوضوح القدّيس أوغسطين والقدّيس توما الأكويني: في الملكوت لن يكون هناك أمل، بما أنّه لن يكون هناك ما يؤمّل؛ لن يكون هناك إيمان بما أنّنا سنعرف اللّه؛ لن يكون هناك غير الحقيقة والحبّ. ومن وجهة نظر الملحد،ينبغي أن نضيف ببساطة أنّ الملكوت (الجحيم والفردوس: وحدة الاثنين!)، إنّما نحن فيه بعد، إنّه هنا والآن. يتعلّق الأمر بأن نقيم في هذا الكون الذي هو كوننا، أو بالأحرى الذي يحتوينا، حيث لا شيء ليُعتقَدَ فيه، بما أنّ كلّ شيء موجود ليُعرف، حيث لا شيء يُؤَمَّل، بما أنّ كلّ شيء موجود ليُفْعَلَ أو لِيُحَبَّ،لا أكثر ولا أقلّ.

منصف الوهايبي

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose