attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > 2007 من أرشيف > الـحـرّيـات؛ و الـحـرّيات أسـاسـا؛ قــوام الحكم الرشيد

الـحـرّيـات؛ و الـحـرّيات أسـاسـا؛ قــوام الحكم الرشيد

الأحد 25 أيار (مايو) 2008

بقلم محمّد الصالح فليـس

مـازالت الأحداث المسلّحة الدموية التي عاشتها البلاد بمرارة و غبن شديدين تكدّر الجهاز الهضمي للنخب و للمواطنين؛ و تنخر في فكر الجميع و تخدش الآمال الوطنية الواسعة ؛ و لانّ أسلوب التفاعل السلطوي معها كان سلطويّا بامتياز و بمفاهيم غابرة مــا دام قـــد ترك البلاد قاطبة على جوعها وعطشها و خوفها و ألمها و توجعها...

ولذلك ؛ فانّ الحديث حول هذه الأحداث ما زال مرشّحا لان يطول و يتكرّر و يتوٍسّـع...

- 1

منذ البدء أخطأ الاسلوب مرماه..

لم يكد يفرغ الشق المنتصر من قيادة الحزب الحرّ الدستوري الجد يد من التفاوض مع المستعمر حتى هبّ لبناء أركان دولة بديلة اقترن قيامها باختلاف تقديري شقّ قيادة الحزب على خلفية تقييم الخطوة المحققة من منظور أهداف الحركة الوطنية؛ فرأى المنتصر أنها خطوة إلى الأمام؛ ورأى الشق الذي انهزم أنها خطوة إلى الوراء..
و كــان أسلوب إدارة هذا الخلاف قد قام منذ بداياته على أساس العنف والتصفية الجسدية بمعناها الثأري في غياب التنظيم والخبرة والجاهزية للاجهزة المعدّة لذلك.

وهذا ما طبع الدولة الناشئة بمنطق العنف كأداة مثلى لحسم الخلافات السياسية؛ وأرسى ثقافة سياسية تنبني على هذه المقوّمة.

وتوارثت في ظلّ هذه الثقافة مختلف أجنحة السلطة التي حكمت البلاد لمدّة نصف قرن جوهر هذه الثقافة السياسية التي أصرّت على تجريم المشاركة الشعبية؛ وعمدت إلى إغلاق الطرق أمام التئام وسائل و آليات هذه المشاركة؛ وقطع قنواتها الشرعية واغتيال كلّ الفرص التي تسمح بتوسّع نطاقها؛ فاتحة الباب على مصراعيه لثقافة الاستبداد و الحكم الانفرادي..

- 2

وفي ظلّ غياب ثقافة سياسية تقوم على وجوبية المشاركة الشعبية من حيث
هي ركيزة جوهريّة لأي نظام سياسي منخرط في العصر؛ تدحرجت في ظرف زمني وجيز قيم التشبث بالوطن؛ والثوابت الوطنية التي شكّّلت أداة توحيد أوسع الفئات التونسية ضد المستعمر؛ وخلى المجال للموظفين والمستأجرين الذين يكتفون بالقيام بما يطلب منهم و كأنّهم متعاقون فنيون غرباء خالية جعبتهم من كل بذرة وطنية ؛ إذ غدا الوطن غريبا عنهم و بادلوه من ناحيتهم ذات الشعور فغدوا غرباء عنه.

وإلا بماذا يمكن أن ننعت هؤلاء الموظّفين الذين ينصحون بإلحاح بعدم التدخل
في الشؤون التي تتجاوز عوائلهم المباشرة ؟

وكأنها جريمة أن يهتّمّ المواطنون؛ كلّ من زاوية اهتماماته بجوانب من الشأن العام في إطار جمعياتي أو حزبي أو مهني أو مواطني“

وإذا كان الإصرار على الإسهام الفاعل في معايشة معاناة الوطن ضربا من ضروب التهوّر وإقحام النفس فيما لا يعنيها؛ فماذا نسمّي الاستقالة و الانعزالية والانغلاق ؟

- 3

تـونـس جـديـرة بإعلام و ثقافـة محـرّريـن

مـا يجدر بنا إعلام لا يستحي من تسمية نفسه بجلاء ويرفض التعتيم والغموض ولا يخشى الحقيقة قولا وترويجا ودفاعا......

إعلام أهدافه تربو عن المديح الباهت المجترّ والمنافق وعن التشخيصية الطفولية المقيتة ؛ ويعلو عن احتقار ذوق وذكاء المواطنين الذين يعلمون؛ ويحدسون ؛ ويقارنون..

إعلام يعلن بكلّ نخوة واعتزاز بأنه يعمل على إعلاء كلمة تونس بما هي أسمى و أكبر من كلّ الأحزاب والمجموعات والبطانات والأشخاص لإنارة أبنائها ورفع راية الحقيقة خالصة؛ والإسهام في إشعاع مثقفيها ونخبتها ومبدعيها في كلّ مجالات الابداع ....

ولـن يتسنى ذلك إلا إذا أقــد م الإعلام على فضح كلّ الممارسات والصيغ التي يستعمل فيها اسم تونس وفضاؤها مطـيّة للأهداف الفئوية المبتذلة؛ و قنطرة لبلوغ المآرب الضيّقة؛ كما والتشهير بكلّ من يسيء لتونس في أيّ وجه من وجوه حقيقتها أيّا كان اسمه ومنشؤه ومكانته ...

ومازال إعلامنا ؛ مع الأسف الشـــد يـــد ؛ يخضع بالكامل لهيمنة السلطة الخانقة تسييرا وتعيينا وتأطيرا وصرفا ومحتوى وشكلا؛ ممّا جعل إعلامنا مجموعة قطع متحفيّة خليقة بأزمنة ولّت و بـلت ؛ لا تصلح إلا للتهليل بمنجزات وخوارق لا وجود لهل إلا في أوهام الواهمين ؛ وفي خيالات
المتشبهين..

وكـامتداد لهذه الحالة الرثّة لإعلامنا المتخلّف فانّ كل النشاطات الثقافية تخضع بدورها لـذات الخـنق والتحديد والتضييق والتكبيل والمنع والتغييب...

وستظلّ رغم كلّ شيء حاجاتنا قائمة إلى ثقافة لا يرهبها الاختلاف وينشيها الثراء والتنوّع ؛ ويذبل عروقها الإجماع المخيف الذي جُـرّب لمدّة طويلة فأتى على الأخضر واليابس؛ وخدم مصالح لم تثمر ولم يعمّـر المنتفعون منها فدفعت تــونـس كالعادة من جـرّائها ثمنا باهظا قيمته تقهقرٌ حضاري
سحيق وإحباط نخبوي مرير.

إن المسرح الجيّد والكتاب الفاتح والقصيد المحبوك والفيلم الرصين والبحث الراقي كلّها أعمـال محبّبة ومرحّب بها؛ وهي ضاّلُة جانب لا يستهان به من مثقفينا؛ ولكنّ السلطة هي التي تضيّق الخناق على الجودة الثقافية لأنها تخرج عن منظور رؤاها وتخدش كبرياء خـطابها الذي يجتهد للإيحاء بامتلاك كلّ حقيقة تـونـس ...
ومـا دامت الجودة الثقافية لا تتنفّس إلا الهواء الحر و لا تنمو إلا في مناخات الحرية و لا يتصاعد لهيبها إلا بوقود الحريّـات المرفرفة ؛ فإنها تختنق كلّما أصابتها بدائـية الهيمنة وفظاعة التحديدات ومرارة التوجيهات والقيود الشرطيّة..

ومن ثمّة؛فانّ مثقفينا؛ مثل شبابنا؛ يولون وجوه إبداعاتهم نحو البلدان التي تسودها المناخات المتحرّرة وتُحترم فيها الحريات الأساسية؛ و أوّلها حق الاختلاف وحق التعبير عن ذلك...

- 4

كـلّ هذه الحريّـات ما زالت تنكرها سلطة الحكم على شعب تونس؛ بل و تجتهد بكلّ قواها للامعان في تغييبها وحرمان التونسيين من معانقتها لأنها اختارت أن تحكم البلاد بمفردها بتقويـــة الشرعيّة الُعرفيّــة وبتغييب حق المحكومين في مراجعة حاكميهم ومساءلتهم؛ وبشطب مبدا التداول الشرعي
على السلطة... وهـو مـا أفرغ الاستقلال من جوهر محتوياته و قتل مؤسسة الجمهورية
باعتبارها نظاما يقوم بطبيعته على المشاركة الشعبية في صيغها المتعدّدة ؛ وأضفـى على الإجراءات الايجابية التي تحقّقـت بفضل تضافر عوامل ليست السلطة سوى طرف فيها؛ طابعا جزئيا انتقائيا لم يمّكنها من الارتقاء إلى مصاف السياسة المتكاملة والمبنية على تصوّر المنطق الوطني المتكامل الذي يصرّح بأهدافه متواصلة ويصيغها في البرامج المتدرجة و يعبئ لها الآليات
و الصيغ و الأساليب الملائمة ...

ٌ لانّـا اعــتــرفنا أخـيرا:

بـأنّ الــبـلاد مـراع

و هــــذي الهـــراوة راع

و نـحـن قطيع الشـيـاه

لــنــشــــرب

اذن

أيّــها الــصـــامـتون

ـ كــعـادتــنا ـ

نــخــب كــلّ الـطـغـــاه....

مـن قـصيد: اعـتـراف

ابراهيم نصر اللـه

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose