attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > شؤون وطنية > هـديــة المتـزمـتيــن فــي عيــد المــرأة هــذا العــــام (2009)

لــمــــزة:

هـديــة المتـزمـتيــن فــي عيــد المــرأة هــذا العــــام (2009)

الاثنين 16 آذار (مارس) 2009

الحبيب الحمدوني

في أجواء الاستعدادات للاحتفال بعيد المرأة العالمي هذه السنة عبّر بعض المتزمتين عن احتفائهم بالمرأة بطريقتهم الخاصة التي تترجم عن تخلفهم وتعفن فكرهم. ففي مدينة الجوف وهي مدينة كبيرة تقع شمال السعودية على الحدود مع الأردن، أضرم هؤلاء النار في خيمة النادي الثقافي حيث كان مبرمجا أمسية شعرية يشارك فيها شعراء سعوديون من الجنسين.

وكل الدلائل تشير إلى أن "الطالبانيين السعوديين" وراء الجريمة. فقد أكد رئيس النادي الثقافي أن إدارته وصلتها مكالمات هاتفية عديدة من جهات مجهولة تطالب بمنع حضور العنصر النسائي في أنشطة النادي وخاصة في هذه الأمسية بالذات حيث من المفروض أن تلقي شاعرات سعوديات بعض قصائدهن إلى جانب بعض الشعراء من أبناء بلدهن.

ولا شك أن هؤلاء فعلوا فعلتهم هذه والنخوة تملأ أفئدتهم لأنهم يرون أنفسهم يؤدون واجبا مقدسا ويتصدّون لمنكر عظيم. وهذا المنكر هو أن تنظم المرأة الشعر وتلقيه على مسامع الرجال وفي حضورهم. فالمرأة عندهم كائن منزلي خلق للمتعة ومهمته لا تتعدّى واجبات المنزل من طبخ وغسيل وتربية للأطفال. ووصل بهم التخلف إلى المناداة بضرورة عدم مبارحتها المنزل حتى لو كان ذلك الخروج للتعليم. فها هم طالبان باكستان في "وادي سوات"شمال غرب باكستان أحرقوا في بحر السنوات القليلة الماضية أكثر من مائة وخمسين مدرسة من مدارس البنات لأنهم يعتبرون تعليم المرأة من البدع المقوّضة لأسس الدين القويم والموصلة إلى جهنم الحمراء وبالتالي ينبغي محاربتها بكل الطرق. وإذا كان تعليم المرأة عندهم من الكبائر فما بالهم بأن تتحول المرأة إلى مثقفة ومبدعة وتقتحم عالم الأدب وتكتب الشعر. فهذا في دينهم هو اعتداء فظيع على حرمة الرجل وعلى عالمه الخصوصي. ويتفاقم هذا الاعتداء لما تتجاسر المرأة وتختلط بالرجال وتسمعهم ما نظمته من أشعار. في هذه الحالة يباح التدمير والهدم والنسف والقتل وسفك الدماء.

لا أدري، حقيقة، كيف تشتغل أدمغة هؤلاء! أليسوا من أتباع محمد ويشهدون بأنه رسول الله؟ أليست السنة وما تعنيه من أفعال الرسول وأقواله هي الركيزة الثانية من ركائز الإسلام الذي نصّبوا أنفسهم أوصياء عليه دون أن ينصّبهم أحد وألغوا الاجتهاد ولو في مداه الأدنى؟ ألم يكن الرسول محمد يدعو الخنساء ويطلب منها أن تقرأ على مسامعه بعض أشعارها ؟ أليست الخنساء امرأة ومحمد رجلا؟ رغم أنها امرأة ورغم أنه رجل فهي تنشده قصائدها بصورة مباشرة وبدون أي وسائط وبدون ستائر.

لو كانت أدمغة هؤلاء سليمة فإنهم كانوا يعتبرون بسنة الرسول مع الشاعرة الخنساء ليقيسوا عليها ويتركوا المرأة وحالها في عالم الإبداع فلا يشمئزون من اختلاط المرأة بأخيها الرجل في محافل الثقافة والإبداع وفي غيرها من المجالات ولا يحرمون هذا الاختلاط .

فهل هو التزمت والتشدد في الدين أم عقدة "هامبورت هامبورت" كما في رواية"لوليتا" ل"نابوكوف" أم فحولة شهريار كما في ثقافتنا وما يفضي إليه ذلك من نسف للنساء ولكل حضور لهن في الحياة العامة؟
فالعالم أرحب والمرأة أثبتت اليوم أن معالم العالم الجديد تطلب منها المساهمة في رسمها وتثبيت مقومات العدل والمساواة فيه تماما كما هو الشأن بالنسبة إلى الرجل بلا زيادة ولا نقصان.

وما أحوجنا اليوم إلى أن تملأ المرأة مكانها ولا تكون عضوا أشلّ نحرمها من الشعر والسينما والمسرح والنوادي الثقافية والرياضية والاجتماعية والمشاركة السياسية باسم اعتبار المرأة عورة وشيطان جنس متحركا أينما حلت ساد شر عميم. وهذا ما يفرض ردمها في البيت وتشييد أسوار الصين العالية بينها وبين الرجل.

صراحة في عيد المرأة، العيد الذي كان ينبغي أن نهدي فيه إليها منجزات تساعدها على التقدم وعلى احتلال موقعها بما يقتضيه المجتمع والحياة منها، يقدم هؤلاء الديناصورات إليها التفجير والنسف والإرهاب. وإزاء هذه المفارقة الصارخة، لم أجد أمامي سوى أن أضحك ضحكا يستمد ذاته من تيار البكاء على تقهقر أحوالنا وضحك سائر الأمم من جهلنا وتخلفنا.

الحبيب الحمدوني

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose