attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > شؤون وطنية > مـتــى تـقـلـــع حـليــمة عـن عــادتـها القـديــمة؟

مـتــى تـقـلـــع حـليــمة عـن عــادتـها القـديــمة؟

السبت 7 شباط (فبراير) 2009

أحمد إبراهيم

إن قرار وزارة الداخلية بحجز العدد السابق من الطريق الجديد يثيرعميق الانشغال من حيث مبدؤه وشكله ومحتواه والظرف الذي جاء فيه.

فهو قرار يؤكد الطابع الجزري الطاغي على مجلة الصحافة التي يخول فصلها الثالث والسبعون لوزير الداخلية سلطة مطلقة في إصدار إذن " بحجز كل عدد من دورية" يرى أنه "من شأنه أن يعكر صفو الأمن العام"، وهي صلاحية مفرطة طالما طالب أنصار حقوق الإنسان والمواطن بإلغائها، لأنها منافية لأبسط مبادئ حرية الإعلام علاوة على كونها تفتح الباب على مصراعيه أمام القرارات الصادرة عن السلطة التنفيذية على أساس تأويلها الخاص لما يعنيه المفهوم الغامض والفضفاض لما يسمى بتعكير الصفو العام.

وهو إلى ذلك قرار تم اتخاذه بشكل مناف تماما لأبسط قواعد التعامل الحضاري التي من المفروض أن تسود في بلد مثل تونس، وأن تكون السلطة أول من يعطي المثل في احترامها: فليس مقبولا أن يأذن وزير الداخلية بحجز الجريدة دون إعلام إدارتها بهذا الحجز وبأسبابه إعلاما مباشرا، وليس معقولا أن لا نطلع عليه إلا بعد يوم كامل عن طريق الصحافة (!) وأن لا تقابل محاولاتنا الاتصال بمصالح الوزارة إلا بالتجاهل وعدم الاكتراث طبقا لعادة غريبة دأبت عليها تلك المصالح بتعال واستهتار بواجب الحوار المتمدن.

وهو قرار لا يستند في محتواه وتبريراته - التي جاءت في البلاغ الصادر عن وكالة الأنباء الرسمية ? إلى أي سند قانوني، حيث أن الفصل 63 من مجلة الصحافة لا يحجر "نشر قرارات الاتهام وغيرها من الأعمال المتعلقة بالإجراءات الجزائية" إلا إذا تم ذلك النشر "قبل تلاوتها في جلسة عمومية". فنحن إذن إزاء لون من ألوان الوقوف عند "ويل للمصلين..."، وكأن محاكمة النشطاء المتهمين في قضية الحوض المنجمي ? ومن بينهم السيد بشير العبيدي الذي نشرت جريدتنا نص استنطاقه ? لم تقع أصلا... وكأن الملف القضائي بمختلف جوانبه لم يقع تداوله في جلسات عمومية متتالية، في حين أن هذا الملف قد أصبح معلوما من الجميع حكاما ومحامين ومحاكمين وعائلات ومواطنين متابعين حضروا كلهم مختلف تلك الجلسات العمومية... بدءا بجلستي يوم 4 ديسمبر ويوم 11 ديسمبر من السنة الماضية!

لذلك فإن ما يتضح من كل ما سبق هو أن الإذن بحجز العدد 113 من الطريق الجديد قرار اعتباطي يكتسي صبغة سياسية صرفة، ويدخل في إطار إرادة التضييق على حرية التعبير وحرية الصحافة، خاصة منها الصحافة الصادرة عن أحزاب المعارضة مثل صحيفتنا ومن قبلها صحيفتي "الموقف" و"مواطنون".

ومما يبعث على مزيد الانشغال أن هذا القرار- الذي ألحق ضررا ماديا ومعنويا كبيرا بجريدتنا ? قد جاء في فترة قصيرة شهدت عديد المضايقات ضد حرية التعبير وحرية ممارسة النشاط السياسي إلى جانب إجراءات قمعية أخرى:
- فقبل حجز جريدتنا بيوم واحد ، رفعت دعاوي قضائية ضدّ الصحفية و الناشطة الحقوقية سهام بن سدرين رئيسة تحرير مجلة "كلمة" الالكترونيّة وحوصر مقر هذه المجلة وصودرت كافة تجهيزات البث الإذاعي بعد أن اتهمتها الحكومة بالعمل دون ترخيص في محاولتها إطلاق إذاعة مستقلة.
- وقبل ذلك ببضعة أيام تكررت الاعتداءات المعنوية و الجسدية ضد صحافيين مستقلين آخرين لا سيما المتعاونين منهم مع قناة "الحوار التونسي"، بالإضافة إلى رفع عدد من القضايا ضدّ صحافة المعارضة و تواصل حجب عدد من المواقع الالكترونية.
- وبعد حجز الطريق الجديد بثلاثة أيام تلقت حركة التجديد رفض تمكينها من قاعة عمومية لعقد ندوة فكرية سياسية حول الاستحقاقات الانتخابية يوم 22 فيفري المقبل، وهو قرار يأتي للمرة الثانية في ظرف شهر بعد رفض مماثل لندوة كانت الحركة تنوي عقدها يوم 11 جانفي الماضي ولكنها اصطدمت بنفس الجواب المستند إلى تعلة واهية وهي وجود "أشغال" في القاعات المتاحة بتونس العاصمة.
- وبعد حجز الطريق الجديد بأربعة أيام أصدرت محكمة الاستئناف بقفصة أحكاما قاسية ضد نشطاء الحوض المنجمي، مخيبة بذلك آمال المسجونين وأهاليهم والرأي العام الوطني في أن يكون الإستئناف مدخلا لفتح صفحة جديدة في التعامل مع هذا الملف: صفحة تحل نهج الانفراج والتهدئة محل التوتر والقمع، وتعتمد ألحوار أسلوبا وحيدا في التعاطي مع مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية.

إن المناخ العام الذي يسود هذه الأيام لا يمكن أن يتواصل دون إلحاق بالغ الضرر بالحياة السياسية وبسمعة بلادنا وبمصلحتها في أن تكون سنة الانتخابات الرئاسية والتشريعية سنة التخلي عن أسلوب الانغلاق وهيمنة عقلية الرأي الواحد والحزب الواحد، وسنة رفع العراقيل والتضييقات على حرية التعبير والصحافة والنشاط السياسي، وسنة الحوار الوطني الحر وفتح المجال أمام الأحزاب جميعا كي تعرف المواطنين بمقترحاتها وبرامجها عن طريق وسائل الإعلام الوطنية المكتوبة منها والمرئية والمسموعة، وسنة توفير الشروط الدنيا لمصداقية التنافس الانتخابي ومصداقية صندوق الاقتراع.

فمتى يفهم أصحاب القرار أن نهج التشنج والتطير من الرأي المخالف لا طائل من ورائه؟ ومتى تقلع حليمة عن عادتها القديمة؟

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose