attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > الطريق الثقافي > مائويتــان أخريــان على وزارة الثقــافــة أن تلتــفـت إليـهمــا!

مـشـكـــاة

مائويتــان أخريــان على وزارة الثقــافــة أن تلتــفـت إليـهمــا!

الثلاثاء 24 شباط (فبراير) 2009

الحبيب الحمدوني

إن كنت أفهم أو أدعي الفهم فإني اعترف أكثر، لم أعد أفهم لماذا حياتنا هي مختلة، مختلة فيما لا يحصى من أوجهها ومناحيها، في الاقتصاد وفي السياسة وفي الرياضة وفي الحياة الاجتماعية الواسعة، وفيما بين الجهات والطبقات والأجيال. وأيضا في الثقافة والفن، حياة لا تكاد تتساوى فيها الأشياء، أو هكذا يبدو لنا، الا لتنخرم من جديد وبأشد مما كانت عليه في السابق بحيث صار يتعمق هذا الاختلال ويكبر مداه ليصبح سمة بارزة من سمات حياتنا العامة.

وإذا كانت بعض الاختلالات أسبابها بينة ويمكن ادراكها دون كبير عناء، فإن بعض الاختلالات الأخرى، تبعث على الدهشة وتثير تساؤلات الانكار وعدم الرضا. فبأي حق مثلا، نكرم علما من أعلامنا ونحيي ذكراه بينما نبخس آخرين حقهم ونغمض أعيننا عنهم؟ وبأي حق نعلي من شأن هذا ونحط من شأن ذاك وكلاهما ساهم، كل من موقعه، في بناء مصيرنا؟ وهل أكثر حطا من الاهمال والتناسي؟

وزارة الثقافة قررت احياء مائويتين هذه السنة هما مائوية أبي القاسم الشابي ومائوية المسرح التونسي، وهو قرار اغتبطنا له ورأيناه يندرج في صلب مهمة أكيدة من مهامها. الحفاظ على الذاكرة الوطنية واحياؤها باستمرار.

نعم، أبو القاسم الشابي يكاد يكون الوتد الذي تقوم عليه خيمة الشعر التونسي الحديث، وهو يستأهل احياء ذكراه بما يتناسب وقيمته الشعرية ومكانته في وجداننا، ونعم ايضا، المسرح عندما من قطاعات الثقافة النشيطة التي حركت السواكن وطرحت مختلف قضايا مجتمعنا وواكبت المنعرجات والهزات ورسمت مشهدنا الثقافي ومنحته كثيرا من تجليات الابداع والتألق.

لكن في هذه السنة، هناك فضلا عن هذين المائويتين مائويتان آخريان، لا تقلان قيمة عنهما وحري بنا أن نحتفل بهما الى جانب المائويتين المذكورتين وهما مائوية علي الدوعاجي ومائوية الهادي الجويني. ولنا أن نسأل عن هذا الطمس، فهل الذين يبرمجون ويخططون لا يعلمون بمواقيت ميلاد علي الدوعاجي والهادي الجويني أم أن هذا الاختيار التمييزي هو اختيار واع ومسؤول؟

وهل استكثرت الوزارة على نفسها وعلينا الاحتفال بأربع مائويات فحذفت نصفها؟

واذا كان الاختيار واعيا فلا بد ان تكون له أسبابه وموجباته، فقد يكون اهمال علي الدوعاجي مرده استنقاص فنه لأنه يكتب القصة القصيرة والقصة القصيرة لا ترقى في نظر المشرفين والمبرمجين الى مرتبة الابداع الشعري أو المسرحي، وقد يكون مرده موقف من حياته البوهيمية حيث عاش هامشيا ومدمنا على الخمرة وعلى "التكروري" الا أن فتك به داء السل وأضناه، وقد يكون مرد اهمال الهادي الجويني ان غناءه عند هؤلاء ليس في مستوى ما أبدعه الشابي أو ما اعطاه المسرح من أعمال، وقد يكون ايضا أنه، عندهم، ابن حارة شعبية مغمورة هي منطقة الحجامين يكفيه فخرا أن تذاع بين الحين والحين أغانيه، وقد ينطبق كذلك هذا المعيار على علي الدوعاجي لأنه ابن منطقة شعبية هي الاخرى هي الحلفاوين.

يا سادتي المشرفين والمبرمجين عدلوا قليلا من مناظيركم التي تعيّرون بها الاشياء وحاولوا أن تعدلوا بين أبناء تونس. علي الدوعاجي والهادي الجويني علمان فذان من أعلام تونس، كل منهما يكاد يكون عصاميا وجاهد في سبيل التعلم وكسب المعرفة وكابد في سبيل الابداع، وكل منهما رائد في مجاله.

الدوعاجي أول من أصل القصة القصيرة في تربتنا الأدبية، بعد أن أصّل محمد البشروش القصة ذات المنحى الرومنطيقي وقبل أن يؤصل محمود المسعدي القصة ذات التوجه الذهني الرمزي.

والهادي الجويني قفز قفزة عملاقة في نحت شخصية الغناء التونسي. جماعة "تحت السور" من أهم الدوائر التي طعمت حقا حياتنا الأدبية والفنية والصحفية، والدوعاجي والجويني كلاهما من الجماعة، قصص علي الدوعاجي خالدة ومعترف بقيمتها الفنية وترجمت الى عدد من اللغات وتدرس في جامعاتنا وفي غير جامعاتنا. وأغاني الهادي الجويني لن يصيبها البلى وستظل حية متجددة على الدوام لطابعها الأصيل ولونها الفريد وستظل رسولا تعرف بفننا الغنائي في الشرق على غرار أغنية "لاموني اللي غارو مني" التي يرددها المشرقيون حتى أكثر مما نرددها نحن.

يا سادتي المشرفين، إننا لا نزال في بداية المائويتين، وبالامكان التدارك والاعتراف بجميل هذين الرجلين والاحتفال بمائويتهما حتى يغني علي الدوعاجي في قبره مطمئنا أغنيته الشهيرة "عاش يتمنى في عنبة مات جابولو عنقود" عوض أن ينوّح "عاش يتمنى في عنبة مات ماجابولو شي"، حين نتناساه مثل هذا التناسي البغيض.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose