attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > الطريق الثقافي > في التدوين على الشبكة العنكبوتية

نبض الكلام

في التدوين على الشبكة العنكبوتية

الثلاثاء 17 شباط (فبراير) 2009

الحبيب الحمدوني

صديقي كان يدرك جيدا أنني لست ماهرا في فنون التكنولوجيا وبخاصة تكنولوجيا الانترنيت ولا حتى غيرها لأن عقلي قدّ بشروط غير تكنولوجية ومتضاربة مع العلوم الصحيحة ومنجزاتها. ورغم إدراكه هذا، فقد احتج عليّ لأنني لم أفتح لنفسي مدونة على الشبكة العنكبوتية كسائر خلق الله المسايرين لركب الحضارة والتطور أجمع فيها نصوصي المتناثرة وأوثقها حفاظا لها من الضياع والتلف وأطرح فيها أفكاري وأتبادل الرأي فيها مع الآخرين وأتلقى تعليقاتهم ونقدهم بما يساعدني على مزيد التحسن والتجاوب مع نبض الرأي العام والمهمومين بمثل ما أنا منهمّ به. أجبته بأنني مكتف بالكتابة الورقية وبالعنوان الالكتروني . فما اعتمّ أن انبرى يعدد لي محاسن المدونة وفوائدها. فهي عنده كنز المعلومات الأضخم والأكبر والأفيد على الإطلاق . والتدوين هو ثورة الاتصال الحديثة لأنه يعطي الفرصة للمدونين كي يعبروا عن آرائهم وأفكارهم وأحوالهم بكل حرية وبعيدا عن الرقابة والمنع ويمكّنهم من إشباع حاجتهم إلى الحديث والتحاور مع الآخر.

عقبت عليه بأن الصحافة المكتوبة والكتاب يتيحان هذا أيضا ولو بصورة نظرية. أجّج صوته وحملق في وجهي مستنكرا تسلط رؤساء التحرير ومديري التحرير وكل من هب ودب من أصحاب النفوذ وتدخلاتهم فيما يمر بين أيديهم من مواد أو ما يوشى به إليهم وكثرة أوامرهم ونواهيهم . بينما المدون يكون في حلّ من هذه المآسي وتراه منفلتا من كل عقال ومن كل ضبط يعمل وفق هواه وحسب مشيئته هو لا مشيئة الآخرين. زيادة على هذا، المدونة يزورها الآلاف المؤلفة في حين أن الصحيفة لا يقرؤها إلا عدد محدود خصوصا إذا كانت جادة وموضوعة في خانة "المغضوب عليهم" أو "شبه المغضوب عليهم" حتى لكأن نفس الجماعة تكتب وتقرأ لبعضها البعض في دائرة محكمة الإغلاق على عكس المدونة التي تكون أبوابها مشرعة للزائرين المتساقطين كل لحظة من كل حدب وبلا توقف. وقد يصل الأمر إلى حجز الصحيفة ومنع وصولها إلى القراء. وذكّرني بما حدث لجريدتنا منذ أسبوعين موفرا لنفسه الحجة الدامغة. ثم يعلي من نبرته أكثر فأكثر مستدلا بما يحدث من مشاكل في عالم النشر والكتب مؤكدا غياب الناشرين ودور النشر لمن يتعاطى مع المدونة. فلا أحد يرشّح كتابك للنشر أو يرفضه. ولا أحد يختم جوازه من عدمه. ولا أحد يضع دونه العوائق والعراقيل . ولا ورق . ولا كرتون مقوّى للعنوان . ولا ألوان. ولا حبر. ولا أموال. ولا ترقيم دولي. و لا مطلب إيداع قانوني قد تتحصل على الرد عليه بعد أشهر أو بعد أن يشيب رأس الغراب. وما فتئ أن صعّد من لهجته مؤنّبا إياي على ضعف ذاكرتي ونسياني لكتابي الذي اختطفوه من المطبعة بنسخه الألفين ولم يعيدوه إلى اليوم رغم صدور قرار رفع المصادرة عن الكتب والأعمال الفنية منذ نوفمبر 2007. ثم رفع عقيرته على النحو الذي استجلب انتباه أهل الجوار في المقهى مشددا على أن المدونة هي قوة العصر لا تعادلها لا قوة المال ولا قوة السياسة ولا حتى قوة العساكر. هي، في نظره، سلاح نافذ فتاك أمضى من أشد الأسلحة الحديثة تطورا.

ثم لما استسمحته السكينة والتمست منه هدوء الروع ،لان صوته قليلا لكنه لم يليّن موقفه قيد أنملة ولم تفتر روح المحاججة لديه مقدار شعرة. وأضاف متحدثا عن فارق آخر يتصل هذه المرة بالأسلوب. فالمدون يستخدم صوتا إنسانيا أكثر تلقائية وأكثر طبيعية واعرق في الأصالة بما أنه يعمل خارج الضوابط والإكراهات. وهو يصيخ فقط لما يعتلج في البواطن . فهو يعبر عن الجوهر الإنساني الذي لا يمتثل لوصاية ولا يخضع لتوجيه. المدون هو صوت الإنسان الضارب في أعماق الإنسانية . هو صوت الإنسان الحق، الإنسان كما شاءت له الحياة أن يكون. في المقابل ، الصحفي أو الكاتب ملزمان دوما بالركوع أمام المعايير السائدة : معايير الفن والقيم الاجتماعية والأعراف والأصول والسياسة والأدب والفكر والإيديولوجيا وأخلاقيات المهنة وحتى المعايير المزاجية الشخصية لمالك الصحيفة أو لرئيس التحرير أو للناشر أو معايير الظرف العام طارئا كان أو مسترسلا. وهو ما يجعل صوت الصحفي أو الكاتب صوتا خافتا ومقنّعا ومحكوما وآليا، وفي أحيان كثيرة فاقدا لنبضات الصدق وعاجزا عن التفتق والانطلاق. وقد تتفاقم حالتهما لتصل عند البعض ، وما أكثرهم ، إلى حد الانتهازية ونكس الرأس والدجل والنفاق والدوس على المبادئ والتنكر لمقومات ذات الإنسان .

يتبع

alhabibalhamdouni@yahoo.fr

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose