attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > تـحـقــيــقــات > وسطاء تشغيــل معينات المنازل: عناوين وهميــة لمؤسســات استعــبـاديـة

في غفلة من القانون وفي حل من المحاسبة

وسطاء تشغيــل معينات المنازل: عناوين وهميــة لمؤسســات استعــبـاديـة

الثلاثاء 24 شباط (فبراير) 2009

" عجوز ايطاليّة وأخرى فرنسيّة ترغبان في انتداب معينات منزليّة مع ضمان الأجر المحترم والإقامة الجيّدة

JPEG - 20.2 كيلوبايت

وخاصّة "المعاملة الحسنة!" و"كما يقال عن الأصل فتّش"..هكذا تنطلق الحكاية بإعلانات يوميّة تغرق صفحات الجرائد لشركات أو لأشخاص يقدّمون جميع المغريات لاستدراج الباحثات عن العمل في المنازل مع الحرص على عدم تقديم ما يدلّل على هويّاتهم سوى مجموعة من الأرقام الهاتفيّة ليبقى للحالمات بالعمل فرصة اكتشاف المفاجأة.

الصّفة: وسيط في تشغيل المعينات المنزليّة!..العنوان المؤقّت: مكتب ضيّق في شارع وسط العاصمة يكتظّ منذ ساعات الصّباح الأولى بعدد كبير من الفتيات والنساء من مختلف الأعمار والجهات، خلف كلّ واحدة منهنّ حكاية لا تخلو من مأساة عنوانها الأبرز أريد عملا يمنع الجوع ويحفظ شيئا من الكرامة..طريقة العمل: يستقبل وسطاء التشغيل طلبات المؤجّرين ويوزّعونها على العاملات مع الحريّة المطلقة في تحديد مرابيحهم سواء باقتطاع جزء كبير من الأجر اليومي للعاملة إذا كان العمل المقترح مؤقّتا أو بإبرام عقد ثلاثي يخوّل للوسيط اقتطاع أرباحه من الأجر الشهري للمعينة إذا كان العمل المقترح قارّا، وقد يدفع ذلك إلى التساؤل عن الصيغة القانونيّة لمثل هذه الشركات وعن القوانين والتشريعات التي تنظّم صيغ انتصابها وطريقة عملها ومدى احترامها لأدنى شروط العلاقة الشغليّة التي يحدّدها القانون والتزام بحقوق العاملات؟ وما هو دور مختلف الهياكل في مراقبة هذا النوع من المؤسسات؟ ولماذا يبقى هؤلاء الوسطاء في حل من كل تتبع قانوني؟ وما مدى قانونية الإعلانات التي تنشرها هذه الشركات؟

ظهر قطاع مناولة اليد العاملة في تونس منذ سنوات كإفراز للتوجّه الاقتصادي للدولة الذي يقوم على قاعدة المرونة في العلاقات الشغليّة قصد رفع أعباء التشغيل عن القطاع العمومي والتخفيف من وطأة الاكتظاظ في الوظائف العموميّة التي تستنزف الاعتمادات المخصّصة للتقاعد والحيطة الاجتماعيّة، اضافة إلى الرغبة في تحسين جودة الخدمات خاصّة المتعلّقة منها بقطاع التنظيف في المؤسّسات العموميّة، ولم تجد الدولة غير ضرورة غضّ الطرف عن المستثمرين في قطاع المناولة ورفع العوائق القانونيّة عنهم وتسهيل إجراءات استحداث مثل هذا النوع من الشركات وذلك بسن تشريعات تقر مبدأ التعاقد المؤقت بين المؤسسات والأعوان بوساطة شركات المناولة
وقد خلق هذا الفراغ القانوني وانعدام الرقابة الحازمة حالة من الفوضى والتضخّم الكبير الذي شهده القطاع، بتناسل مكاتب وسطاء التشغيل مستفيدين من التكلفة الزهيدة لبعث هذا النوع من المشاريع وغياب أيّ رادع يحول دون
الاستثمار في اليد العاملة.

- 1- الإطار القانوني: إذا غاب القانون تحضر الفوضى!

على امتداد السنوات الأولى لظهوره لم يخضع قطاع المناولة لأيّ تقنين سوى بعض المناشير الصّادرة عن الوزارة الأولى قبل أن يقع مؤخّرا استحداث كرّاس الشّروط النموذجيّة المطبّق على الصّفقات العموميّة الخّاصة بالتزوّد بقطاع التنظيف، وهي وثيقة لا تلزم سوى شركات الخدمات العامة التي توفّر يد عاملة أو مواد تنظيف للمؤسّسات العموميّة ولا تنسحب على وكالات العمل الوقتي التي أغرقت القطاع، كما لا يسمح القانون لشركات الخدمات العامة بالتوسّط في العمل المؤقّت أو تزويد الأشخاص أو المؤسسّة الخاصة بمثل هذا النوع من الخدمات .

لذلك نشأت مكاتب التوسّط في تشغيل المعينات المنزليّة خارجة أيّ إطار قانوني إذ لا يتطلّب إحداث هذا النوع من المشاريع سوى الترسيم بالسّجلّ التجاري بالنسبة الى الشركات المناولة، أو الترخيص من الوكالة الوطنيّة للصّناعة بالنسبة إلى وكالات العمل الوقتي، أمّا أساليب العمل وصيغ التعاقد وتحديد هوامش الربح فتبقى خاضعة لإرادة هذه الشركات وهو ما فسح المجال أمام الوسطاء لممارسة ضروب عديدة من استغلال العملة وحرمانهم من أدنى الحقوق التي يكفلها قانون الشغل.

- 2- أصناف الوسطاء والمناورة على القانون

  • أ- شركات الخدمات العامة: أنشطة موازية تتجاوز الصّلاحيّات

استغلّ بعض أصحاب شركات الخدمات التي تختصّ بتوفير اليد العاملة للمؤسّسات العموميّة الترخيص المسند لهم ليقدموا على ممارسة نوع جديد من النشاط يتمثّل في التوسّط لتزويد الخواص بمعينات منزليّة يعملن بصفة مؤقّتة، إذ لا يتطلّب هذا النوع من النشاط سوى إغراق الصحف بإعلانات مغرية تتعهّد بتوفير شغل محترم لطالبات العمل في المنازل ثمّ تلقى طلبات المؤجّرين والقيام بدور الوساطة واقتطاع الأرباح من أجور العاملات، كما تعتمد هذه الشركات على عقود عمل ثلاثيّة تكون فيها المستفيد الأكبر، حيث تتمتّع بنسبة كبيرة من الأجر الشهري الذي يسلّمه المؤجّر للعاملة عن طريق الوكالة المناولة. ورغم أن قانون الشغل يحجّر التعاقد الثلاثي وينصّص على ضرورة التعاقد المباشر بين المؤجّر والأجير فانّ شركات المناولة تضطلع بدور الطرف الثالث الذي يتسلّم الأجر نيابة عن العاملة ليقتطع جزء هاما منه.

أمّا بنود العقد فلا تكفل أيّ حق للعاملة وتوفّر في المقابل جميع ضمانات الاستغلال للوسيط حيث تحرم العاملة من الأجر الأدنى القانوني ومن جميع المنح المنصوص عليها في قانون الشغل وخاصّة الضّمان الاجتماعي، كما يفرض العقد على الأجير العمل في أيّ مكان يحدده و يتيح للوسيط إمكانيّة فسخ العقد دون تقديم تعويضات أو مستحقّات للعاملة، وإضافة إلى ذلك تحرم العاملة من الاحتفاظ بنسخة من العقد أو بشهادة الخلاص الشهري التي يقع التلاعب فيها بالتصريح بالعدد الحقيقي لساعات العمل.

وأمام الحاجة الملحّة للعمل تجد العاملة نفسها مضطرّة الى الإذعان لاملاءات الوسطاء والقبول بالاستغلال، وقد بلغ الأمر ببعض طالبات العمل في المنازل والوافدات من المناطق الدّاخليّة للبلاد إلى المبيت داخل مكاتب وسطاء التشغيل بعد أن تعذّر حصولهنّ عن العمل في نفس اليوم الذي يفدن فيه الى العاصمة. ويفسّر بعض الوسطاء هذه الظّاهرة بالإقبال الكبير على عروض الشغل مقابل ضعف الطلب على المعينات المنزليّة وتعدد حالات الطرد والاستغناء عن الخادمات من طرف المؤجّرين.في المقابل يعدّ إقدام أصحاب مكاتب الوساطة على قبول إيواء العاملات مخالفة قانونية قد تحملهم مسؤوليات جزائية جسيمة

  • ب- وكالات العمل الوقتي: انتشار عشوائي في ظلّ غياب القانون

تتناسل مكاتب وسطاء التشغيل بصفة وقتيّة وتنتشر بصفة ملفتة في أغلب شوارع العاصمة ويقتصر نشاطها أساسا على التوسّط في تشغيل المعينات المنزليّة، وهي عبارة عن محلاّت ضيّقة تقتصر تجهيزاتها على مكتب وحاسوب، وقاعة انتظار، وتخصم أغلب هذه الوكالات أرباحها من الأجور اليوميّة للعاملات وينفرد أصحابها بتحديد نسبة الخصم التي قد تصل إلى نصف الأجر اليومي بالنسبة للوسطاء الذين يؤمّنون تنقّل العاملة من والى مكان العمل، وتخصم بعض الشركات الأخرى مبلغ 2000 ملّيم عن الأجرة اليوميّة للعاملة المقدّرة ب12 دينار عن كلّ عمليّة "تنظيف شامل".
أمّا النوع الثّاني من هذه الوكالات فتختصّ بتوفير اشتراكات سنويّة لفائدة الأشخاص الذين يطلبون معينات منزليّة، ويقدّر معلوم الاشتراك السّنوي ب150 دينارا حسب العقد المبرم بين الطرفين والذي يلزم الوكالة بإمكانيّة تغيير العاملة للمؤجّر مرّتين في السّنة، ويتضمّن عقد الاشتراك السنوي الذي يمضي عليه كلّ من الوكالة والحريف والعاملة تنصيصا على تمتّع العاملة بأجر شهري يدفعه المؤجّر بصفة مباشرة للمعينة المنزليّة، ويعدّ هذا النوع من الوكالات الأقلّ إجحافا في استغلال العاملات نظرا لتمتّعه ببعض الضوابط المنظّمة للعمل.

- 3- أيّ دور للنّقابات وتفقّديّات الشغل ومن المسؤول عن شبه السماسرة؟

أمام الفوضى الشّاملة التي تميّز قطاع التوسّط في تشغيل اليد العاملة وتحوّله إلى فضاء حيوي تمارس فيه جميع أصناف الاستغلال والتجاوزات ضدّ حقوق العمّال ورغم تطوّر عدد اليد العاملة التي تخضع لنظام المناولة والتي قدّرتها الجامعة العامة للمهن والخدمات ب30 ألف عاملة تنظيف و25 ألف عامل في قطاع الحراسة، فقد أصبح من المؤكّد التساؤل عن الدور الذي يجب أن تقوم به تفقّديّات الشغل والهياكل النقابيّة التي تهتمّ بقطاع الخدمات والمهن في التأشير للتجاوزات القانونيّة في قطاع المناولة والدعوة إلى تقنينه.

وفي هذا السياق يؤكّد مصدر من التفقديّة العاملة للشغل أنّ غياب الأساس القانوني لنشأة وكالات التوسّط في تشغيل اليد العاملة يجعل من الصّعب مراقبتها والتعامل معها على اعتبار أنّها مؤسّسات قائمة الذّات، فعدد كبير منها هو عبارة عن سماسرة بدائيين يعتمدون على تقديم العروض والإعلانات في الصّحف دون أن يكون لأغلبهم عنوانا واضحا أو صيغة قانونيّة معلنة، ولذلك يصعب تتبّع هؤلاء دون قيام السلطات المختصّة بحملة ردع شاملة لهؤلاء السماسرة وسنّ تشريعات واضحة لتقنين القطاع وإرساء علاقات شغليّة تقطع مع الاستغلال .

أمّا جامعة المهن والخدمات فقد أكّدت أنّها تبذل جهودا قصوى للدفاع عن العملة في قطاع المناولة وقد نظّمت عديد التظاهرات الاحتجاجيّة وأطّرت جملة من الإضرابات التي خاضها عملة التنظيف والحراسة، إلاّ أنّ جهودها غالبا ما تصطدم بعدّة عوائق تتمثّل في هشاشة نظام تعاقد عمّال المناولة مما يجعلهم عرضة للترهيب والطرد ويحول دون قدرتهم على الدّفاع عن حقوقهم والتصدي للاستغلال أو حتى مجرّد التفكير في إنشاء نقابات خاصة بهم داخل مؤسّساتهم، إضافة إلى عدم تشريك الاتّحاد العام التونسي للشغل في صياغة بنود كرّاس الشّروط النموذجيّة الخاصة بقطاع التنظيف. وتؤكّد الجامعة أنّ التحرّك ضدّ وسطاء تشغيل المعينات المنزليّة يعدّ ضربا من المستحيل نظرا للطبيعة الضّبابيّة والصفة المشبوهة لهذه الوكالات أو الأشخاص التي تخفي هويّاتها الحقيقيّة وتتحصّن بإعلانات من الغريب أن يسمح بنشرها دون التحري في مصداقيّتها وشرعيّة من يقف ورائها.


SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose