attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > الطريق الثقافي > على وقع كتاب جلبار النقاش الجديد: ماذا فعــلت بشبــابـك أو مــاذا فعــلنــا (...)

نبـــض الكــلام

على وقع كتاب جلبار النقاش الجديد: ماذا فعــلت بشبــابـك أو مــاذا فعــلنــا بشبــابنــا؟

الاثنين 16 آذار (مارس) 2009

الحبيب الحمدوني

كتاب جديد أهداه إلى رفيق دربه نورالدين بن خذر وإلى كل المناضلات والمناضلين اليساريين الذين أعطوا معنى للنضال وإلى رفاقه وغيرهم ممن سعوا إلى تحقيق حلمهم بعالم أكثر عدلا. الإهداء يرسم الملامح العامة للإطار السياسي والفكري والذاتي الذي يتحكم في جلبار النقاش ويحركه على امتداد الكتاب الكبير نسبيا إذ احتوى على حوالي ثلاث مائة صفحة.

وإذا كان هذا الإهداء الذي يوحي بتفاؤل المناضل المصمم على تغيير الواقع وتجسيد تتوّقاته على أرضه ، فإن العنوان في صيغته الاستفهامية الإنكارية "ماذا فعلت بشبابك ؟ " يتراءى للقارئ ، وهو أول ما يعترضه، صرخة مدوية يتهم فيها الكاتب نفسه حتى لكأننا به انشطرعلى نفسه إلى شخصين: شخص يتهم وآخر متهم، شخص يسأل وآخر مسؤول، شخص يحاجج وآخر محاجج، شخص ابتعد عن التجربة وشخص في خضمها، شخص جاوز مرحلة الشباب وآخر في عنفوان الشبيبة، شخص استلهم التجارب وأمسك بالدروس المستفادة منها وشخص محمول في تيارها لا يستطيع منه فكاكا. لا بل إن القارئ قد يصدم لمّا يتفطن إلى أنه هو نفسه معنيّ وأن هذا الأنت ما هو إلا ذاته فلا يجد حينئذ نفسه إلا في معمعة حساب هذا الأنت خصوصا إذا كان من جيل جلبار أو ممن اعتنق أفكار اليسار مثله ورنا إلى الحق والعدل والحرية. من هنا، فهذا المساءل هو جيل بأسره بالمفهوم الزمني الواسع وما بداخله من أجيال صغرى متعاقبة وما يحويه من تحولات وأطروحات متتالية. وهذا ما يجعل القارئ في منتهى الحذر والخوف والرهبة وهو يقبل على قراءة الكتاب. فقد لا ينجو من المحاسبة ومن التجريح ومن التهكم عليه والسخرية منه. وقد يطعن في قناعة من قناعاته وفي يقين من يقيناته وقد يحال فعله الذي طالما تباهي به إلى دائرة العبثية الدونكيشوتية لاسيما ولوحة الغلاف فيها "دون كيشوت" وهو يلوّح في الهواء بسيف يطاعن به اللاشيء اللهم وهم أعداء لا وجود لهم إلا في خياله المريض.

لكن هذا السؤال المخاتل لا يقف عند حد توريط الآخر في عالم الكاتب بما فيه من إشكالات وخيبات كي يحفزه على التأمل والتقويم ومراجعة الذات إنما يثبط العزيمة ويوهن الروح لما يزرعه من بذور الشك والعبث. ماذا فعلت بشبابك ؟ بعبارة أخرى : ماذا جنيت من هذا الشباب الذي كرسته في سبيل عالم أفضل؟ هل من طائل غنمته بعد أن ضحيت بأعز ما في العمر: الشباب؟ هل تحققت الأمال التي نذرت لها شبابك؟ هل غيرت الواقع؟ كلها أسئلة تنحو منحى السلب وتفترض إجابات محبطة وخاوية الوفاض.

واقتحمت قراءة الكتاب وأنا في حالة ارتياب لأنني عرفت جلبار النقاش وعاشرته - فيما كتب- مدة أسابيع حين تكفلت بإعداد مداخلة عن كتابه الأول "كريستال" في تظاهرة أقمناها، رابطة الكتاب الأحرار، في مقر منظمة العفو الدولية بتونس عن أدب السجون ووقفت على صفاء ذهنه وتشدده إزاء ذاته وإزاء غيره وجرأته في محاسبة نفسه ورفاقه والسجانين ونظام الحكم وكل من هب ودب على حد السواء وتشبعه بروح النقد اللاذع، ولأن العنوان، قبل هذا، حلحل سكينتي وحملني على التردد والخوف. فالسؤال الذي ينبع من أعماق وجدان الرجل ألفيته يخرج من أعماقي أنا أيضا. ولا أشك أن أي مناضل صادق اعتنق القيم الإنسانية النبيلة وكابد مشاق النضال في سبيلها لا يمكنه سوى أن يرى في هذا السؤال الحارق مرآة موخزة لضميره وليقيناته الراكدة ومهمازا لراحة باله ورضائه عن الذات إن كان كذلك.

الحق يقال، إنني أصبحت أسال نفسي صباح مساء: ماذا فعلت بشبابك ؟ فكم راق لي السؤال ونزل عليّ نزول البرد والسلام من جهة ونزول الإبر الموجعة من جهة ثانية! وكم تلذذت وجعه! وبكل تأكيد فكما تبنّيت أنا السؤال اعتقد أن لا أحد من ذوي الفكر النقدي لا يمكنه إلا أن يتبناه ليصبح سؤاله هو أيضا.

غير أن سؤالنا لن يكون عميقا ولا جارحا مثل سؤال جلبار ولن نجتهد في الإجابة الفعلية عنه من خلال وقفة تأمل ومراجعة تاريخية وفكرية على أسس من المعرفة والنضج ونفاذ البصيرة واستنباط المواعظ والدروس كما فعل هو.

وحين اتصلت به وتحدثت إليه ، لما كان بين ظهرانينا في الآونة الأخيرة لحضور صدور الكتاب وإقامة حفل التوقيع، وقبل ذلك حين قرأت الكتاب، تبددت رهبتي شيئا ما. فالكتاب ليس محبطا مثلما توقعت. والرجل ليس مستسلما أو رافعا للراية البيضاء أو نادما على ما فعل مثلما تهيأ لي من قبل. ففي اللقاء كما في الكتاب، لم ألحظ أي انكسار لديه إذ وجدته يؤمن بأن تضحيات اليسار، خاصة مجموعة "آفاق" كأول فصيل في اليسار الجديد، لم تكن عبثية تماما بل لقد حققت أمرا على غاية الأهمية لم نتمثله إلا عقب سنوات الجمر وهو النفاذ في بنية المجتمع السياسي التونسي إذ جعلت السلطة القائمة تعترف بكيانات فكرية وسياسية مخالفة لها وتستفيق على حقيقة أنها ليست وحدها الفاتقة الناطقة ولن تكون كذلك أبدا و" دمقرطتها" إن صح التعبير أو ليّنتها نحو الديمقراطية كما جعلت كتلة اليسار الذي يعارضها ويتوق إلى تعويضها للسير بتونس نحو ما كان يقتنع أنه الأفضل، يغير عقليته وسلوكه، لأنه لو تسلم السلطة لكان ربما، وهو على ذلك النمط من التفكير والفهم، أكثر ديكتاتورية وانغلاقا من السلطة نفسها ف"تدمقرط" هو بدوره. وكان هذا التغير عندهما جميعا بفضل ما اسماه جلبار"الاختراق الديمقراطي" المتبادل بينهما والذي ما كان ليحصل لو لم تضح أجيال بدايات اليسار الجديد بشبابها.

وهكذا يقنعنا جلبار بأنه فعل شيئا بشبابه ونقتنع معه بأننا فعلنا نحن أيضا شيئا بشبابنا. ولم يكن هذا الشيء الذي فعله وفعلناه لا عبثا ولا خواء ولا مجانا.

alhabibalhamdouni@yahoo.fr

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose