attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > في العالم > عمق المأزق الأمني الإسرائيلي

نتائج انتخابات الكنيست تؤكد:

عمق المأزق الأمني الإسرائيلي

الثلاثاء 17 شباط (فبراير) 2009

عبد العزيز المسعودي

باحت الانتخابات التشريعية الاسرائيلية أخيرا بنتائجها، وكما كان منتظرا حصدت الأحزاب اليمينية المتطرفة حصة الأسد من مقاعد الكنيست بما يجعلها قادرة على تشكيل حكومة ائتلاف تستثني الاحزاب المحسوبة تقليديا على ما يعرف بـ"اليسار الاسرائيلي" ممثلا بحزب العمل وحركة ميرتس وربما حتى يسار الوسط ممثلا بحزب كاديما الذي تتزعمه نائب رئيس الحكومة ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني.

ويرى الملاحظون أن أهم ما يمكن استنتاجه من الانتخابات الأخيرة هو انهيار حزب العمل الذي سجل أسوأ نتيجة انتخابية في تاريخه .13 مقعدا من أصل 120 في الكنيست. وتقهقره الى المرتبة الرابعة في ترتيب الاحزاب الصهيونية، بعد أن كان الحزب القائد للحكومات الاسرائيلية منذ تأسيس الدولة العبرية. ولفترة طويلة من الزمن حتى نهاية سبعينات القرن الماضي.

وقد حدث هذا التراجع الملحوظ لمكانة الحزب بالرغم من المساهمة المميزة لزعيمه ايهود باراك في الاشراف على قيادة العدوان الهمجي الأخير على غزة الى جانب زعماء "كاديما" ايهود أولمرت وتسيبي ليفني.

صعود ملحوظ لغلاة الصهيونية

واضافة الى أفول نجم حزب العمل الذي يرى عدد من المحللين أنه يجسد نزعة تاريخية لا رجعة فيها، بالنظر الى التغييرات الحاصلة في تركيبة المجتمع الاسرائيلي على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والتي أفقدت الحزب قاعدته التاريخية، فإن تنامي قوة الاحزاب المتطرفة يبدو السمة المميزة الأخرى لهذه الانتخابات، فبالاضافة الى حزب "شاس" .الديني المتطرف. بزعامة ايلي بشاي والحاخام المتطرف عوفاريا يوسف الذي حافظ على عدد مقاعده .11 مقعدا. مما يجعله في المرتبة الخامسة بعد حزب العمل، تمكن أكثر غلاة السياسيين الصهاينة وقاحة وعدوانية ليبرمان زعيم حزب "اسرائيل بيتنا" من حصد 15 صوتا متقدما بذلك على حزب العمل، وقد تميزت حملته الانتخابية باطلاق تصريحات نارية دعى فيها الى اعادة احتلال غزة واستئصال حركات المقاومة، وقد كان اقترح سابقا ضرب سد أسوان المصري بالنووي.

اما الليكود فلم يتمكن من تحقيق اختراق يذكر، بعد أن احتل المرتبة الثانية بفارق مقعد وحيد عن حزب "كاديما" الذي تصدر قائمة الفائزين بـ28 مقعدا.

مأزق الحكومة الجديدة

إن حصول الحزبين الرئيسيين "كاديما" و"الليكود" على عدد متقارب من الأصوات في ظل تنافس زعيميهما ايهود نتنياهو وتسيبي ليفني على قيادة الائتلاف الحكومي المقبل يهدد بتواصل الأزمة السياسية التي اندلعت في اسرائيل منذ استقالة الوزير الاول الأسبق ايهود أولمرت، وعدم تمكن خليفته على رأس كاديما من تشكيل حكومة جديدة تحظى بموافقة الكنيست.

وبالرغم من فوز "كاديما" بالمركز الأول، بما يؤهلها للتكليف بتشكيل الحكومة الجديدة، فإن الطريق امامها تبدو غير سالكة، فهي لا تستطيع إعادة الائتلاف الذي أوصل أولمرت الى الحكم، كما أن دعوتها لتشكيل حكومة "وحدة وطنية" مع حزب الليكود، لا يقبلها هذا الأخير إلا برئاسته وعلى أساس برنامجه مما يعني انتهاء ما يعرف بعملية السلام التي تدور في إطارها المفاوضات الماراطونية مع حكومة عباس منذ أكثر من سنة، والتي لم تحرز من خلالها أي تقدم يذكر.
وفي المقابل، فإن نتنياهو القادر على حشد العدد الكافي من الأصوات لتأمين حصوله على ثقة الكنيست ليس مرتاحا لرئاسة حكومة تتكون حصريا من ائتلاف الاحزاب اليمينية، التي تُجمع على رفض حل الدولتين، والاعتراف بالحقوق المشروعة للفلسطينيين في حدها الأدنى الذي قد تقبل به السلطة الفلسطينية الحالية بزعامة محمود عباس، كما يدرك نتنياهو جيدا، أن حكومة تستبعد حزب العمل قد لا تحوز على رضا الاطراف الدولية الفاعلة، ومن شأنها أن تسبب احراجا غير مرغوب فيه للقيادة الامريكية الجديدة التي عبرت عن عزمها دفع عملية السلام وتحقيق انفراج ملموس في الوضع المتأزم لمنطقة الشرق الاوسط سوف لن يكون ممكنا دون تقديم ما تعتبره القيادة الصهيونية "تنازلات مؤلمة".
وهكذا يبدو المأزق كاملا، لأن الاطراف السياسية الرئيسية في المجتمع الاسرائيلي تريد "الزبدة وثمن الزبدة" كما يقول المثل الفرنسي، أي تحقيق السلام مع الفلسطينيين دون دفع أي ثمن، وهو ما قد يؤشر الى قيام ائتلافات غير مستقرة، قد تنفرط عند تعرضها لأول امتحان صعب.

ومما يزيد في تعقيد الاوضاع، أن الحكومة الجديدة ستواجه منذ اللحظة الأولى لتشكيلها تحديات أمنية على درجة قصوى من الأهمية بالنسبة إلى مستقبل الدولة الصهيونية.

فالحرب على غزة لم تزل مفتوحة والخيارات أمامها محدودة جدا، وهناك قضية الجندي الأسير والأسرى الفلسطينيين وقضايا المعابر والحصار على غزة التي أصبحت تثير قلقا متزايدا لدى الرأي العام الدولي الذي بدأ يضيق ذرعا برعونة التصرفات الاسرائيلية واستهتارها بالقوانين الدولية، بل وبأبسط الحقوق الانسانية للشعب الفلسطيني والضغوط المتزايدة التي أصبحت تسلط على القادة الاسرائيليين من سياسيين وعسكريين المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم إبادة ضد الفلسطينيين.

ومن الملفات العربية العالقة ملف المفاوضات مع سوريا حول الجولان المحتل ومع لبنان حول مزارع شبعا وتلال كفر شوبا وقرية الغجر. إلا أن أخطر الملفات المطروحة على القيادة الجديدة تتمثل بدون أدنى شك في "النووي الإيراني" وهي القضية التي تقف على رأس قائمة الاهتمامات الدولية والأمريكية تحديدا، ولكنها تشكل مصدرالقلق الرئيسي لاسرائيل، والتي تشهد تعاظم قوة خصمها اللدود، وجنوح القوى الدولية الفاعلة بما في ذلك الادارة الامريكية الجديدة، الى تفضيل الحلول السياسية في التعامل مع هذا الملف، وهو ما يعكس الرغبة الجامعة للقادة الاسرائيليين في الحسم العسكري السريع والتخلص نهائيا من مصدر التهديد الرئيسي لها في المنطقة ـ على حد رأيهم.

وبهذا المعنى يصبح تشكيل الحكومة الاسرائيلية الجديدة مصدر انشغال دولي، لأن أي مغامرة قد تقدم عليها القيادة الصهيونية الجديدة، التي أكدت أكثر من مرة عزمها على تدمير المنشآت النووية الايرانية مهما كان الثمن، وسواء أكان ذلك ضمن قرار دولي أو دونه وهو ما يأخذه الجميع على محمل الجد، لأن اسرائيل مجرم حرب من ذوي السوابق.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose