attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > مـنبـر اﻵراء > الواقــع السيــاســي : وضعـيـة الجمـود وإكراهــات الإنفتـــاح

الواقــع السيــاســي : وضعـيـة الجمـود وإكراهــات الإنفتـــاح

الاثنين 16 آذار (مارس) 2009

بقلم الحبيب بوعجيلة

مواصلة لمشروع إدارة حوار حرّ وبنّاء بين مختلف الرؤى والمقاربات حول الوضع السياسي ببلادنا بصفة عامة. وحول الإنتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة بصفة خاصة، وافانا الصديق الحبيب بوعجيلة بالمساهمة التالية:

أشهر قليلة باتت تفصلنا على موعد انتخابات الخريف القادم. ولا يبدو على العموم أن هذا الموعد سوف يختلف كثيرا عن سابقيه إذ تؤكد كل المؤشرات على أن السلطة ستظل وفية لأسلوبها البطيء والحذر في التعاطي مع الملف السياسي ولا يظهر أبدا أنها تملك مقترحا آخر غير ضمان الاستمرار وإعادة إنتاج المشهد القائم بنسخ مختلفة. تتّكئ السلطة في تبرير هذا الأسلوب على نجاحها في مواصلة الاضطلاع بدور " الدولة الرّاعية " وتوفقها في جدلية الإدماج والإقصاء عبر اصطناع معارضة موالية قليلة الازعاج مقابل ضعف وارتباك يسم فعل المعارضة المنبوذة من الوفاق كما تطمئن السلطة إلى أسلوبها من منطلق إحساسها بالتوفق في التطويع الأمني والجمعياتي والثقافي لعموم شعب لا تمثل التنمية السياسية بالنسبة إليه إحدى أولوياته العاجلة.

ولكن سؤالا طرحناه وسنظل نطرحه باستمرار هل ستظل هذه المبررات ضمانة دائمة وأكيدة للإمعان في الميل إلى جاذبية التسلط ورفض الانحناء أمام مقتضيات الانفتاح ؟

نصرّ مرّة أخرى على التأكيد بأن الاكراهات تتنامى بشكل مطّرد لتدفع نحو تجاوز نزعة التسلط والمحافظة ذلك أن المكاسب الحداثية والإصلاحية التي راكمها الشعب التونسي ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا قد ساهمت في تشكل طبقة وسطى عريضة وبروز نخبة مثقفة وطامحة للتنمية السياسية وأن ميل الشعب التونسي إلى الاستقرار وقوة الدولة ورفضه للمغامرات القصووية لا يعني طواعيته المطلقة كما لا يعني أنه لم يعد يضيق الآن بمظاهر الحكم الفردي المركزي الذي تهيمن عليه أجهزة الرقابة والحزب الحاكم. ورغم شبكة العلاقات الزبائنية التي تواصل السلطة اعتمادها للتخفيض من حدة الطلب الديمقراطي فإن نخبا فكرية وسياسية واجتماعية تطمح إلى حياة سياسية أرقى تليق بما بلغه الشعب التونسي من نضج. إن المنظومة الحالية تبدو من ناحية ممجوجة غير قادرة على التعبئة كما تظهر من ناحية أخرى عاجزة على مجاراة التحديات التي ظهرت بوادرها في الأفق. فلا بدّ من الإشارة إلى أنّ تحوّلات الإقتصاد التونسي بدأت في خلق تناقضات جديدة تتطلّب تضحيات مهمّة لم تعد " دولة الرعاية " قادرة على الحدّ منها وإذا أضفنا إلى ذلك مخلّفات الأزمة المالية ومظاهر الاختلال في التنمية الجهوية واحتداد أزمة البطالة وبداية تضرّر الطبقة الوسطى في قدرتها الشرائية فهمنا أن السلطة مدفوعة إلى تجاوز البطيء في تجديد شرعيتها عبر إجراءات تغيير حقيقية وجريئة تمكّن من توفير إدارة ديمقراطية للتباينات القادمة لا محالة. كما أن التحولات العالمية وما جرى ويجري في منطقتنا العربية يؤذن بهزّات سياسية وثقافية مهمّة سوف تدفع السلطة إلى تحمّل مسؤولياتها في تحصين الجبهة الداخلية عبر مزيد من الجرأة في دمقرطة الحوار الداخلي حول المسائل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بما يضمن إحساس الجميع بالشراكة في المصير الوطني وصفوة القول أن النخبة التونسية لم تعد قادرة على القبول بمشهد سياسي جامد في إقليم يتحرّك على يميننا وشمالنا ومن خلفنا وقدّامنا.

ولكن وحتّى نكون منصفين نقول إنّ تحفّظ السلطة وحذرها وردود أفعالها ليست الأسباب الوحيدة أمام تعطّل التنمية السياسية بالبلاد فالمعارضة الوطنية مازالت نخبوية ضعيفة تعاني من ثغرات عديدة يضيق المجال لوصفها. إنّها تبدو ممزّقة بين إغراءات الولاء والبحث عن الصّفقات السهلة وبين إغراء الشعار البرّاق والفرضيات القصوى والسقوف العالية التي لا تناسب قدراتها ولا تطابق المرحلة ممّا أوقعها في الإحباط والتراجعات والإنكسارات المتراكمة. كما أنّ غياب القدرة لدى هذه المعارضة على صناعة الرأي وبلورة الإستراتيجيات جعلها مرتبكة في ترتيب أولوياتها وفي نسج تحالفاتها وصياغة برامجها وهو ما ضيّع عليها فرص الإستفادة من المتاح وإمكانيات خلق الإرتكاز في الواقع القائم ممّا أبعدها عن الناس وفصلها عن الممكن وإذا أضفنا إلى ذلك طغيان الدغمائية الفكرية وغياب النقد الذاتي والتسامح بين فصائلها وسيطرة عقلية الزعامة والنجومية على بعض قياداتها وغياب الصبر والأناة ونقص العقلية البراغماتية أدركنا أن مطلب التنمية السياسية يبقى مطلبا يتيما ليس له من أب أو رافعة واقعية تحوّله إلى إكراه لا تملك السلطة له ردّا.

إنّ الإصلاح الناجز حين يحلّ وقته لن يعترف كثيرا بتحفّظ السلطة ولا بضعف لمعارضة ولكنّنا يمكن أن نجعل من الموعد الإنتخابي القادم خطوة تقرّب الوصول منه لو أحسنت المعارضة التفاعل معه بواقعية دون أوهام أو لا مبالاة وفي هذا السياق أورد الملاحظات التالية :
- 1- لنتّفق أولا على غياب الرهان الإنتخابي في هذا الموعد ولعلّ ذلك أمر مؤسف في بلد يخوض إنتخابات تعدّدية منذ عقود ولكن الموقع ليس للأسف. على المعارضة المستقلّة أن تكتفي بمحورة رهاناتها في البعد السياسي فتنجو الأحزاب من مخاطر الصراع الداخلي ومن التنازع فيما بينها فتشتغل مجتمعة على الرهانات السياسية الممكنة.
- 2- ممّا تقدّم يمكن أن نتّفق على جعل الإنتخابات الرئاسية فرصة تمارس فيها المعارضة حقها الذي أتاحه القانون مراهنة بذلك على مهمّة إقناع الناس بأن التعدّد والإختلاف والتنافس حتى على الحكم في أعلى مناصبه أمر يكفله القانون فتعود لبعض الناس ثقتهم في العمل السياسيّ بعد أن أصبح في نظرهم ضربا من المغامرة غير المحسوبة. أما أن نعتبر هذه الإنتخابات الرئاسية فرصة لصنع الزعامة أو لمنافسة برامج المرشّح الرسمي ورؤاه فهي أوهام لن يصدّقها حتى من أطلقها. أما بالنسبة للإنتخابات التشريعية فيمكن أن تحدّد المعارضة لنفسها بلا خجل أو وجل هدف منافسة الحزب الحاكم جهويّا بمضامين وشخصيات جدية يتمّ إختيارها داخل الأحزاب على أساس الكفاءة والمصداقية والقدرة على إقناع الناس لا على أساس الموالاة لقيادات التنظيم وبعيدا عن أوهام إسترضاء السلطة للفوز بهباتها وسيكون من الممكن أن تتحقّق في هذه الانتخابات أهداف جليلة لو توحّدت المعارضة في حملاتها ومراقبيها.
- 3- لكنّ التفاؤل في وضع هذه الرهانات لا يمنعنا من التأكيد على أنّ المؤشرات الحالية في البلاد على مستوى الإعلام والقانون والممارسة الرسمية لا توحي حتى بإمكانية تحقيق هذه الرهانات المتواضعة ولهذا السبب يكون من الأجدى أن تفعّل المعارضة في مرحلة إنتقالية وفيما تبقّى من أشهر قليلة حملة موحّدة من أجل خطوات إنفراجية تجعل إنتخابات 2009 قريبة من مقاييس النزاهة والتنافس الجدي وذلك عبر المطالبة بإجراءات جدية في مجال الحريات وتطوير المشهد الإعلامي ومطالبة السلطة بأن تتحلّى بجرأة أكبر في التعاطي مع المشهد السياسي بعيدا عن المناورة والإقصاء وأساليب التضييق وفي سياق متّصل لا بدّ أن تواصل المعارضة أسلوب الضغط المبدئي والسلمي وحمل قضيّة الإصلاح كهدف إستراتيجي ولكن ذلك لن يكون مجديا إلا على أساس برنامج واضح ورؤية واقعية تفهم أولويات المرحلة حتى تعمل المعارضة في ظروف هادئة بعيدا عن التوتّر وفي اتّجاه بناء الثقة وطمأنة الجميع على مسارات الإصلاح واتجاهاته وهذا ما يحتّم حوارا جدّيا وهادئا وصريحا بين أطراف المعارضة لصياغة خطّة موحّدة تراجع التصوّرات التقليدية وردود الأفعال التي لم تثمر شيئا وهذه قضيّة أخرى قد نعود إليها في مناسبات قادمة.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose