attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > 2007 من أرشيف > اﻷمل في التغيير بين اﻹمكان و اﻹستحالة

اﻷمل في التغيير بين اﻹمكان و اﻹستحالة

الأحد 25 أيار (مايو) 2008

حمدة معمر:

أحد أقدم أصدقائي من بعض من عايشوا بعض التحركات الطلابية أثناء مرورهم بفضاءات الجامعة التونسية أواسط السنوات السبعين من القرن الماضي، وما شهدته من عمليات قمع وعسف من السلطات وتشديد القبضة ضد قادة الطلاب وقتذاك في الساحة الجامعية ثم ضد قادة العمال إثر حوادث 26 جانفي 1978 والتي تكررت بأسلوب جديد خلال الأزمة النقابية سنة 1985 وما عرفته الساحة الوطنية من محاكمات ضد قادة بعض المجموعات السياسية سواء اليسارية منها أو القومية أو السلفية أو تلك المنشقة عن الحزب الحاكم وما تخلل كل ذلك من أحداث أخرى سياسية واجتماعية دامية ومنها الأحداث المسلحة بمدينة قفصة، ثم ما اصطلح على تسميته بانتفاضة الخبز في 3 جانفي 1984 والتي اندلعت بسبب ما اعتبر وقتئذ ترفيعا مشطا في أسعار الخبز، وما أعربت عنه الحكومة من نية في رفع الدعم عن باقي المواد الأساسية، وقد تخللتها أحداث عنف غير مسبوق شمل كافة مناطق البلاد وسقط جراءها العديد من الضحايا مضرجون بدمائهم مما أجبر السلطات إثرها على إعلان حظر التجوال ريثما تهدأ خواطر الجماهير الغاضبة وهو ما تم إثر قرار الزعيم الحبيب بورقيبة إلغاء الزيادات المقررة في أسعار الخبز فردت الجموع بتلقائية وسرعة لافتتين لنظر المراقبين وهي تهتف بحياته في نفس الشوارع التي شهدت قبل ساعات من ذلك تلك الحوادث العنيفة. كما شهد صديقي مثله في ذلك مثل كافة من عايشوا تلك المرحلة من تاريخ البلاد تلك السياسات الإنفراجية وقد انتهجت السلطة بمقتضاها خطابا إنفتاحيا على طلبات المجتمع وسمحت بتأسيس صحف مستقلة وناقدة مثلما اعترفت في خضمها بحق النشاط لرابطة الدفاع عن حقوق الإنسان ولجمعية النساء الديمقراطيات ورفعت الحظر الذي مس نشاط الحزب الشيوعي مدة 18 سنة وسمحت بخروج بعض الجماعات السياسية عن الحزب الحاكم وبتأسيسها لبعض الأحزاب السياسية الأخرى وبحقها في النشاط العلني إلا أنه سرعان ما تحول ذلك الإنفراج من جديد إلى جو من الإحتقان الشديد.

لقائل أن يقول ما الغاية من هذا العرض المكثف لبعض من أهم ما مر ببلادنا من أحداث صدامية ومأساوية في إطار مثل الذي نحن بصدده؟

أن غايتي من كل ذلك هو القول بضرورة توفير شروط إرساء الحياة الديمقراطية في بلادنا ، فعالمنا الذي نعيش فيه تتتالى فيه الأحداث بما فيها من أفراح حينا ومن نكبات و مآس أحيانا أخرى ، و ثمة من الناس من لا يعطلهم مجرى الأحداث وإن كانت قاسية عن مواصلة محاولة إزالة الأشواك والعراقيل من الطريق في حين يركن آخرون إلى الإستقالة من الكفاح من أجل تحسين ظروف الحياة وتلك هي المعضلة التي ينبغي محاولة إيجاد علاج لأسبابها. ولعله يجدر أن نذكر بما يقوله بعض الحكماء من أن قوة الإنسان تكمن تحديدا في قدرته على عدم السقوط في أتون اليأس عند حدوث الصعوبات.

إن صديقي الذي شهد كل تلك الأحداث الجليلة طيلة حياته عوضا عن أن يستلهم منها ما يبعث فيه القوة على تجديد محاولة إنجاز حلم التغيير إنتهى به الأمر اليوم، وللأسف الشديد، إلى رفض أي حديث عن الأمل في تغيير الوضع في البلاد معتبرا ذلك من رابع المستحيلات، وأن أي مجهود في سبيل تغيير العقليات هو بمثابة تبديد للوقت، بل هو أحلام مجنونة وأضغاث أوهام، وإن المرء ليحتار حقا في فهم كنه ما يريده صديقي فما إن يصادفني في الطريق حتى يستبشر برؤياي ويحييني أحسن تحية ثم يسألني عن آخر الأخبار المستجدة في الساحة السياسية الوطنية وعن تقييماتي الخاصة للأحداث الوطنية والدولية وذلك بصفتي مناضلا في حزب سياسي معروف في أوساط النخبة بجديته وتحمسه المخلص للتغيير. ولكن الويل لي كل الويل إن اتسم جوابي بمسحة من التفاؤل بالمستقبل، إذ أن صديقي، بعد كل هذه السنوات من الإنتكاسات والأزمات القطرية والإقليمية والكونية على حد السواء، بات يريد مني الإقرار نهائيا بعبثية أي مجهود من أجل تغيير الوضع والإنتهاء ببساطة إلى نفض اليد من النضال وأهله. وبطبيعة الحال، حاولت ما أمكن لي إقناعه بضرورة الإقلاع عن اليأس في التغيير، إذ لا يأس مع الحياة لكن دون طائل وبطبيعة الحال فإن الإنتكاسات والمحبطات ومظاهر الظلم والعسف والجبروت هي من الكثرة والتعدد بمكان بحيث لا يمكن حصرها ولكن مع ذلك فرغم كل مظاهر انسداد الآفاق والآلام التي يمكن أن تتسبب لنا فيها الأحداث فقد أعربت له دائما عن جازم اعتقادي أنه إن أردنا الحياة فعلا فلا مناص لنا من مواصلة الطريق الصعب، طريق المثابرة في المحاولات وبذل المجهود الدائم من أجل التغيير.

وقد علمنا تاريخ شعبنا وتاريخ شعوب أخرى أنه ما من وضع، مهما تعقد وتشعب إلا وله حل في آخر المطاف إن توفرت الشروط، ومنها بالخصوص وحدة النضال والقواسم الثقافية المشتركة والإيمان بعدالة القضايا المطروحة والمثابرة على طريق النضال وإرادة وتصميم لا يلينان أمام الصعوبات الظرفية ونحن في كل هذا لسنا كما يتصور البعض مجرد حالمين أبرياء نتجاهل حقائق الواقع بكل ما فيه بل بالعكس من ذلك نحن ربما نحس أكثر من غيرنا ذلك الإحساس المتفاقم لدى فئات كثيرة من مواطني هذا البلد بانعدام الأمن الإجتماعي و الخشية من المستقبل و نحن لا نتعب من البحث عن مخرج من المأزق الذي ينيخ بكلكله على كافة فئات المجتمع ، مخرج يوائم و يوازن بين مصالح جميع الفرقاء و يضع اللبنة الجدية على طريق حل مشاكلنا المستعصية . و لكن ينبغي القول أنه بسبب تواصل ثقافة الإتكال على الآخر و عدم الإستعداد للمشاركة في الصراعات السياسية لدى رجل الشارع ، و الميل الغريزي المتبادل لدى النخب المختلفة في التفصي من مسؤولية التغيير بإلقاء مسؤوليات الفشل على الآخرين فإن نداآتنا لم تجد الإستجابة الكافية لا من المواطن العادي و لا من المنظمات الأخرى الممثلة لفئات مجتمعنا علاوة على أن غياب ثقافة النقد و التهرب من مقتضيات الكفاح و عدم الإهتداء إلى أي حل للتخلص من مشاعر الخوف الذي يشل طاقات أغلب أفراد المجتمع عن الإهتمام الفعلي بأي نشاط عمومي و ذلك خشية من التعرض للملاحقلات الأمنية و المساءلات و مضايقة سبل العيش مثلما حصل ذلك للكثيرين بعد تشريعيات 1981 و 1986 و غيرها من المناسبات السياسية التي شارك فيها البعض و دون حسابات لكن حصل له ما حصل في ما بعد ذلك من منغصات في شغله و ضرب لمصلحته الخاصة و إذاية لحياته العامة مما يجعل اليوم هذا البعض يفكر مليون مرة قبل الإقدام على أي عمل أو حتى مجرد إهتمام بالشأن العام و تبقى في رأيي بعض الأسباب الرئيسية لهذا التقلص السريع للحركات المعارضة النخبوية و عدم تواصل زخمها الأول و انكماش الحركات المطلبية الشعبية قياسا بما كان عليه الأمر طيلة السنوات السبعين و الثمانين و حتى سنوات التسعين هي جدة التقاليد و الثقافة الديمقراطية في التربة الوطنية و ذلك لدى أفراد النخبة الحاكمة و المعارضة على السواء كما لدى مجموع فئات الشعب مما لم يمنحها مقومات التوسع و الصمود لدى مواجهتها للأفكار المغايرة .

ما الحل إذن ؟ لا حل خارج الحوار و التفاهم و التلاقي في اجتماعات للتأمل و التفكير في مشاكل البلاد و معضلاتها و اكتساب إحدى عادات المجتمعات الحديثة ، عادة العمل السياسي السلمي و القانوني و العلني و المنظم من أجل تعبئة الناس في اتجاه المصلحتين العامة و الوطنية و دون إقصاء أو تهميش لأي كان و إذا كان البعض يعمل أحيانا أو يخطط من أجل تحويل منظمته السياسية إلى آلة عداء ضد كل من يخالفه الرأي فإننا نرى أن المنظومة الديمقراطية في البلدان الحديثة و ثقافة حقوق الإنسان لا تسمح باستعداء أي كان لأي كان و ما التوتر و التشنج الذي يسم بعض ندواتنا السياسية سوى من رواسب الثقافات البائدة ثقافات العنف و السرية و الحرب الباردة و الخلاف الصيني السوفياتي صلب الحركة الشيوعية العالمية أما اليوم فإن السياسة في معناها السليم لا يمكن أن تكون خارج الأعمال التي تفيد الناس ، الأغلبية الساحقة للناس و بالخصوص ذوي المصلحة في التغيير و لكن رغم نظرتنا تلك ، فنحن لا نرى أية إمكانية لتغيير العقليات دفعة واحدة و دون تدرج و لذلك فحتى تلك الأعمال المشبعة بالروح السلبية و الكراهية و إضمار العنف و عدم احترام حق الإختلاف فإننا لا نرى حاليا إمكانية تغييبها تماما من حياتنا السياسية و الفكرية و الأخلاقية و بالتالي لا يمكن لنا منطقيا إعتبارها خارج العوامل اللازمة لبناء الحياة المزدهرة التي تحتاجها بلادنا
و عودة إلى صديقي اليائس من التغيير لأقول له أنه ، حتى و إن ليس لنا أجوبة عن كل المسائل و المعضلات التي تعاني منها بلادنا مثلما تعاني منها أغلب بلدان العالم في ظل العولمة الرأسمالية المجحفة ، فإنه لا مستقبل لنا و لا لغيرنا إن لم نتحرك أولا في اتجاه التفكير في سبل النهوض و ثانيا في اتجاه التعبير عن رفضنا أو قبولنا للسياسات المتبعة قطريا و إقليميا و دوليا ، إذ " لا حركة ديمقراطية بدون عاملين من أجلها و بدون تفكير ديمقراطي " فلا مجال لنا كأفراد في الأسرة الوطنية و في الأسرة البشرية بأن نلتزم مجرد الفرجة على الأحداث إذ أن كل الأعمال السياسية و الثقافية و الفكرية و الإقتصادية تؤثر في كل فرد منا سلبا و إيجابا أحببنا أم كرهنا و بصرف النظر عن مشاركتنا أو عدم مشاركتنا في إنجازها و صدق ذلك المفكر الذي قال أن " المسائل السياسية هي مسائل جميع الناس و مسائل جميع الناس هي مسائل سياسية" فحتى إن قررنا هجر عالم السياسة و أهلها ، فإن السياسة و أهلها لن تتوقف عن الإهتمام بنا ، فتضر بنا أحيانا و تفيدنا حينا ، إذن ما العيب في أن يعطي المواطن مسألة التعاطي مع السياسة حقها من الإهتمام ؟ و لا بأس عندها من التفكير في السبل الكفيلة بإرساء حياة سياسية متطورة و مزدهرة و بأقل آلام ممكنة لجميع الفرقاء إذ يبدو أن المسألة أيضا بالنسبة للكثيرين منا فيها شيء من الخوف من أخطار التعسف جراء نشاطاتنا و هنا ينبثق سؤال آخر في إلحاح : لماذا تجنح السلطة إلى التعسف ؟ أيعكس ذلك فهما صحيحا لما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين الحاكم و المحكوم في عالم اليوم أم لا ؟ ثم هل يشي ذلك في عقول رجال السلطة باطمئنان على المستقبل أم العكس هو الصحيح أي خوفهم على مستقبلهم ؟ ما العمل إذن لإشاعة مناخ الإطمئنان الضروري بين جميع الفرقاء لتحقيق دمقرطة الحياة السياسية الوطنية ؟ و بعبارة أخرى ما السبيل للتخلص من هذا الخوف المرضي من الإلتزام السياسي لدى الناس ؟ و ما السبيل أيضا لجعل السلطة تقلع عن جنوحها على إرهاب الناس و تفتح باب الحوار الجدي مع المعارضين و أصحاب الرأي ؟

إن بلادنا في حاجة لمشاركة أبنائها في تطوير الحياة السياسية الوطنية في إطار الحرية الواعية و المساواة التامة بين كافة المواطنين حكاما و مناضلين في المعارضة الديمقراطية و في إطار من الإستقلالية و بعيدا عن محاولات تكريس فروض الولاء المعتادة .

اإن معركة إرساء الديمقراطية السياسية في بلادنا لا تقل أهمية عن معركة التنمية الإقتصادية و الإجتماعية ولكي تربح بلادنا معركتها هذه في هذا العالم الذي لا يرحم البلدان الضعيفة و الذي نسجل فيه عودة الحروب الهمجية ضد شعوبنا و تكالب قوى الغطرسة الإستعمارية من جديد و عودة أطماعها و نشاطاتها الإستيطانية ضد بلدان منطقتنا فإنه لا مناص لنا من أن نجدد الرهان على أبناء شعبنا فلا أحسن من الإعتماد على الذات تماما مثلما قام به آباؤنا في فترة الكفاح ضد الحماية الفرنسية ، و ذلك حتى نتمكن من التحصن ضد الأطماع الأجنبية مهما كانت.

و إن الحدث الأخير الذي تمثل في الإقدام على عملية الإغتيال السياسي الهمجي ضد أحد الحكام العرب الرئيس الشرعي للعراق المحتل بعد إزاحته من الحكم عن طريق القوة الأجنبية الغاشمة يبين مدى الإستخفاف الذي باتت تعامل به حكومة الولايات المتحدة و ربيبتها الصهيونية ليس شعوبنا العربية و الإسلامية فقط و إنما حكامنا أيضا
و ذلك يقتضي حقا إعادة نظر جدية ، شاملة و عاجلة من قبل مثقفينا و مفكرينا لكافة السياسات المتبعة في الماضي التي لم تفدنا في الماضي و لن تفيدنا حتما لا في الحاضر و لا في المستقبل .

لكي تربح بلادنا معاركها المقبلة ، فإن الواجب يقتضي منا التوجه للبحث عن أقوم السبل لتأمين البناء الوطني المشترك ليس بالإعتماد على المنظمات النقابية و المهنية و الجمعياتية و الحزبية ، بنفس الطرق التقليدية التي سيطرت على ممارساتنا العامة في الماضي بل بالسعي للإرتباط حقا بكافة أفراد الشعب من العمال و البطالين و التجار الصغار و الفلاحين الفقراء و صغار الموظفين و المستخدمين المتقاعدين و المثقفين و المبدعين و الفنانين و الأدباء و المفكرين و الصحفيين و الكتاب و أصحاب المهن الحرة و رجال الأعمال الوطنيين و كافة العزائم الصادقة حتى تصبح مسألة الدفاع عن مصلحة الوطن و رديفها مسألة البناء الديمقراطي لا قضية بعض "المتخصصين" في الشؤون العامة و إنما قضية جميع طبقات و فئات و أفراد مجتمعنا و ذلك حتى تمنح بلادنا لنفسها القوة الأخلاقية و الفكرية و الثقافية و السياسية اللازمة لتحقيق النهوض و المناعة .

إننا نريد للعشرة أو إحدى عشرة مليون مواطن في هذا البلد أن يأكلوا ، و يكتسوا ، و يسكنوا ، و يتعلموا ، و يتثقفوا ، و يأمنوا على مستقبلهم و أملاكهم و حياتهم و ينشطوا في أحزابهم و نقاباتهم و جمعياتهم بالحرية الواعية التي ينبغي على نخبتنا الوطنية التوافق على تحديد جدي لمضمونها كما نطمح أيضا إلى أن لا يكون لأي بلد آخر مهما كان جبروته يد عليا علينا .

المسألة بكل تأكيد ليست من المستحيلات. إذ أن ما تحتاج إليه بلادنا فقط هو حسن استثمار عقول أبنائها مهما كانت توجهاتهم و تفكير قادتها على مختلف مشاربهم في ما عساه أن يؤثر في اتجاه وضع سياسات تحقيق المناعة الوطنية في صدارة أهداف نشاطاتنا الفكرية و السياسية و إكساب سياسات إحاطة الطبقات و الفئات الإجتماعية الدنيا الأهمية المستحقة و إرساء أسس الحوار الحقيقي مع ممثلي المعارضة الديمقراطية. تلك هي طلبات مجتمعنا و فئاته الواعية و الأمل يبقى معقود دائما و بكل تأكيد على تحقيقها إن آجلا أو عاجلا .

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose