attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > 2007 من أرشيف > ضرورة إيجاد إستراتيجية لمقاومة الإحباط لدى الشباب

ضرورة إيجاد إستراتيجية لمقاومة الإحباط لدى الشباب

الأحد 25 أيار (مايو) 2008

اتفقت جميع القوى الوطنية على أن استخدام العنف مهما كان مبرره هو فعل مجاني لا يخدم أية قضية، بل على العكس يزيد من احتقان شدة. بعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها الاحواز الجنوبية للعاصمة
في أواخر سنة 2006
أثيرت الكثير من التساؤلات حول تفاصيل ما حصل وحول الغاية منه. كما أثار هذا الحدث تساؤلات حول طبيعة الفعل ومدى مشروعيته وطبيعة التعامل مع الأحداث، وجدوى ما حصل بالطريقة التي حصل بها، ودوافع هذا الفعل، ولماذا انخرط هذا الشباب في هذا التمشي، وهل هناك إمكانية لتفادي حصوله بإعادة الاستماع إلى الشباب وإدماجهم والقضاء على الإحباط والفراغ. الأستاذ منصف وناس أستاذ علم الاجتماع السياسي وعلم الاجتماع الثقافي بالجامعة التونسية مدنا في هذا الحوار بتحليل للأحداث ولدوافعها الكامنة

حاورته هندة العرفاوي
بتاريخ أفريل 2007

* أجمعت القوى السياسية والشعب في تونس على أن ما حصل في الضاحية الجنوبية لتونس في شهري ديسمبر وجانفي تصرف لم تعهده البلاد، فكيف يمكن تحديد مفهوم للإرهاب؟ هل هو القتل المجاني أم الدفاع عن قضايا معينة خصوصا وان الإدارة الأمريكية والقوى العالمية تستخدم هذا المفهمتبرلتبرير سياستها للهيمنة ؟

- لا يوجد إلى حد الآن تعريف دقيق لمصطلح الإرهاب بل أن الأمر ازداد غموضا وتعقيدا من جراء احتكار الإدارة الأمريكية المحافظة لاستعمالات هذا المفهوم وهو أمر متعمد من جهتها بغية بث البلبلة والعمل على نشرها وتشويه صورة المقاومة في العالم وخاصة في فلسطين والعراق. ولكن الإرهاب يظل إرهابا والمقاومة مقاومة. فالإرهاب هو تعمد القتل وإزهاق الرواح البشرية دونما قضية واضحة تبرر ذلك فهو عنف متوحش. الإرهاب إذن هو غموض في الرؤية وضبابية في المبررات ومجانية في القتل والتخريب وهو غالبا عمل المغامرين والمتهورين غير الحريصين على قدسية الروح البشرية ولذلك فنحن نعتبر أن ما تمارسه الولايات المتحدة في العراق وإسرائيل في فلسطين إرهاب دولة يستند إلى جنون العظمة وقمة المال والسلاح. وأما إرهاب الأفراد فهو ما حصل في 11 سبتمبر 2001. وبناء على ما تقدم نحن نعتبر أن من أقدس الأولويات، الأمس واليوم، هو العمل على تحصين الشباب وتاطيرهم ومدهم بسبل التعلم والعمل والحياة الكريمة.

*ألا ترى أن من أسباب بروز الإرهاب تهميش فئات من المجتمع، وغياب فضاءات الحوار وتوظيف الطاقات والمواهب، والفقر والانقطاع المبكر عن الدراسة. هل ترى أن الطريقة التي تعاملت بها السلطة مع الملف ناجعة؟

- لم تتوفر لدينا المعطيات الكافية للقراءة المتكاملة والشاملة لأحداث شهري ديسمبر وجانفي وما سمي بقضية المجموعة الإرهابية. وكم نود أن تكون الصورة واضحة والمعطيات متكاملة أمامنا. ولكن التعتيم رافق القضية. أن ما يمكن استنتاجه من الأحداث الأخيرة هو ضرورة العمل على إيجاد استراتيجيا وطنية متكاملة الأبعاد والزوايا لتاطير الشباب التونسي وتشخيص مشاكله وانتظاراته واحتياجاته تشخيصا علميا دقيقا والعمل على تلبيتها وإشباعها في حدود ما هو متوفر من إمكانيات. كما يحتاج هذا الشباب إلى خطاب جديد يقنع عقله وقلبه ويساعد في تبديد الخوف من المستقبل وغياب فرص العمل والتشغيل. ولكن اللافت للانتباه أننا نكاد نلمس هذا الخطاب المقنع للشباب والمعبئ لطاقاته ولإمكانياته وهو أمر مفارقي ومحير في الآن نفسه. ذلك أن أية سلطة في العالم مطالبة بإنتاج خطاب خاص بعقول الشباب حتى تتمكن من تعبئتهم ومن حشد طاقاتهم ومن الحيلولة دون تأثرهم بأنماط من التفكير تتصف بالانغلاق والتحجر والميل خاصة إلى العنف. ونحن هنا ننبه إلى خطورة مثل هذا الفراغ والى خطورة استغلاله وتوظيفه من قبل قوى معينة لا تؤمن بحق الاختلاف ولا بقدسية الحياة الإنسانية وضرورة الحفاظ عليها. فلماذا إذن نشجع الفراغ وبعد ذلك نتساءل عن نتائجه؟ علما وان الطبيعة تخشى الفراغ المنتج لكل النقائص والسلبيات والأوضاع غير الطبيعية. إذن فالمجتمع التونسي بحاجة إلى إعادة بناء الخطاب الموجه إلى عقول الشباب وإلى مراجعة جذرية لأداء كل المؤسسات والهياكل المتعاملة معه والى تعبئة كل الإمكانيات والموارد من اجل فتح فرص العمل والتشغيل وضمان إمكانية الحياة الكريمة بالنسبة إلى شباب تونس. إننا بحاجة ماسة اليوم إلى استثمار كبير في مواجهة الفراغ والفقر واليأس. إننا لا نشك إطلاقا في أن اليأس هو الإرهاب في حد ذاته لأنه منتج لكل الشرور والتوترات وكل أنواع التطرف ما ظهر منها وما بطن. فمقاومة اليأس ليس فقط مهمة السلطة وان كانت هي المسؤولة بدرجة أساسية ولكنها مسؤولية المعارضات ومكونات المجتمع المدني وان كانت تواجه بعض الصعوبات.

*فيما سبق كان الشباب التونسي يذهب إلى حيث يوجد نزاع يكون عرب أو مسلمون طرفا فيه، لمؤازرتهم، أما في الحادثة الأخيرة فقد جاءنا بعض الشبان من بلدان أخرى (من موريتانيا والجزائر). كيف يمكن تفسير هذا الأمر؟

- يجب أن نشير إلى أن عدد الشبان التونسيين الذين شاركوا في معارك أفغانستان أو العراق ضئيل جدا ولا يكاد يذكر. وإذا أردنا الحيلولة دون تكرار ما حصل في شهري ديسمبر وجانفي الفارطين فنحن في حاجة إلى استثمار كبير معنويا وماديا من اجل مقاومة اليأس وذلك بوضع استراتيجيا جامعة نسميها استراتيجية مقاومة الإحباط ويمكن أن تكون أرضية فكرية وسياسية وحضارية تنسق بين جهود السلطة من جهة وجهود المجتمع المدني من جهة أخرى. انطلاقا من أنها ضرورة مصيرية وأولوية بالنسبة للمجتمع التونسي إذا كنا نريد تحصين البيت من الداخل والحيلولة دون تسرب السلاح وظهور هذه الأشكال الغريبة من التطرف.

* أبرزت الأحداث الأخيرة في تونس، من ضمن ما أبرزت، فشل منظومة تعليمية أريد لها أن تكون سلاحا في وجه التطرف. مما أبرزت فشل المعالجة الأمنية لهذه القضية؟

- المعالجة الأمنية قيلت عن مواجهة السلطة للتنظيم الإسلامي في تونس التي لم تحل الإشكالات القائمة، بل نحن بحاجة إلى خطاب ثقافي وسياسي أكثر إقناعا للشباب. كما نحتاج إلى تقديم القدوة الجيدة القادرة على التأثير في عقول الشباب وعقولهم كما نحتاج أيضا إلى إعلام متفتح قادر على الإنصات إلى المشاكل وحل القضايا الراهنة. كما نرى انه من بين الحلول الضرورية اليوم مزيد تعميق الانفتاح السياسي والعمل على دعم سلطة البرلمان ومزيد تفعيل المجتمع المدني وفتح فضاءات العمل أمامه بدل تقييده. إذن إن خير معالجة لهذا التطرف هو إيجاد طائفة من الشروط الايجابية التي تحد من الانغلاق وتسمح لكل مكونات المجتمع التونسي بالحرية المنظمة والتعبير المسؤول عن الأفكار والمساعدة على خلق خطاب عقلاني جديد يواجه خطاب الانغلاق والتشدد علما وان مجتمعنا مجتمع وسط لم يعرف في تاريخه الانغلاق والتشدد اللذين عرفتهما مجتمعات أخرى. إننا بحاجة لاستثمار هذا التراكم من الاستقرار والمسالمة ومن التسامح من اجل بلورة واقع سياسي وثقافي وفكري جديد.

*الإرهاب يعني القتل المجاني، البعض يرى فيه شكلا يضمن للمظلوم الدفاع عن حقه، اليسار في الستينات كان يستخدم العنف ولكن في ذلك الوقت كان يعد عنفا مبررا ؟

- نعتبر أن من اوكد الأولويات عدم الانسياق وراء التضخيم الأمريكي لقضية الإرهاب ففيه كثير من المبالغة والغموض قصد تصفية كل المعارضين للمشروع الإمبراطوري والإمبريالي الأمريكي. فالإدارة الأمريكية المحافظة تفضل فعليا وعمليا حوار البنادق على حوار العقول ولهذا لم تشجع أي حوار في المستوى العالمي من اجل فهم ظاهرة الإرهاب، وهي تخلط قصدا وعمدا بين المقاومة في فلسطين والعراق وبين تفجيرات المافيا في اسبانيا وهو في تقديرنا عمل مقصود ومتعمد من اجل بث البلبلة. ولهذا نحن لا نعتبر إطلاقا الإدارة الأمريكية مثالا يحتذى به ولا نعتبرها مؤهلة لمواجهة الإرهاب وإيجاد حلول عقلانية لها. فهي إدارة متغطرسة وشرسة وحروبية لا تؤمن بدور العقل ولا تؤمن أيضا بلغة الحوار بين مكونات الإنسانية وتلك هي أم المشاكل في تقديرنا.

*يقال أن معالجة المرض يأتي من تشخيص جيد له فهل ترى في الأفق القريب ومع السياسة العالمية الحالية إمكانية لانحسار الإرهاب وتراجعه؟

- هناك أصناف ثلاثة من الحلول: تتمثل الأولى في مراجعة الأداء السياسي والرسمي باتجاه مزيد من الحريات والانفتاح على المعارضات وعلى مقومات المجتمع المدني في تونس بكل ما فيه من أحزاب ونقابات وجمعيات. وأما الحل الثاني فهو يتمثل في أن تقوم المعارضات المختلفة بدورها في عملية مقاومة الإحباط وخلق الخطاب الجديد الموجه للشباب من اجل حشد طاقاته وموارده وتعبئتها في الاتجاه الصحيح، اتجاه العقلانية والانتماء إلى الوطن والحرص على مصلحته والحيلولة دون حصول حركات غير مسؤولة، وأما ثالث هذه الحلول فيتمثل في ضرورة التزام هذه الحركات (المتشددة) بالعدول عن العمل المسلح والقبول بالعملية السياسية والبحث عن التغيير من الداخل وليس من الخارج اعتمادا على أساليب ديمقراطية غير مدمرة للوطن. فالوطن في تقديرنا مسؤولية الجميع ولذلك لا بد من أن تستشعر السلطة ضرورة الانفتاح وتدعيم الحريات كما يتوجب على المجتمع المدني أن يكون فعليا مجتمعا مدنيا. فإذا ما تزاملنا اليوم على سبيل المثال المجتمع المدني لامكن أن نلاحظ وجود حوالي 9000 جمعية الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل عن جدواها في مواجهة العنف والتطرف وحتى التي تتوفر في اغلبها على التمويل وعلى التاطير الإداري ممثلا في مركز "إفادة" ولذلك نحن اليوم في حاجة ماسة لمراجعة هذا النسيج الجمعياتي والنظر في جدواه وفاعليته فإلى متى تستمر المجموعة الوطنية في التمويل إذا كانت النجاعة غير مضمونة.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose