attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > الطريق الثقافي > "خمسون" وجرأة الموقف الإبداعي

"خمسون" وجرأة الموقف الإبداعي

الاثنين 2 حزيران (يونيو) 2008

هذا المقال نشر لأول مرة في الطريق الجديد - جانفي 2007

نعيد نشره لتمكين القراء الذين إطلعوا في القسم الفرنسي على المقال الخاص بمسرحية ٌمرّ الكلامٌ الذي نشر هذا الأسبوع والذي تعرض إليه
كاتب هذا المقال الأخير.

إبراهيم العميري

[rouge] حدد أندري بروتون يها الإبداع الفني بوصفه الفعالية الفطرية للفكر على الإطلاق، ويمكن تصوّر فعالية كهذه بوصفها ناجمة عن دربة نسقية... بيد أن العمل الفني يتحدّد ـوحصرا يتحددـ بطابعه كحرّية شاملة ( كلود ليفي ستروس : النظر، السمع، القراءة).

"... ينتحر الإبن والأب وهو ممزّق سيمر بسلسلة من التحولات :مارق صغير وسادي، ساحر محيّر، متجوّل، مترحّل، شاب، عاشق. الممثل الذي يلعب دور Dally يملك رصانة قوية، طريقة فريدة تقريبا تضاعف في عنف التحوّلات ... المنطلق هو تحقيق في ملابسات موت الإبن... الحقيقة هي سلسلة متقطعة من التحولات لا تتحقق بفعل التطور ولكن بواسطة القفزات... (جيل دولوز، فن الأرض).

ليس من السهل الظفر بمتعة جمالية لا تنفصل عن التأسيس لرؤية رافضة متجاوزة للسّائد والمألوف. وليس بالأمر الهيّن تحقيق شروط الإبداع الفنية وغايات التشخيص والنقد والفضح. وليس ممكنا دائما المسك مشاهدة وحضورا ومشاركة بلحظة الإبداع الفني الخالص في تجذره الإنساني العميق. وليس ممكنا المخاطرة في الفنّ من أجل كل هذا أي من أجل المتعة والإنسان والحرية.

لكن مسرحية "خمسون" راهنت على الوفاء لشروط الإبداع في ظل عوامل اللاإبداع، راهنت على القيمة والمعنى في ظل اللاّمعنى، راهنت على الإنسان في ظلّ السّعي المحموم لتشييئه (العولمة)، فكيف تجسّدت كل هذه الرؤى في "خمسون" الحدث الفني الأبرز هذه الأيام، خمسون سنة من الاستقلال فنيا واجتماعيا؟

لا يستطيع أيّ مشاهد أو أيّ ناقد فني أن ينكر أن هذه المسرحية بجرأتها التي طالما ناشدنا توقظ فينا صورة الفنان المسكون بهاجس النقد والتحطيم، وتزرع فينا آفاق البحث عن قيمة التقدّم والتحرّر. إنّ "خمسون" حين تنطلق من حدث "الإنسان القنبلة" تحطّم فينا صورة "الإنسان ـ الآية" التي طالما رسّخت في ذهنية الإنسان منذ قرون لتضعنا وجها لوجه أمام الحقيقة المفزعة، حقيقة الإنسان اليوم، بعد سنين من الحلم بقيم الحرّية والمساواة والتقدّم: إنّ العالم قد تغيّر لونه، انتقل من الأحمر إلى الرّمادي، من الحياة إلى الموت، من إيروس إلى تناطوس، من دينوزوس إلى أبلون.

إنّ الممثــّلين في مسرحية "خمسون" حين كشفوا كلّ في مجاله تداخل الإيديولوجي بالحضاري التاريخي بالرّاهن في الشخصيات التي تقمّصوها قد عبّروا بذلك عن مسيرة خمسين سنة من الفن والإبداع : اختلاف في الرّؤى، تداخل في الصّور التي يمرّ بها الممثلون، خلط وغموض بين العقلاني واللاعقلاني، بين الحرّية والاستبداد، بين الأمل واليأس، بين الاغتراب والتحرّر، بين العنف المسلّط على الأجساد ورفض النسيان والتشويه والإخفاء الذي يريد أشخاص هلاميّون (السجّان) أن يفرضوه.

إنّ مسرحية "خمسون" بقدر ما تبسط أمامنا تأويلا نقديا لمرحلة هامّة من تاريخ تونس بقدر ما توقفنا على خطر الطّمس الذي يتهدّد نضالات وعذابات ومعاناة مريرة لرموز صنعوا تاريخهم وتاريخ آخرين معهم بدمهم، بأجسادهم، بحياتهم (أحمد العثماني، بن خذر).

إنّ الالتباس في الرّؤى وتداخلها بين واحدة همّها الإنسان في كلّ أأبعبااا أبعاده وهي الرؤية الإنسانية وأخرى همّها المفارق في كلّ تجلّياته، ليكشف عمق الهوّة التي تفصل الرؤيتين، واحدة إنسانية صرفة وأخرى متعالية خالصة تمّحي من حقلها أيّة إشارة للإنسان، رؤية تمسك بالنار إذ تصرّ على قيمة مرحلة تاريخية يراد طمسها وإخفاؤها وأخرى تقبل على المتداول والاستهلاكي خدمة لرؤية غايتها موت الإنسان وموت المعنى وموت الثقافة.

فشكرا لـ "خمسون" بها وبما قام به كل ممثل في دوره بإبداع منقطع النظير، صار ممكنا القول إنّ فنّ الأرض، فنّ الحرّية، فنّ التجاوز ليس شيئا من الماضي بل هو اليوم شرط "الخلاص" بمعناه الإنساني وشرط الثقافة المبدعة وشرط الحضور الفاعل.

إنّ لحظة خمسينية الاستقلال على رمزيّتها الهامّة والجوهريّة يمكن في ظل غياب فنّ مسكون بهاجس القيم الإنسانية والتقدّمية أن تفقد معناها ودلالتها خاصّة إذا غاب الوعي النقدي بالواقع وإذا ما غاب الفن المرتبط بهموم الإنسان التونسي في تناقضاته الحيّة والفعليّة وضمن ما يتهدّده من مخاطر الارتداد إلى مكامن الموت والعدم التي يحاول نشرها من يريدون أن يحوّلوا الإبداع إلى بضاعة يحكمها منطق السّوق لا منطق الإبداع المتجذ ّر في العمق الإنساني بكل تعرّجاته التاريخية.

إنّ "خمسون" وهي تكشف عن كلّ هذه الإبداع، وهي تهدينا تأويلا فنيا ونقديا لخمسين سنة من الاستقلال بحثا عن فضاء مدني يضمن للمواطن كرامته وإنسانيته وجسده لتمثــّل أثرا فنيا يحمي ذاكرتنا من الذوبان (تبرز هنا وجاهة استعادة نصّ إبداعي بعنوان "ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي) ويحمي نضالات التونسيين من أجل الحرية من الطمس ويحمي الثقافة من خطر اللامعنى الذي يفتح على العدم.

فشكرا لـ "خمسون" إنّها تساعدنا على التذكّر.

[/rouge]

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose