attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > الطريق الثقافي > "شاهدت وأود أن تشاهدوا"

ثقافة سينمائية

"شاهدت وأود أن تشاهدوا"

الثلاثاء 24 شباط (فبراير) 2009

محمد حسين امشيري

يعرض في قاعة "أفريكا" فيلمان جديدان في عرض واحد لمدة 110 دقيقة، وهما فيلمان لمخرجين تونسيين. الفيلم الأول "صمت" فيلم وثائقي طويل مدته 52 دقيقة فيلم "كلمات ما بعد الحرب" لأنور ابراهم مدته 58 دقيقة.

أما فيلم "صمت" لكريم السواكي، فهو باكورة الافلام الطويلة لهذا المخرج الشاب. الفيلم يبشر بظهور مخرج قدير ننتظر منه أعمالا أخرى.. ويندرج الفيلم ضمن الافلام الاجتماعية الهادفة، ولئن كان عنوانه "صمت" فقد جاء مكسرا للصمت، كاشفا للمكسوت عنه في جرأة غير مسبوقة، باعتماد شهادة جيله وتجربة انسانية عميقة وباعتماد المراوحة بين السرد والقص والحوار على لسان الشخصيات. والشخصيات في هذا الفيلم شخصيات واقعية من مجتمعنا التونسي، ولغتهم هي لغة الشعب التونسي في بساطتها ووضوحها وبلاغتها، فكان التعبير صادقا، مؤثرا، زادتها الملامح الظاهرة في الوجه والمظهر.

في الجملة فإن الصورة والكلمة والموضوع تعبر كلها عن واقع معيش، والأماكن فضاء من فضائنا التونسي وهي المقهى والشارع والشاطئ والملعب والمشهد العام والبطل في هذا الفيلم تونسي لحما ودما أخذه المخرج في تلقائيته يقدم نفسه دون مركبات ويمزق الأقنعة. فـ"جيمي" .اسم الشهرة. من أبناء حلق الوادي عاش حياته طولا وعرضا صاحب مغامرات وصراعات وانتهى به الأمر أن أصيب بمرض "السيدا" في وقت لم يعرف هذا المرض.

وأي بطل هو هذا الضحية؟ فقد استطاع بشجاعته وحبه للحياة أن يتجاوز المرض ويدرك أن الحياة ليست عبثا وأن عليه ان يتحدى الاصابة والصعوبات ويسخر طاقته لمصارعة اصابته، وبعمقه الانساني الواعي رفع صوته عاليا للدفاع عن مرضى فقدان المناعة ـ هذه الفئة التي ظلت مهمشة، مرفوضة في المجتمع العربي الاسلامي، في مجتمع يخجل من ذكر مرض السرطان فما بالك بـ"السيدا" كما عبّر "جيمي" على لسان مرضى فقدان المناعة ببلاغته المبسطة وانتقد المجتمع الذي ضاعف مرض المرضى، وفي نفس الوقت بين أي خطر يتهدد المجتمع اذا لم نعمل على المصارحة وبيان طرق الوقاية والاتصال المباشر بالشريحة المعرضة لهذا المرض، فاندفع "جيمي" في الأماكن العامة وفي المقاهي والأحياء الشعبية يخاطب الاصدقاء والشباب ويوزع الواقي ويقدم النصائح، وهو يلح في ذلك إلحاحا ويقدم الواقي ويغري المتلقي بعلبة جعة أو قهوة وضحكة، فأي بلاغة في الابلاغ والاقناع...

أمثال "جيمي" كثيرون لا ينتظرون إلا الأخذ باليد. فـ"جيمي" كان الرائد في ميدان التصدي لهذا الداء، ونعتقد أن ما قام به أنجع بكثير مما قامت به المراكز الصحية التي تحكمها البيروقراطية والعبارات الصعبة، فقد بين "جيمي" بعمله الميداني المباشر أنجع طريقة للتصدي للمرض ونشر الوعي.

ولا غرابة أن يعتمد سفيرا لنشر الوعي في بلدان افريقية... أليست التجربة ناجحة؟.. أليس جديرا أن يكون ضمن فريق يكون قريبا من المرضى والأصحاء الذين يستهدفهم المرض؟

أما الفيلم الثاني فهو "كلمات ما بعد الحرب لبنان 2006" لأنور ابراهم. نعم أنور ابراهم ،رجل الموسيقى المتميز، وأي غرابة في ذلك، فالرجل فنان متكامل أخذ من كل فن بطرف وليس نكرة ولا متطفلا على السينما، بل هو على صلة حميمة بالصورة والكلمة، سبق له أن وضع موسيقى لأفلام تونسية ناجحة، اضافة الى انتاجه الموسيقي الهادف. هذا الفيلم هو باكورة انتاجه السينمائي، على غرار فيلم "صمت السواكي"، وان اقتحم ابراهم عالم السينما بهذا الفيلم الوثائقي الذي جمع فيه بين الكلمة والصورة والموسيقى، فانه يرتقي الى عالم الابداع الفني، فالفيلم نتيجة وعي ورغبة صادقة في الغوص في اعماق النفس البشرية اثر هزة عنيفة هزت المجتمع اللبناني والمجتمع العربي عامة. فقد اعتمد شهادات حية لا نشك في أنه اختارها استجابة لرؤية ذاتية. ونوّع هذه الشهادات لمعرفة وقع الحرب وآثارها العميقة في النفوس وللمخرج أسلوبه الفني ينتقل بالكاميرا بين دوي المدافع الى ابتسامة المتحدث، وبين مشاعر الهلع او الاعتزاز، ينقلنا بين الدمار في المباني والخوف وأثر الحرب على وجوه المحاورين ومشاعرهم بين التفجّع والمرح والتأمل واكتشاف الذات. وتولد مشاعر جديدة بل التحول من موقف الى موقف واعادة النظر في كثير من القضايا.

يقوم الفيلم على بناء سردي، تجيء فيه الشهادات في شكل حوارات مع فئات عديدة ومتنوعة تنوع المجتمع اللبناني فهذه راقصة .فنانة. تعبر ببساطة وتلقائية عن مشاعرها وتكشف مخلفات الحرب الظالمة فيرتقي تفكيرها الى البعد الانساني في مفهوم الأمل والعدل، وهذه مواطنة عاشت محنة الحرب الأهلية وتعيش اليوم محنة العدوان الاسرائيلي. كم كانت تود أن تهرب ولكنها تنتهي الى القول إنها سعيدة لأنها لم تغادر وعاشت الحرب بين أهلها في وطنها، وترى أن هذه المحنة ولدت التضامن ووطدت روح المواطنة، فشاركت بعواطفها وأحاسيسها؟. وانتشت واعتزت بروح المقاومة والصمود..

وهذا مثقف علماني على نقيض "حزب الله" يختلف كليا مع تصور هذه الحركة ويرى أن الحرب جعلته يعيد النظر والحكم، فلم ير المقاومة الاسلامية تكريسا لمذهب ديني، بل هي مقاومة وطنية صادقة، مقاومة للعدوان الغاشم الذي تدعمه قوى امبريالية غربية أمريكية وقوى عربية. هو عدوان على الوطن وفيه قتل روح المقاومة فيه، ويعبر بوضوح أن الحرب المدمرة أصابت البنى التحتية ولكنها لم تزد الروح المعنوية الا متانة بل جعلته يعيد النظر في قناعته السابقة كما ولدت فيه الحرب شعورا بالذات والتحاما مع قوى وطنية اخرى وغيرت لديه كثيرا من المفاهيم.

وهذا محاور آخر يندفع باسهاب في توضيح اسباب الحرب ودوافعها، ويرى أن دوافع الحرب لم تكن لمجرد استعادة الأسيرين، بل هي أعمق من ذلك بكثير، ويرى أن قوى خارجية متربصة بلبنان وبقوى المقاومة فيها وان العدوان على لبنان موجه الى قوى اخرى ولعلها فاتحة للقضاء على المقاومة في لبنان والمقاومة العربية في كل مكان لأنها تقف في وجه العدو الصهيوني الامريكي الغربي الذي يريد أن يبسط سيطرته على المنطقة ويريد أن يخلق قوى سياسية داخلية تكون خليفة له ومساعدة على التحكم في المنطقة.

وقد جاء الفيلم مقتصدا في الصور والكلام والتركيب، فهو شهادة شاهد من أهلها في تلقائية ووعي والفيلم وثيقة شاهدة على حدث هز لبنان والعالم، وجاء معبرا عما احدثته الحرب في النفوس من هزات وأن الحرب لم تطل ولم تحطم المعنويات بل انها عمقت روح المواطنة والانتماء فجاء كلام المخاطبين صادقا يحمل أبعادا انسانية عميقة تنشد السلام والعدل وتعبر عن تجذر في الوطن وقد وفر المخرج لنجاح هذا الفيلم الصورة الحية والمناظر الاخاذة للجمال والدمار، صورة جميلة لمأساة عظيمة، تصحبها موسيقى تناسق المنظر والمشهد لا تملها العين ولا الاذن، وتترك في النفس والعقل أثرا وتدعو الى التفكر والبحث عن الذات والتعمق في معنى المقاومة سواء في لبنان أو في غزة.

واسمح لنفسي بعد التحليل أن اقول إن الفيلمين يستحقان المشاهدة وأجزم أن المشاهد يرتاح للعرض لاعتبارات عدة منها الموضوع في الفيلمين وطريقة المعالجة اضافة الى الجوانب الفنية وما فيها من تجديد ولغة مبسطة جريئة واعتقد أن الفيلمين سيحركان المشاعر والعقول وسيولدان مقاربات جديدة في مناقشة القضايا المطروحة.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose