attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > شؤون وطنية > مـن العـدوانـيــة الأمـريـكية الفجــة إلى "القوة النــاعمــة"

مداخلة أحمد إبراهيم في الندوة الفكرية حول"الأزمة الاقتصادية العالمية: مصدر لتنامي العدوانية الامبريالية والتوتر في الشرق الأوسط والعالم"

مـن العـدوانـيــة الأمـريـكية الفجــة إلى "القوة النــاعمــة"

الاثنين 9 آذار (مارس) 2009

على هامش مؤتمره العاشر، نظم الحزب الشيوعي اللبناني يوم الأربعاء 25 فيفري بقصر اليونسكو ندوة فكرية حول موضوع «الأزمة الاقتصادية العالمية ـــــ مصدر لتنامي العدوانية الإمبريالية والتوتر في الشرق الأوسط والعالم» بمشاركة ممثلين عن أكثر من 32 دولة عربية، أوروبية، أفريقية وأميركية.

وقد افتتح الندوة الأمين العام للحزب خالد حدادة فرأى أن الأزمة «تشير إلى تحول في مسار الرأسمالية»، وهو ما «يستوجب هجوم الفكر الاشتراكي والانتهاء من المرحلة السابقة التي دفع فيها الحزب جهداً ودماً دفاعاً عن مبادئه». كذلك تطرق إلى «ذكرى مرور 35 عاماً على سقوط أول شهيد للمقاومة اللبنانية في الجنوب، وهو الشهيد علي أيوب الذي واجه العدوان الإسرائيلي والفساد والتخلف في كل المجالات». وأيضاً «الذكرى الثانية لأحد أهم المثقفين والمفكرين الصحافيين الذي فقدناه يساريين وعرباً، وهو جوزيف سماحة الذي مثّل عنصراً هجومياً ضد الفكر السياسي الفاسد والاستسلام للقدر الأميركي والرأسمالية». وقدم عضو المكتب السياسي المسؤول عن العلاقات الخارجية، د.مفيد قطيش، محاضرة جاء فيها بالخصوص «أن الأزمة التي تضرب النظام الرأسمالي هي أزمة غير مسبوقة لجهة شموليتها وعمقها والمخاطر التي تهدد بها». ورأى «أن الحل الجذري لهذه الأزمة لن يتحقق من دون وضع حد للأسباب التي تولدها، أي للنظام الرأسمالي»، كما ربط بين احتداد الأزمة واحتمال احتداد التوتر والعدوانية ومخاطر الحرب. وفي ختام الندوة، كانت مداخلتان للخبيرين الاقتصاديين الدكتور كمال حمدان وغسان ديبا الذين ركزا كل من جانبه على التطورات المرتقبة على المدى القريب والمتوسط في علاقة مع عودة تأثير المعالجة الكينزية على الخبراء والمساهمين الفاعلين في صياغة القرار.

هذا وقد ساهم أحمد إبراهيم الأمين الأول لحركة التجديد في هذه الندوة بمداخلة في شكل ملاحظات قدمها تفاعلا مع عدد من المشاركين. وفيما يلي نص هذه المداخلة:


"الرفاق والرفيقات، أيها الأصدقاء الأعزاء

أود بادئ ذي بدء أن أتوجه بالشكر إلى الرفاق في الحزب الشيوعي اللبناني على هذه الدعوة الكريمة وعلى مبادرته بعقد هذه الندوة الهامة. وأود ثانيا أن ألتمس منكم المعذرة لعدم تمكني من إعداد مداخلة مدروسة في الموضوع المطروح للنقاش نظرا إلى أنني لم أتلق إعلاما بهذا الموضوع إلا مساء أمس، ولذلك سأكتفي هنا بتقديم بعض الملاحظات التي أوحت بها إلي المحاضرة القيّمة والثرية التي ألقاها صباح اليوم الرفيق د. مفيد قطيش وبعض المداخلات التي سبقتني.

-  1) ملاحظتي الأولى لها علاقة بالصيغة التي جاء بها عنوان هذه الندوة وهي صيغة قد يكون من المفيد أن تكون صيغة استفهامية: "الأزمة الاقتصادية العالمية هل هي مصدر لتنامي العدوانية الخ؟". بحيث يكون تنامي التوتر والعدوانية بفعل الأزمة افتراضا قابلا للنقاش تأكيدا أو تفنيدا. فلئن كان صحيحا أن الرأسمالية، كما يقول برتولد براشت، "تحمل في رحمها الحرب كما تحمل الغمامة الإعصار"، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أن كل أزمة، وخاصة أزمة بهذه الدرجة من الحدّة والخصوصية، لا بد أن تنجر عنها حرب أو حروب، أو حتى ازدياد في درجة التوتر ودرجة العدوانية الامبريالية.

في رأيي أنه – وفي الوقت نفسه الذي لا يجب فيه استبعاد سيناريو من هذا النوع - على الأقل على المدى المتوسط والبعيد- أو سيناريوهات أخرى مثل الانعزالية (Isolationnisme) أو حتى احتمالات أكثر تشاؤما، فإنه علينا أيضا أن نتجنّب استسهال التنبؤات الكارثية و"الكاسندرية" (نسبة إلى Cassandre ) وأن نفكر كأن الحرب آتية آليا بسبب الأزمة الاقتصادية
- 2) دعنا نفترض أن الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية سوف تؤدي فعلا إلى الحرب، ولكن هذه الفرضيّة تستوجب منا أن نحدد إن كانت حربا ستقع في "المركز" بين القوى الامبريالية المتزاحمة، أم حربا سيقوم بها المركز ككل ضد القوى الاقتصادية الصاعدة مثل الصين والهند والبرازيل أو ضد القوى العظمى سابقا التي تسعى (مثل روسيا) إلى استرجاع مكانتها أو جزء من مكانتها، أم حربا ضد البلدان المناهضة لنمط الرأسمالية والإمبريالية كما في أمريكا اللاتينية، أم حربا ضد بعض حركات التحرير... وبعبارة أخرى السؤال هو : حرب من ضد من وأين بالتحديد؟ أو: توتر من ضد من وأين بالتحديد؟ ذلك أن الاحتمالات متعددة، منها احتمال احتدام الصراع الطبقي و / أو الصراع القومي، أو ازدياد التضييق والملاحقة ضد المهاجرين من بلدان الجنوب، الخ.

ما يبدو لي على كل حال هو أنه، لكي تزداد العدوانية الامبريالية في منطقة الشرق الأوسط مثلا بالمقارنة مع ما قبل الأزمة الأخيرة، لكي تزداد تلك العدوانية، يجب منطقيا أن تكون للإمبريالية حاجة متأكدة إلى مزيد احتداد هذه العدوانية، أي أن تصبح هذه الدرجة الأعلى من العدوانية ضرورة حيوية - سواء دفاعيا أو هجوميا – بالنسبة للامبريالية.
- 3) وتترتب عن ذلك عدة تساؤلات منها : هل الامبريالية في حاجة حقا إلى الرفع من حدة عدوانيتها للحفاظ على مصالحها العاجلة والآجلة في الشرق الأوسط مثلا؟ أليس من شأن هذه الأزمة أن تكون على العكس من ذلك دافعا للتخفيض من حدة التوتر والعدوانية، على الأقل في مستوى الشكل والأسلوب؟ هلا يمكننا اعتبار فرضية أخرى مرتبطة بفشل تجربة "بوش" وإدارته والمحافظين الجدد؟

فالوضع في الشرق الأوسط لا يبدو أنه يجعل من ارتفاع درجة العدوانية والتوتر الأمريكي المباشر (بقطع النظر عن إسرائيل طبعا) أمرا ضروريا لا بد منه لحماية المصالح الامبريالية : ذلك أن جل الأنظمة العربية في البلدان ذات الموارد البترولية والطاقية الهامة هي اليوم تحت سيطرة شبه تامة من طرف القوى الامبريالية، ثم إن أمريكا تملك إضافة إلى ذلك قوة تأثير سياسي هائلة عما يمسى بدول الاعتدال، وقد وصلت هذه التبعية في الإستراتيجية والتكتيك إلى حد غير مسبوق من حيث طابعها الصريح والمفضوح، مثلا في موقف بعض دول "الاعتدال" هذه من الحرب الصهيونية على لبنان في 2006 والحرب الأخيرة على غزة.
- 4) ثم إن الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة قد بيّنت في الإعداد لها وفي نتائجها أن هنالك وعيا، أو على الأقل شعورا واضحا بأن "البوشيّة" وخط العدوانية والمغامرة الحربية الذي أتي به المحافظون الجدد قد ألحق ضررا فادحا بسمعة أمريكا وتأثيرها السياسي وأهدافها في ضمان استمرارية وتوسيع سيطرتها، وبالتالي ثمة نوع من الوعي في الرأي العام الأمريكي وفي مراكز القرار بأن هذا الخط، خط المغامرة العسكرية، ليس الخط الملائم، هذا دون اعتبار ضخامة المعضلات الاجتماعية الداخلية وانعكاساتها على الطبقات الوسطى والعمالية والشعبية وما تتطلبه مصلحة النظام الرأسمالي ذاته من تركيز الجهود في المدى القريب على مواجهتها.
- 5) والذي يمكن استنتاجه من هذه الاعتبارات هو أن مصالح الامبريالية، خاصة في ظل الأزمة الأخيرة، قد تؤدي بالأوساط المقررة في الدوائر الرأسمالية، إلى تطوّر شبيه إلى حدّ ما بالتطور الذي شهده الاستعمار التقليدي في الخمسينات والستينات من القرن الماضي حيث أدت الاعتبارات ذاتها إلى اختيار ما سمي آنذاك بالاستعمار الجديد أي الاعتراف شكليا باستقلال الشعوب المستعمرة مع محاولة الإبقاء على جوهر علاقات الاستغلال والتبعية.

فالمطروح على الدوائر الامبريالية الأمريكية قد يكون : " كيف الحفاظ على المصالح الامبريالية بأشكال جديدة تكون قد استخلصت الدروس من فشل المحافظين الجدد، أشكال تعطي انطباعا بأن الامبريالية يمكنها أن تسعى للظهور في صورة تعطيها إلى حد ما وجها "إنسانيا" بحيث يمكن أن نسميها تهكما نوعا من :
"un impérialisme à visage humain!"

في هذا السياق يندرج، ربما، التأثير الكبير الذي تحظى به على باراك أوباما وغيره من القادة الجدد نظريات منافسة أو مناقضة لوجهة نظر المحافظين الجدد مثل نظرية "القوة الناعمة" (the soft power) لجوزيف ناي (Joseph Nye).

ففي غياب قوة رادعة أو منافسة تستطيع تهديد السيطرة الامبريالية مباشرة، قد يصل أصحاب القرار في الدوائر الرأسمالية والامبريالية إلى الاستنتاج بأن ما لم تفلح هذه الدوائر في الظفر به عبر التوتر والحرب يمكنها تحقيقه بوسائل أخرى.
إذا كانت الحرب هي، كما يقول كلاوسفيتش، "مواصلة للسياسة بوسائل أخرى"، فإن الأهم بالنسبة للامبريالية هو استمرار سياستها ومكانتها المبنية على الاستغلال والنّهب. هذا الاستمرار في الاستغلال يمكن أن يضمن للامبريالية عن طريق "الهيمنة" hégémonie بمفهومها الغرامشي، أي عبر الايدولوجيا والإشعاع. ذلك هو جوهر نظرية الـ "soft power"

وبالمقابل، فإن مقاومة النظام الرأسمالي والتوسع الامبريالي قد تحصل أيضا بالأساس عبر الطرق السياسية التي تجمّع قوى التحرر الوطني والاجتماعي في جبهة واسعة على صعيد كل بلد وعلى الصعيد الدولي، وتصبح قادرة على خلق نوع من "الهيمنة المضادة" التي تنشر الاقتناع لدى الجماهير بأن هذا النظام الرأسمالي لا يمكنه أن يتواصل دون الإضرار الفادح بالبشرية ومستقبلها وأن الأوان قد آن لتعويضه بنظام بديل؟

وهذا يعني أن معركتنا نحن القوى المعارضة للرأسمالية، قوى التحرر والتقدّم والسلم، ستكون في المقام الأول معركة سياسية وثقافية وحضارية متمايزة عن نوع المعارك التي تخوضها اليوم بعض القوى الموظفة للدين في السياسة لأهداف ماضويّة.( والتي تتصرف كأن الصراع صراع بين الأديان وليس صراعا وطنيا وقوميا هو في الآن نفسه صراع ذو بعد كوني). هي معركة لكسب انخراط الجماهير الواسعة في بلدان "الهامش"، ومعركة لكسب دعم وتعاطف الرأي العام الواسع في بلدان "المركز" ذاتها.

على كل فإن التساؤلات والإشكاليات كثيرة وأهمها :
- ماهي سمات النظام البديل الذي نطرحه كمعوض للنظام الرأسمالي والذي يجب أن يكون قد استخلص حقا الدروس من المشاريع البديلة المزعومة التي تبين إفلاسها؟

هذا سؤال تتطلب الإجابة عنه ندوات ونقاشات أخرى قادمة سوف لن أشرع فيها الآن نظرا لضغط الوقت"

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose