attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > 2007 من أرشيف > الطيب البكوش : إشكاليات الديمقراطية وحقوق الإنسان

الطيب البكوش : إشكاليات الديمقراطية وحقوق الإنسان

الأحد 25 أيار (مايو) 2008

نظم فرع حركة التجديد بولاية المنستير بمقره في قصيبة المديوني يوم 10 ديسمبر 2006 ندوة فكرية سياسية بمناسبة الاحتفال بذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وقد شارك في هذه الندوة الأستاذ الطيب البكوش بمحاضرة حول «إشكاليات الديمقراطية وحقوق الإنسان في ظل الأوضاع الراهنة

واستهل الأستاذ الطيب كلمته بما يمكن أن يثيره عنوان المحاضرة من تساؤل مشروع، ذلك أن أكبر إشكال يتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان هو الإشكال القائم بين المبادئ والتطبيق. لكنه لاحظ أن الإشكالية الأولى تتعلق بالمفاهيم قائلا: "قد نكون متفقين في الظاهر على المفهومين لكنه توجد في الواقع اختلافات هامة حولهما" !
"هناك من يرفع شعار الديمقراطية ولا يؤمن بها سواء من التيارات الإسلاموية أو من الأنظمة الإستبدادية. فالأولى تسعى إلى تعويض مفهوم الديمقراطية بمفهوم الشورى الذي يتعلق بمجموعة ضيقة من خاصة القوم، وهي استشارة غير مهيكلة ولا يمكن أن تكون بأية حال بديلة للديمقراطية. والثانية تحصر الديمقراطية في الشكل مع إفراغه من كل محتوى".

والديمقراطية بمعنى حكم الشعب مفهوم دخيل، وهي في الأصل لا تعني سوى خاصة القوم مع استثناء النساء والعبيد، وذلك هو الشعب بالنسبة لليونان القديم. لكن المفهوم تغير كثيرا في محتواه ودلالته. وحتى في المفهوم الحديث، تختلف الديمقراطية الشعبية التي كانت سائدة في بلدان الكتلة الشرقية واقترنت بديكتاتورية البروليتاريا عن الديمقراطية الليبرالية السائدة في البلدان الغربية وهي تقترن بديكتاتورية السوق، وحتى في الولايات المتحدة الأمريكية فإن الترشح للمناصب السياسية العليا مثلا هو من شأن الخاصة المدعومة من القوى المالية والـلّـبّـيات المختلفة (المال، البترول، السلاح، الصهيونية ...). أما الأسس التي تعتمد عليها الديمقراطية فهي حكم الشعب والتداول على السلطة والفصل بين السلط، وهو ما يفترض التعدد الحقيقي وحرية الرأي والتفكير والتعبير والتنظم إلخ. ومفهوم السلطة التنفيذية نفسه لا يستقيم إلا إذا توفرت هذه الأسس، ذلك أن السلطة التنفيذية في نظام ديمقراطي ليست مجعولة لتنفذ ما تقرره هي، بل إنها مطالبة بتنفيذ ما يقرر لها في المستوى التشريعي والمستوى القضائي على الأقل.
ولا تتوفر أسس الديمقراطية إلا إذا توفرت جملة من الحقوق الإنسانية تشمل في نفس الوقت الحقوق السياسية والحقوق الإجتماعية والإقتصادية والثقافية كما تضمّـنه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948 ثم العهد الدولي الأول والعهد الدولي الثاني سنة 1966. أما أهم الإشكاليات الأخرى التي تطرق لها الأستاذ الطيب البكوش فهي تتعلق بـ :

- إشكالية المرجعية التي يعتبرها البعض غربية ولا تراعي خصوصية الأمم والثقافات، في حين أن المتأمل في الخصوصيات الثقافية يتبين له أنها شكلية ومن الجزئيات أو من العادات والتقاليد التي يمكن أن تتعارض حتى مع المقاصد الدينية مثل ختان البنت في بعض البلدان الإفريقية أو العبودية التي لم تحرّمها الأديان لكن المقاصد لا تستحسنها بل من المحبذ تحريمها وكذلك تعدد الزوجات. فالمرجعية كونية خلافا لما يراه البعض وهي حصيلة تأليفية أخذت بعين الإعتبار جميع الثقافات والحضارات والديانات دون استثناء.

- إشكالية الأولويات سواء تلك التي تعطي الأولوية للتنمية والحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية باعتبارها أولى من الحقوق السياسية لأنها تتعلق بتوفير القوت اليومي للناس، أو تلك التي تعطي الأولوية للحقوق السياسية في كنف نظام رأسمالي على حساب الحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية. لكن الإنسان في حاجة إلى كل ذلك في نفس الوقت. كما أن تجربة البلدان الشرقية والغربية تبين أن وضع هذا السلم أو ذاك من الأولويات قد يحقق مكاسب هامة لكنها وقتية وسرعان ما تنتكس وتتلاشى. فهي أولويات لا يمكن أن تستقيم والمفهوم الصحيح هو مفهوم الشمولية وعدم التجزئة، بل الحكمة في البحث عن توازن وتواز بين جميع الحقوق دون تجزئة ومفاضلة. وهي مسألة جوهرية وقع الحسم فيها نظريا وبات منطق الأولوية بين الحقوق منطقا مرفوضا نظربا وعمليا.

- إشكالية المساواة بين الأنواع والألوان والأجناس والأفراد وبين الفئات الإجتماعية، وفي هذا الصدد فإن النظام الصهيوني عنصري بكل المقاييس وإن انتفت عنه هذه الصفة رسميا، وكذلك المساواة بين المرأة والرجل، والبلدان العربية والإسلامية هي الأشد تصلبا حول هذا الموضوع. فلا يصح أن يعوّض هذا المفهوم بمفهوم العدل كما تسعى إلى ذلك منظمة العالم الإسلامي في محاولة للإبقاء على نظرة دونية إلى المرأة في حين أن مبدأ المساواة لا يتناقض مع الدين ولا يمكن أن يخفى على من يتعمق في الإسلام.

- إشكالية التفاعل بين الوطني والدولي، وهي الإشكالية التي تزيدها الأوضاع الدولية الراهنة حدة. فالعولمة كما تطبق حاليا تزيد الفقراء فقرا والأغنياء غـنـًى وهي لصالح الأقوياء على حساب الضعفاء. وإن ما نشهده من نقص في التغذية والدواء يؤدي إلى موت ما يناهز الـ 35000 طفلا يوميا هو في حد ذاته جريمة في حق الإنسانية. كما أن الوضع الذي يعيشه العالم اليوم يتميز بسيطرة قلة من الأنظمة تتحكم في مصير الشعوب وذلك في مناخ دولي غير ديمقراطي ومجلس أمن يخضع لإرادة أمريكا، وأنظمة مستبدة ترتكب حماقة كبرى تجعل نظام الحكم فيها فاقدا للشرعية إذ تتعامل مع القوى المهيمنة من موقع ضعف يجعل النظام يستسلم لها و يطبق تعليماتها في الوقت الذي تفرغ فيه المؤسسات من محتواها أوتمنع من القيام بوظائفها.

أما الإشكالية الأساسية التي تنطبق على بلادنا بنسبة كبيرة فهي الفارق الكبير بين الخطاب والشعارات من جهة وبين الواقع والتطبيق من جهة أخرى فيما يتعلق بالديقراطية وبحقوق الإنسان.

ولم تمنع كل هذه الإشكاليات من أن تحقق البشرية عديد المكاسب مثل تجريم العبودية لكن هذه الأخيرة أصبحت تنتهك بأساليب أخرى وحتى المحاكم الدولية فهي ما زالت عاجزة عن تطبيق القوانين الدولية على الجميع بسبب إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على استثناء مواطنيها من الإجراءات المتعلقة بجرائم الحرب وغيرها من الجرائم.

واختتم الأستاذ الطيب البكوش محاضرته بالقول أنه لا توجد ديمقراطية بدون حقوق إنسان ولا حقوق إنسان بدون ديمقراطية كما أنه لا ديمقراطية بدون تنمية ولا تنمية حقيقية بدون ديمقراطية.

وقد شارك في هذه الندوة عشرات المناضلين من المدن والقرى القريبة ومن الشخصيات الحقوقية يتقدمهم السيد سالم الحداد رئيس فرع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بولاية المنستير، كما تلت المحاضرة تدخلات عديدة ونقاشات ثرية مكنت من إلقاء الأضواء على ما تعانيه الديمقراطية وحقوق الإنسان في بلادنا وفي العالم.

وكان الرفيق جنيدي عبد الجواد عند ترحيبه بالأخ الطيب البكوش قد تعرض في كلمة افتتاحية إلى ما يتميز به الوضع الراهن في تونس في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان من "مضايقات متواصلة على النشاط العادي للأحزاب والمنظمات المستقلة وما تتعرض له الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بالخصوص من محاصرة ومنع ومن تهجمات ومناورات أشكالها متعددة وهدفها واحد وهو فسح المجال للسلطة كي تتصرف كما تريد مع الإنسان التونسي لتعلي شأن من يواليها وتهمش من يعارضها ولتحكم سيطرتها المطلقة على المجتمع ككل لتخضعه إلى منطق الخوف وهيمنة الحزب الواحد".

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose