attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > 2007 من أرشيف > محاولة لفهـم عجـزنا العقلاني

محاولة لفهـم عجـزنا العقلاني

الأحد 25 أيار (مايو) 2008

محمد صـــدّام :

كُتب هذا النص قُبيل تلك الأحداث المؤلمة التي تزامنت مع نهاية السنة الماضية
2006
ومطلع السنة الجديدة والتي جعلت العديد منا يتساءل: هل ستدخل بلادنا في دوامة التحركات الخطيرة لبعض الجماعات الإرهابية ، ذات التوجهات السلفية أم إن هذه الأحداث هي مجرد وقائع معزولة لا تعكس عمق الأزمة التي يعيشها مجتمعنا؟ يجيب هذا النص بصورة غير مباشرة عن هذه التساؤلات ويحاول فهم بعض الجوانب المؤدية والمغذية للعجز العقلاني المتراكم الذي يعاني منه العالم العربي والإسلامي بصورة عامة وبلادنا على وجه الخصوص .

وتشير الأحداث التي عشناها إلى الأثر العميق الذي خلّفه الافتقار المفزع للعقلانية لدى فئة من شباب تونس، وهو ما أدّى ببعضهم إلى الارتماء في أحضان المجهول وممارسة مستوى غير مسبوق من العنف الاجتماعي والسياسي المنظم (الإرهاب) غير مدركين أن العنف المسلح غير قادر على معالجة القضايا المعقدة و المتشعبة - المتولدة عن تعمّق الحداثة والعولمة وعن التكاثر الديمغرافي والتداخل بين الأمم والشعوب – وذلك بطريقة إنسانية ومتمدنة .

ندرك أن إغراء الإرهاب يُشكل إحدى الحلول المغلوطة التي تلجأ إليها المجموعات المتطرفة في المجتمعات والأنظمة المتأزمة والمنغلقة لفرض حلولها "الراديكالية" (ولا تخلو المجتمعات الديمقراطية كذلك من مثل تلك الظواهر في أحيان كثيرة)، غير أن الأمر الأكيد الذي يجب الانتباه إليه هو أن ما يجعل أفكار تلك المجموعات تنتشر بسرعة فائقة – كالنار في الهشيم – هو استتباب مناخ ملائم لتطور اللاعقلانية وتواصل الانغلاق الفكري والحضاري واستمرار تقييد الحريات. هذا هو الذي يفضي إلى ظهور الإرهاب وإلى تعمق الفوارق السياسية والاقتصادية والاجتماعية وارتخاء التماسك المجتمعي.

لذا فإن التوجّه الديمقراطي السليم ، المبني على الثقة المتبادلة وعلى الضمانات الحقيقية لتعاطي حرية التفكير والتعبير والتنظيم بكل اتزان ومسؤولية هو الإجابة الوحيدة الممكنة التي نستطيع أن نردّ بها اليوم على هذا الانفلات اللاعقلاني الذي يؤشّر إليه بروز مثل تلك المجموعات الإرهابية المغامرة بين ظهرانينا .

فهم الأصولية كإيديولوجية معاصرة

نعيش اليوم مرحلة مد أصولي له طبيعة إيديولوجية. الإيديولوجيات أصبحت تشكل ظاهرات شبه معرفية - تنتشر في المجتمعات الحديثة وتتخذ قوالب فكرية وسلوكية فيها المتماهي وغير المتماهي مع التراث الثقافي والديني .
ما يسمى اليوم بالإسلاميين هم الممثلون الأبرز (ولكنهم غير الوحيدين) لأيديولوجية تعبوية " جديدة " برزت في العالم العربي والإسلامي في أعقاب أفول نجم الإيديولوجيات الوطنية والقومية والاشتراكية ونتيجة الحذر من التوجهات الليبرالية الصرف بمختلف إيديولوجياتها المهيمن. الأصولية في شكلها الحديث (الإيديولوجي( تمثل عملية مركبة تأدلج الدين لتوظيفه "بطريقة عصرية" في الصراع السياسي من أجل الاستيلاء على السلطة بعد أن تبين أن العلاقة القديمة التي كانت تربط الإسلام كعقيدة بالسياسة كنظام اجتماعي لا يمكن إعادة إنتاجها بنفس الأسلوب في الظروف التاريخية الجديدة التي نعيشها كما كان يعتقده الإسلاميون في بداية صعودهم .

انتشرت الأصولية بشيء من السهولة لأنها تشكل الإطار الوهمي الشاغر اليوم الذي لم تجربه الشعوب العربية على هذا الشكل للخروج من وضعها الحضاري المتدهور، بعد أن استعصت بالخصوص المقاربات العقلانية عن التأصل في الواقع العربي. وهي مقاربات تتعارض في مناهج استيعابها و أساليب انتشارها وتقبلها مع طرق انتشار الإيديولوجيات والتصورات الدينية والأثنية التي تعتمد أساسا في وصفها للواقع الوضعي وفهمها له على التقليد والتلقين والحكايات لا على الاستدلال العقلي المقيد بضوابط المنهج و نتائج التجربة .

فهم الهوية كدينامية بناء ذهني مستمر

كيف و لماذا سقط العرب و المسلمون مرة أخرى في المنزلق الإيديولوجي في زمن أظهرت فيه الأمم الأخرى قدرة متجددة على تجاوز الإيديولوجيات وعلى تخطي حدود ثقافاتها السالفة بقدر من النجاح وكثير من التوازن دون أن تعيش ذلك بصورة مأساوية كما هو الحال عندنا . أي دون أن تجري مهرولة وراء هويتها " الــضائعة" ، لأنها أدركت أن مقولة ضياع الهوية هي مقولة خادعة (قال أحد الفلاسفة : من يخشى أن تضيع منه هويته فإنه قد أضاعها بعد) ، ولأن الهوية بالمفهوم الواقعي ليست إلا اختزالا "رمزيا/معرفيا" لوقائع وجود يعيشها الفرد في فرادته وفي إطار بيئته الحاضنة ، وما اتسامها بخصائص زمنية لدى جيل أو أجيال معينة إلا عملية تاريخية متواصلة من غير المجدي السعي إلى إيقاف تطورها (عن وعي أو عن غير وعي)... لأن الناس سوف يواصلون عيش وقائع زمانهم وبالتالي سوف تتغير وتتنوع رموزهم (عن وعي أو غير وعي كذلك) وتتأثر بخصائص ذلك العصر وهكذا تتراكم وتتجدد معارفهم وتجاربهم وبالتالي تتطور ركائز ومكونات هوياتهم لتتفاعل مع الواقع الجديد. تواجه هذا التفاعل إشكاليتان :

- الأولى تكمن في قدرة العقل الفردي أو العقل الجماعي على الوعي بحدوث هذا التطور في الهوية وفي قدرته على إدراك التغيرات المحورية التي تجري على مستوى ركائزها ومكوناتها .
- والثانية تتمثل في نوعية الإجابة عن الإشكالية الأولى في صورة حدوث الوعي: هل يقع التمسك بالركائز والمفاهيم القديمة ولو بأشكال جديدة (مثل أدلجة التدين) أم تبرز قفزات معرفية عقلانية تمهد للارتقاء إلى مستوى أعلى من التفاعل والتثاقف مع الحضارة الإنسانية .

كل هذا يعني أن الهوية شيء لا يمكن أن يضيع أو أن يتجمد بل هي ، في كل آن ولحظة ، حاصلة دينامية لعملية بناء ذهني مستمر وغير مستقر في الزمان والمكان وقودها المعرفة والحكمة والتجربة الإنسانية بكل تجلياتها القديمة والحديثة ، الروحانية والعقلانية وما التجليات الروحانية إلا مكون تواصلي اكتسى تاريخيا الكثير من الأهمية في التنظيم الإنساني ، غير أنه لا يستطيع أن يكون اليوم الملهم الأساسي أو المسير للتطور الحضاري كما في المراحل السابقة .

الملهم الأساسي للتطور الإنساني والتشكل الهويي المعاصر هو العقل الحر (فلسفة الحرية) والعلم الحديث أي المعرفة المضبوطة المقيدة بالمعايير والخاضعة لتمشي التفكير المنهجي المرتبط بنتائج التجربة الملموسة والمقيمة في مختلف مجالات الواقع . العقل الحر والعلم الحديث هما أساس ما يسمى اليوم بالعقلانية و لفكر النقدي وهي تجليات مكتسبة للعقل الإنساني بلغت درجة متقدمة من النضج والوعي لمعرفي جعلها بمنأى عن المعاداة المبتذلة للممارسات الروحانية .

تتشوه عملية تطور الهوية بانحسار تطور العقل وبانتشار الأسطورة فتتعثر الحضارة وتتدهور الأوضاع المعيشية والذهنية ويتخلف القوم. فمهلا إذن أيها الراكضون وراء هويتنا الضائعة، فهي لن تضيع منا بقدر ما يمكن أن تضيع منا فرصة أن نكون غدا فاعلين لا متفرجين كاليوم في صنع الوقائع والمعارف المبدعة للإنسانية المعاصرة .


فهم أسباب سقوطنا المتواصل في فخ الإيديولوجيات

هل هناك يا ترى حتمية في أن " نستهلك " المزيد من الحكايات الكبرى كي نعي طوباوية الإيديولوجيات ونلمس خدعة أشكالها وتوجهاتها المتطرفة ونواصل السقوط فيها بوتيرة مدهشة ؟ هل كان ضروريا أن نستهلك "البن لادنية" ومشتقاتها "الظواهرية" و"الزرقاوية" مرورا بالخمينية في أعقاب استهلاكنا من دون ترتيب للصدامية والبعثية والناصرية وغيرها من الإيديولوجيات الثورية المتناسخة تناسخ التوائم مع أيديولوجية المعسكر الاشتراكي السابق في إطار حربه الباردة مع الغرب ؟

إن كانت هناك حتمية ما ، فهي متأتية من ذلك العجز العقلاني الذي عانت منه ولا تزال المجتمعات العربية والإسلامية . وهو عجز تاريخي بدأ يتفاقم زمنيا منذ اللحظة التي أمسكت فيها أوروبا بناصية العقل وفرطت فيها قرطبة بفرصة الإمساك به وأحرقت كتب ابن رشد. أما التراث العقلي لابن خلدون قرنان بعد " هزيمة " ابن رشد، فإنه لم يجد من يتلقفه ويطوره في عالم عربي إسلامي أضحى يسير بخطى حثيثة نحو الانحدار والتزمت . ويكاد ينحصر التراث العقلاني الذي تركته الامبراطورية (أو الخلافة) العثمانية في المجالات الإدارية والتنظيمية والعسكرية دون غيرها من المجالات الفلسفية والعلمية المنمية للقدرات العقلانية.

أن تراكم "الفائض" العقلاني لأوروبا وتفاقم العجز العقلاني في الساحة العربية والإسلامية منذ ذلك العهد هو الذي أدى إلى ربيع العقلانية هنا بحلول عصر الأنوار وإلى شتاء الحضارة هناك بحلول ركب الاستعمار.


فهم مسؤولية النخب في عدم تدارك عجزنا العقلاني

ما العمل إذن ؟ وهل من حل واقعي لهذا المأزق التاريخي لنخرج من شقاء العقل وشتاء الحضارة ؟

لعل بعض الحل يكمن في إيجاد حيلة ما لشحن بذرات من العقلانية ومن الواقعية ومن الاكتشافات الحديثة في تصورات وتصرفات ورثة تراثنا الحضاري وبالخصوص تلك الفصائل النخبوية العليمة أو المطلعة – بالمعنى الواسع لمفهوم الإطلاع والإعلام - المتمركزة اليوم في جميع مواقع القرار والنفوذ والجاه والمال والثقافة والمعرفة والدين أي المؤثرة في جميع المجالات التي نسميها اليوم سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وروحانية.

اليوم تشكل هذه الفصائل مجموعات أو نواتات " نفوذ " صلبة تلعب دورا معرفيا – غالبا ما يكون إيديولوجيا محضا – لا يتميز بالتفتح العقلاني والتفهم الواقعي والتنسيب المعرفي فيحولها زعماؤها إلى قلاع منغلقة بعضها عن البعض يتصرفون داخلها تصرف الماسك بزمام الحقيقة المطلقة وتصرف المالك الأبدي لهذه المواقع والامتيازات.

إن نمط التنمية الذي شهدته المجتمعات العربية منذ النصف الثاني من القرن العشرين والذي أنتج هذه النخب اتسم بشيء من العشوائية والمزج الغريب بين عناصر ومفاهيم متعددة وسطحية من الحداثة وعناصر ومفاهيم متغلغلة في التقاليد والمنطلقات الغيبية أعطت نمطا ذهنيا هجينا خاصيته الأساسية تتمثل في انضواء كلي وشبه هيكلي للقابليات العقلانية في التركيبة الذهنية للعقل العربي تحت تأثيرات ونماذج الفكر التقليدي المثقل بالأسطورة . وكان بإمكان هذه التأثيرات أن تتقلص داخل بعض التجارب العربية والإسلامية عن طريق الإرادة السياسية والاستراتيجيات التربوية بتغليب العنصر العقلاني والاهتداء إلى علاقة إيجابية و متكاملة بين الجوانب الحداثية والجوانب التقليدية في اتجاه تأصيل الحداثة داخل هذه المجتمعات.... ولكن العكس هو الذي حصل ، إذ حوصرت العقلانية وجففت منابع تطورها على الأصعدة الأساسية للحياة الاجتماعية وفي مقدمتها المنبع الفكري والفلسفي والمعرفي..... وأدى كل ذلك إلى هيمنة شبه المعرفة وانتشار الفكر الإيديولوجي بصورة غير سابقة. حتى أن التجربة التونسية التي حملت آمال العديد من النخب المثقفة في النصف الثاني من القرن المنصرم تطورت تدريجيا نحو الانغلاق وأظهرت عدم قدرتها على مقاومة السيل الجارف من الهجمات السلفية المعاكسة في الساحة التونسية والعربية والإسلامية .


فهم شروط انبثاق الوعي الجماعي والنضج الديمقراطي

إن زحزحة الفكر المطلق ومقاومة الانطواء المريح على المواقع المكتسبة ، بدءا بغرس بذور العقلانية والتسامح المعرفي والانفتاح على الآخر داخل هذه النواتات الصلبة ، يشكل حاضرا عملية بالغة الأهمية من دونها لا يمكن للوعي الجماعي (النضج الديمقراطي ) أن يجد طريقه للبروز . وهذا يستوجب أن تتحمل القيادات والنخب المنتمية لهذه الفصائل مسؤولياتها كاملة بخصوص حالتها الخاصة المنغلقة فتعمل على مراجعتها بكل صدق .

ما يساعد على إنجاح هذه العملية هو العمل على إيجاد فهم صحيح لجدلية العلاقة بين التفاعلات الفردية والجماعية ضمن المجموعة الواحدة (علاقة لا تضحي بالفرد) وفهم متطور لجدلية التأثيرات المتبادلة بين المجموعات المكونة للكيان الأشمل (تأثيرات لا تلتجئ إلى العنف و الإرهاب الفكري). و يكاد يشكل هذا الفهم شرطا ابستمولوجيا يحول عدم توفره اليوم دون دخول المجتمعات العربية إلى مرحلة الوعي الجماعي بالضرورة الديمقراطية. جميع مكونات وفصائل النسيج الاجتماعي مطالبة إذن كل في مجال تأثيراته بتحمل نصيبه من المسؤولية من أجل بروز هذا الوعي الجماعي العقلاني.

نحن في مرحلة لا يمكن الحديث فيها عن تنسيق ما لهذه العملية لأن ذلك يتطلب حدا من الوفاق و النضج الذاتي و مستوى معين من تطور الممارسات العقلانية والواقعية داخل المواقع المذكورة غير متوفرين الآن. ولأن بداية المراجعات الذاتية هي وحدها التي تفتح أبواب القلاع المغلقة فإن الشروع فيها هو الذي من شأنه أن يخلق المناخ العام الملائم للتحول الجماعي نحو ما يسمى في القاموس المعاصر بمجتمع المواطنة.
***
مساءلات تونسية / تونسية

***

الانغــــــــلاق المتبادل و الخـــوف من
العقلانية النقدية لتغيير موازين القوى

و بالرجوع إلى تونس ، هناك إذن "مساءلات فكرية" و"تحولات مفاهيمية" إن لم نقل ثورة ثقافية من المنتظر أن تقع في صلب كل التنظيمات والتجمعات بلا استثناء ، السياسية منها والاجتماعية والثقافية وغيرها . أول المعنيين بهذه المساءلة هم بالطبع المجموعات المهيمنة والفئات النافذة والجهات المذهبية والعقائدية الطامحة للسلطة والنفوذ والتأثير في المجتمع (الحزب الحاكم بمختلف أجياله وتوازناته وارتباطاته العضوية مع النخب الإدارية المسيرة للدولة، النقابات بتفاوت مستويات وشرعيات تمثيلياتها للفئات التي تدافع عن مصالحها ، الاتجاهات السياسية الكبرى بمختلف حساسياتها وألوانها – الديمقراطيون الاشتراكيون – القوميون – اليساريون – الإسلاميون – الليبراليون...الخ) ولكن أيضا كل المراكز والمؤسسات المنتجة للثروات المادية والمعرفية والرمزية مثل الجامعات ومراكز البحوث والخبرة.

كل هذه الأطراف لا تستطيع أن تعلن أن مقاربتها للواقع تتسم بالفاعلية والنجاعة – و ذلك عندما نقيسها و نقيمها بقياس الإمكانيات التي أتيحت لها وعلى ضوء النتائج التي تحصلت عليها. إن الذي يحدد جمود الوضع في الحالة التونسية هو ذلك " الانغلاق المتبادل" لكل الفرقاء واللاعبين في الساحة الوطنية، ذلك أن مسؤولية الانغلاق هي مسؤولية مشتركة لا يمكن أن يتنصل منها أحد بالرغم من أن النصيب الأوفر منها هو ملقى بالطبع على جانب السلطة لأنها هي التي تمتلك أغلب الأوراق " الرسمية " وهي التي تفرض على الجميع مفهومها للسياسة والقانون وسيطرتها على كافة تمفصلات الحياة العملية .

لا يفهم أحد ولا يفسر لماذا هذا التشبث المفرط بالحذر من الديمقراطية وهذا التقطير الحاد في إطلاق الحريات (هذه الحريات التي تشكل شرطا أساسيا لإدخال وترسيخ جذور العقلانية والواقعية عن طريق التجادل والنقد) سوى بالخوف من العقلانية النقدية لتغيير موازين القوى وبالرغبة المصلحية في مواصلة الانفراد بالسلطة السياسية من ناحية وبرفض فكرة توازن السلط التي تفترض كبح جماح السلطة التنفيذية وتقييد نفوذها اللامحدود بإعطاء صلاحيات موسعة واستقلالية حقيقية للسلطات التشريعية والقضائية وحتى الإعلامية .
إن إخضاع كامل أوجه الحياة الاجتماعية للسلطة التنفيذية الذي كان التوجه الطبيعي أو يكاد لكل الدول والمجتمعات والثقافات في الحقب الماضية قد ترك مكانه اليوم لممارسة جديدة أكثر توازنا أكثر إنسانية بالرغم من أنها لا تدعي حل جميع إشكاليات الحياة الجماعية ضمن التجمعات البشرية و لكنها في المقابل حسنت من المردود الإنساني لإدارة هذه المجتمعات. لقد أدرك الرأي العام اليقظ في جل البلدان المعاصرة أن الارتقاء الحضاري للمجتمعات مرتبط حتميا بتوفير مستويات أعلى من التوازن السلطوي داخلها حتى عدى مؤشر توازن السلطات، لدى عدد من الخبراء في المحافل الدولية، ضمن المؤشرات الأولى التي تقاس بها درجة تطور البلدان .

إنه بات اليوم واضحا أن نظام التسلطية السياسية الذي عرفته المنطقة العربية بلا استثناء منذ أكثر من نصف قرن هو المتسبب الأساسي في "فقر الدم" العقلاني داخل هذه المساحة الحضارية والمتسبب الأول في نقص مناعتها السياسية وفقدان ما تبع ذلك من مناعة اقتصادية واجتماعية وثقافية وأمنية.


نحن في حاجة إلى الحريات لمعالجة
نقائصنا السياسيــة و الاجتماعيـة

وبالرجوع إلى الحالة التونسية مرة أخرى فإن التصرف العقلاني في الحقل السياسي يملي على الحزب الحاكم – التجمع الدستوري الديمقراطي – أن ينظر إلى هذه الحقيقة بكل تجرد وأن لا يختفي وراء "كليشيات" أيديولوجيته الرسمية التي لا تستطيع أن تقدم الواقع لمناضليها وللرأي العام الداخلي والخارجي إلا بألوان وردية زاهية لا تخلو من المبالغة والتزويق في غالب الأحيان.
تصاعد المد الأصولي ببلادنا، التي أقدمت منذ عقود على سن إصلاحات رائدة ليس لها نظير في البلدان العربية، يدل بما لا يدع للشك أن سياسة تقييد الحريات الفكرية والسياسية ليست ناجعة.

بعد تغيير السابع من نوفمبر بعد الجولة الأولى مع الأصولية في بدايات أدلجتها –هذه الجولة التي حسمت بالقوة لا بالفكر– انتظرت الساحة التونسية انطلاقة حقيقية للحريات الفكرية و السياسية . و لكن "الربيع" التونسي لم يدم طويلا و عاود الانغلاق يخيم على الساحة... و لم يحصل الجدال الفكري ولا المقارعة المعرفية مع "الفلسفة" الأصولية التي واصلت و استكملت ادلجتها في مواجهة تصاعدية مع السلطة فعشنا مرحلة انغلاق فكري عجيب سمتها الأساسية انتشار نمط الفكر الإيديولوجي في كل مجالات الحياة الوطنية واتخاذ الحوار الوطني المأمول أن يقع بين الفرقاء شكل صراع إيديولوجي أعمى وأصم .
الحصيلة كانت أن العقلانية لم تتقدم بالقدر المأمول طوال العشريتين المنصرمتين وتعثر الحوار وتقوقع كل طرف داخل شرنقته المذهبية. صحيح أننا في الأثناء حققنا قسطا مهما من المكاسب الاقتصادية وبعض المكاسب الاجتماعية والثقافية ولكن من لا يرى اليوم أن التباينات والفروق الاجتماعية الناتجة عن اختلال التوزيع العادل للثروات المتوفرة قد زادت تعمقا خلال تلك الحقبة وأصبحت تهدد تلك المكاسب، بل أكثر وأخطر من ذلك من لا يرى أنها أصبحت تتفاعل مع عجزنا العقلاني وأصبحت تغذي، بصورة تكاد تكون مباشرة، تلك الاتجاهات المعرقلة للتطور العقلي والمنمية للفكر الغيبي والداعية للتطرف الديني والعقائدي التي تجد فيها الأصولية مرتعا خصبا لنشر أفكارها وتكثير أنصارها .
هنا نرى بوضوح تام كيف ترك انعدام الحريات – التي تشكل حاجزا اجتماعيا وثقافيا واقيا - الباب مفتوحا لتفاقم التباين أو الهوة الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء ولرجوع التصورات الغيبية والسلفية المبتذلة بقوة في ربوعنا وكيف التقت تلكما الظاهرتان وأصبحتا تغذي إحداهما الأخرى. الحريات هي التغذية الأولى للعقل وهي وحدها التي تستطيع أن تدلنا إلى طريق الاعتدال وتضمن إحداث التوازنات الاجتماعية اللازمة بين مصالح مختلف فئات المجتمع وتؤمن الشفافية والمصداقية وتمكن المواجهة المعرفية الملائمة للتصدي لمحاولات الرجوع القهقرى .
لا يستطيع الحزب الحاكم بكل موضوعية القفز على هذه الحقيقة ولا تأجيل قدومها إلى أجل غير مسمى . لأن المجتمع في حاجة أكيدة لإطلاق الحريات لفهم ذاته وفهم التحديات التي تواجهه وهو في حاجة إلى الحريات لمواجهة مشاكله ومعالجة قضاياه بنضج ومسؤولية ولا يمكن أن يتوفر ذلك في مناخ التسلط وتناحر الأيديولوجيات المقوض لتطور الفكر. فلماذا وإلى متى نحرم مجتمعاتنا من هذه الآلية الضرورية بذريعة عدم النضج والمبالغة في الخوف من سلاح العقلانية ذو الحدين ( لوجوب استعماله تجاه أنفسنا و تجاه الآخرين)...


نحن بحاجة إلى الحريات لمنع السطو
على العقول و الوصاية على الضمائر

ولا يفهم ولا يفسر أحد كذلك لماذا هذا التشبث الأعمى بتوظيف المعتقدات الدينية لغايات سياسية من أجل الوصول إلى السلطة في هذه المرحلة المتقدمة من التجربة الإنسانية الكونية ( أين أصبح الفصل بين السياسي والديني هو الذي يمكن من حل المعضلات المعقدة التي يعاني منها التعايش البشري على صعيد الدولة الوطنية أو التجمعات الإقليمية أو الساحة العالمية ) سوى بكون الدين أصبح مهددا بفقدان صبغته الإيمانية والروحانية والشخصية وبصدد التحول بفضل عمل بعضهم إلى أيديولوجية شمولية واستعراضية تتبنى الكثير إن لم نقل أغلب المفاهيم و"الطقوس" التعبوية التي أنتجتها إيديولوجيات القرن العشرين مع "تزيينها" بالأشكال الدينية الفولكلورية والسطحية .
إن الخطر الكامن في الأصولية المعاصرة ليس آت فقط من ادعائها الدفاع عن الدين والتمسك بتعليماته وتشريعاته في التقوى والعبادة ، فهي لا تختلف هنا عن الأصوليات الإسلامية (وحتى غير الإسلامية) التي سبقتها ، بل إن الخطر الراهن يأتي أيضا من أدلجة هذا الإدعاء ، أي اكتسابه للنزعة الشمولية المطلقة التي تتدخل في جميع دقائق وتفاصيل الحياة الفردية والجماعية ، فتسطر للفرد والجماعة كل الحقائق التي من الواجب أن يعتقدوها وتحدد لهم كل المناهج والسلوكيات التي يجب أن يتقيدوا بها ... وتقلص من حرية اختياراتهم الفردية والجماعية...إلى درجة التفاهة في بعض الأحيان .
إنها بهذا تساهم اليوم مساهمة حاسمة في عملية السطو على العقل وإرساء الوصاية على الضمير عندنا ...
وهكذا نرى في هذه المرحلة الدقيقة أن الأصولية المعاصرة -كإيديولوجية شكلية صاعدة - تسعى لأخذ "المشعل" من أيدي الأيديولوجيات المتراجعة - لتأخير بزوغ العقلانية ورسوخها عندنا. إنها تساهم في لخبطة الأفكار وتشويش الوعي وتحويل التركيز على فهم الإختلالات البنيوية والذهنية في العقل الفردي والجماعي والتي نتج عنها الفشل في التكيف مع الواقع العصري بمختلف مستوياته . فعاد الربط مع التصرفات الخرافية وعادت محاولات السيطرة اللاعقلانية على الطبيعة والمصير وأصبحت ظواهر السحر والشعوذة والإخفائية والتنجيم والتعزيم تبرز وتنتشر من جديد بين ظهرانينا وتطبع الممارسات والتعاملات الاجتماعية للمواطنين. وقد كنا نظن أنها تصرفات رحلت نهائيا مع منتصف القرن الماضي... ولكن هاهي اليوم عائدة بقوة تحت التأثير المعنوي و "الروحاني" للأصولية المتأدلجة.

ليس لنا من خيار سوى تطوير العقلانية
ضرورة استبطـان قيمـة الانضبا ط

ماذا يجب أن نفعل ونحن اليوم بين المطرقة والسندان ، مطرقة التسلطية السياسية وسندان الأصولية العقائدية؟ هل لنا شيء آخر غير العقل والعقلانية للدفاع عن النفس وعن ممارسة حقنا في الحرية (حرية التعبير السياسي وحرية التفكير الفلسفي والاعتقادي)...؟ إذا كان لنا شيء آخر، فهذا لن يفيدنا كثيرا ما دام وضعنا العقلاني الذي هو رأس مالنا الأساسي لا يتطور نحو الأحسن و لا يسمح لنا بمواجهة التسلطية والأصولية ولو بقليل من النجاح . إذا لم نشهد تراجعا معتبرا لقبضة التسلطية ومد الأصولية فذلك يعني أن الشحن العقلاني عندنا هو دون المستوى المطلوب وأن هناك في مكان ما من تفكيرنا خللا (هيكليا ؟) لسنا واعين به – مطلقا أو كما يجب - جعلنا ندور في حلقة مفرغة . و لأن حرية التفكير و التعبير لا تثمر إلا بالعقلانية و العقلانية لا تتطور إلا بحرية التفكير والتعبير فإن المخرج من الحلقة المفرغة يفرض علينا أن نستثمر كل ما هو متوفر و مسموح به من الحريات لدينا الآن لتوسيع مساحة المقاربات والممارسات والسلوكيات العقلانية عندنا .. ابتداء بفهم طبيعة الخلل الموجود في ذهنياتنا وأنماط تفكيرنا .

المرجّح (والظاهر أيضا) أن هذا الخلل يسكن جميع مواقع الجسد الاجتماعي ويقع على جميع مستويات الحياة المدنيّة. نجده في العائلة وفي المدرسة والمعهد والكلية ونجده في المؤسسات الاقتصادية الاجتماعية بجميع أنواعها وأحجامها ونجده في الممارسات السياسية والنقابية والحزبية لكل الفرقاء وفي الإدارات والبلديات والجمعيات الثقافية والرياضية وغيرها ونجده في الشوارع والأحياء وفي الطرقات السيارة وغير السيارة ونجده في مناسبات الأفراح و الأتراح وفي مراسم العبادة ومظاهر التسيب المجون وفي الغنى الفاحش والفقر المدقع... إلى آخر ذلك .

إشكاليتنا لا تكْمن في وجود الخلل في حد ذاته ، فقلما تخلو بُنى وتشكيلات مجتمع ما من تطورات متناقضة ومن نقائص تعصف بها في بعض الأحيان وتُدخلها في أزمات حادة، إنما الخلل عندنا له طبيعة تراكمية انتشارية يتضاعف مفعولها السلبي بحكم تغطيتها لجميع المجالات تقريبا. خاصية مظاهر الضمور العقلاني عندنا تتمثل في عدم قدرتنا أفرادا وجماعات على استبطان قيمة الانضباط (الاختياري والمراقب ) – هذه القاعدة الأولى للتمشي العقلاني المؤسسة للعلم و للملكات العقلانية اللاحقة. المقصود هنا هو ذلك الانضباط المنطقي /المنهجي /السلوكي، المقبول عن طواعية والتزام واحترام للحدود والمعايير والقواعد التي يفرضها التعايش الاجتماعي السلمي الذي يعترف بالآخر و"يترك له مكانا تحت الشمس". عدم قدرتنا على استبطان هذه القيمة الأساسية يجعلنا ندوس في كل المناسبات على قواعد التنظيم الأساسية التي نضعها أو نعلنها لتسيير شؤوننا فلا نلتزم لا بالآجال ولا بالمواعيد ولا بالأولويات ولا بالبرامج المسطرة ولا بالإمكانيات المحدودة والمحددة... ولا نتهيأ مسبقا للصعوبات التي يمكن أن تحدث لنا... و نلقي كل شيء على مشيئة الله الذي لا مردّ لقضائه وقدره. فهل إن المفهوم الذي عندنا للقضاء والقدر هو الذي يمنع عقولنا من استبطان هذه القيمة ، فيعطل استعمال المنطق لدينا بالتشكيك في سببية الأشياء أو اختزالها في السبب الأول (الله هو السبب المباشر لكل الوقائع والأحداث بالجملة والتفصيل ولا داعي للبحث عن الأسباب الأخرى) ويعطل اعتمادنا التوجّه المنهجي (الله هو الملهم لكل التوجهات والمسطر لكل المسيرات ولا داعي للبحث عن المنهج القويم ) ويوفر تبريرا سهلا لعدم التزامنا السلوكي (الإنسان مسير لا مخير في جميع أعماله وتحركاته) ؟
هذا "التسيب الغيبي" - إن صح هذا التعبير- ليس مطلقا بطبيعة الحال ولم يمنعنا من تحقيق العديد من الإنجازات المادية التي نحتفل بها كل يوم ومن تحسين ظروفنا المعيشية ومن تقليص نسبة الفقر المدقع والأمية الكاملة... إلى آخره... و لكن ماذا عن تطورنا الذهني؟ ماذا عن توازننا النفساني؟ ماذا عن ارتقائنا المعرفي والمدني والحضاري ؟ ماذا عن نضجنا السياسي؟ ماذا عن تسامحنا الديني والعقائدي؟ الواضح أنها اهتمامات أنزلت إلى مرتبة الثانويات وكانت ضحية الاختيارات "التنموية" لمختلف السياسات المتبعة التي فضّلت وركّزت على النمو الاقتصادي الصرف في قطيعة (مقصودة ؟) مع ضرورة تعلّم الحرية ودفع التنمية العقلانية. النتيجة أن ذلك التسيب الغيبي تفشى من جديد و عاد ليطبع كل تصرفاتنا وتحركاتنا إلى درجة أنه تمكن من التسلل إلى المؤسسات الهياكل العريقة في استعمال المناهج والوسائل العلمية والعقلانية المتقدمة ( كالجامعات و الإدارات و الهياكل الرسمية...).

ضرورة فهم المسؤوليــة
الخاصة لنظامنا التربوي

من البديهي أن صعوبة الاستبطان المشار إليه لها جذور تاريخية بعيدة وقريبة المدى من الضرورة أن يتناولها المؤرخون والمختصون في علوم الاجتماع والنفس بالتحليل والدرس، وقد زادت الصعوبة حدّة مع ارتفاع درجات المعرفة والمدنيّة التي بلغتها معظم المجتمعات الإنسانية، غير أن مسؤولية نظامنا التربوي في هذا المجال إلى جانب مسؤولية أطراف أخرى تبقى مسؤولية كبيرة وحاسمة ، من المهم الوقوف على صيغ أدائها، ذلك لأن الأنظمة التعليمية احتلت المواقع الأولى منذ القرن العشرين في عملية دفع التنمية الشاملة وتطوير الهوية (الارتقاء الحضاري). إن الواجب يدعونا للوقوف بصدق وموضوعية على مخرجات هذا النظام. ماذا وقع تبليغه لأجيال عديدة من أطفالنا وشبابنا وماذا تبقى منه عند كهولنا وشيوخنا. ما هي الأنماط الفكرية التي طوّرها وهل تمكننا هذه الأنماط من مواجهة واقعنا الحديث ومنافسة واستيعاب أرقى ما وصل إليه إنتاج العقول المعاصرة. كيف وقعت معالجة ذلك المفهوم الغيبي الذي سكن ذهنياتنا و" فرْمط" تفكيرنا أحقابا طويلة. ماذا فعل النظام التربوي بعهدة تطوير تراثنا الثقافي والمعرفي وأين تكْمن مسئوليته في النجاح النسبي لمحاولات الأصولية الاستيلاء عليه. ما هي مسئوليته في التغاضي عن بث وتطوير الفكر النقدي لدى مختلف الأجيال وكيف نقيم انعكاسات هذا الإخلال على طبيعة الأنماط الفكرية التي روّجها. عندما يقر الجميع بموقع التربية والتعليم والتكوين في إنجاح أو إفشال الإستراتيجيات التنموية وفي تكوين العقول الذكية الراصدة للمعرفة والفهم المتلائم مع الظروف المعاصرة، فإن إفراغ محتويات التعليم من المنهجيات الجدلية والنزعات النقدية يجعل منه نظاما تعليميا لا يأخذ من الحداثة إلا أشكالها ومظاهرها التنظيمية الخارجية وإدخال مواد تعليمية جديدة فقط، لكنه يبقي في الأساس نظاما تلقينيا من العسير عليه تطوير ملكات الفهم والخلق والإبداع بالمستوى المطلوب بلوغه في "مجتمعات المعرفة".

ومن ناحية أخرى، وإلى جانب هذه المسائل التي يجب التعمق فيها ، يجب أن نبحث عن أسباب غياب "النضج الديمقراط" و تواصل الممارسات التسلطية في السياسة والمجتمع وصعود التأثيرات الأصولية وقلة تلاؤم خريجي التربية والتعليم مع الحاجيات الاقتصادية والاجتماعية في طبيعة وطريقة أداء نظامنا التعليمي وإخلالا ته المنهجية والفكرية .

هل يشكل هذا النقد حقيقة موضوعية تؤكده الوقائع اليومية أم هي نظرة تشاؤمية مبالغ فيها كما يفترض ذلك القائمون على شؤوننا التربوية اليوم؟ قد يصف هؤلاء هذه التساؤلات وهذه المقاربة النقدية بكونها تشاؤمية ومبالغا فيها ويقدمون لإثبات ذلك الأرقام والأدلة التي تؤكد أن "نصف الكأس ملآن" بالإنجازات التربوية التي يعترف بها الخبراء والمختصون في المحافل الدولية فيعطوننا رتبة متقدمة ضمن البلدان التي نجحت سياساتها التربوية في محو نسبة كبيرة من الأمية وفي تمدرس أكثر من تسعين بالمائة من الأطفال البالغين سن الدراسة. لكن غايتنا ليس الطعن في كل هذا. لا يطعن في تلك المكاسب إلا الجحود.

غايتنا إلفات النظر كي نهتم بالنصف الفارغ من الكأس أكثر من اهتمامنا بالتمجيد والاحتفال بنصفه الملآن.

الأطروحة التي نبسطها – و نسعى إلى إثباتها أو دحضها – هي القائلة أن هذا الفراغ هو فراغ عقلاني قبل كل شيء لا يمكن ملؤه بتراكم إنجازات من طبيعة مرحلية أدنى. هذا يعني أن السياسات المتبعة لحد الآن لإرساء تعليم تلقيني موسّع (إرساء البنى التحتية و تشييد شبكات المدارس والمعاهد والكليات و تعميم التعليم تعميما أفقيا...) قد بلغت حدها ولا تستطيع أن تفعل أكثر مما فعلت (ملء نصف الكأس) لأن هذه السياسات لم تعر اهتماما حقيقيا للتنمية العقلانية كما ذكرنا أعلى.

الأهداف والمستويات النوعية لا تتحقق بنفس الطرق والوسائل التي تنجز بها الأهداف الكمية.

الأهداف والمستويات النوعية لا تتحقق بمستويات دنيا من العقلانية... وتلك هي إحدى مشكلاتنا التنموية بصورة عامة ... كل المحاولات والمناورات التي هدفت لتعطيل أو لنسف العقلانية عندنا كانت لها نتائج وخيمة على المسيرة التنموية في مجموعها...

وهذه مسألة أخري ليس بالإمكان تناولها في إطار هذه المحاولة .

تونس في أكتوبر/ نوفمبر 2006

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose