attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > هــمـسة وغـمـزة > إلى أين نحن ذاهبــون يا أبناء مهنــتي

إلى أين نحن ذاهبــون يا أبناء مهنــتي

الاثنين 26 أيار (مايو) 2008

هــذا المقال نشر في الطريق الجديد بتاريخ جانفي 2007
نعيد نشره لما فيه من صيحة إعلامية و نداء إلى إعلام راق و مفيد.

سكينة عبد الصمد:

وأنا أطلع يوما على عناوين الأخبار التي توردها وكالة فرنسا للأنباء، وجدت خبرين يخصّان تونس ، أوّلها كان نقلا عن جريدة "الصّباح" حول إعلان مقتل ثلاثة إيطاليين واختفاء صياديْن تونسيّيْن في حادث تصادم في عرض البحر قرب ميناء قليبية. أما الخبر الثاني فيعلن تكذيب السّلطات التونسيّة لما صرّحت به المنظمة الدوليّة "صحافيون بلا حدود" حول تعرّض نشطاء حقوقيّين تونسيّين للتعنيف لدى محاولتهم زيارة المحامي محمّد عبّو في سجن الكاف. خبران من ضمن عديد الأخبار التونسية التي علمتها كما غيري من التونسيّين عبر وكالات أنباء أو فضائيات أجنبية لتولد في داخلي ، المرّة تلو المرّة ، إحباطا شديدا وإحساسا بعجز مخيف يهدّد قدراتي كإعلاميّة تونسيّة تطّلع من وراء الحدود على الأحداث في تونس. إعلاميّة من بين مئات الإعلاميّات والإعلاميّين القابعين بين جدران قاعات التحرير في عدد من المؤسسات الإعلاميّة الكبرى والناشئة، العريقة والأقلّ عراقة في انتظار ما تمنّ به علينا وكالة تونس إفريقيا للأنباء من أخبار يطغى عليها طابع رسميّ روتيني مملّ لنستنسخه بدورنا ثم نذيعه أو نبثه أو ننشره فنصمّ به آذان مستمعينا ومشاهدينا أو نلمح بمرارة علامات تأفف قرّائنا

إلى أين نحن ذاهبون يا أبناء مهنتي الأعزّاء؟ عن أيّ مستنقع يجب أن نبحث لنجزّ داخله بهراءاتنا التي ملها أبناء وطننا العزيز؟في عصر المعلوماتية وتكنولوجيات الاتصّال الحديثة وتنامي عدد الفضائيات وهي تغزو كل شبر من أنحاء العالم و تقتحم أرجاء كل الفضاءات التي نلجها بدءا بمنازلنا وأماكن عملنا وتنذر بقبر إعلامنا في دهاليز مؤسساتنا الإعلامية وتنتزع من بين أقلامنا وأفواهنا مصدح الإخبار عن الأحداث والوقائع وشواغل مواطني عالمنا الصغير

فإلى أين نحن ذاهبون يا زملائي ورفاق دربي ؟لقد علت صيحاتنا في عديد المناسبات واللقاءات الصحفيّة في محاولات حينيّة تناشد الارتقاء بمردوديّة خطابنا الإعلامي والتنديد بالرقابة المسلطة على إنتاجنا الصحفي مكتوبا كان أو مرئيا أو مسموعا وتصبو للحرية والشفافية والاستقلالية وتردد صدى هذه الصيحات العالية المشحونة بكل الحماس الذي يؤجج أعماقنا. تردّد بين أرجاء عديد الفضاءات وعلى أعمدة بعض الصحف والتقارير داخل البلاد وخارجها لتخفت أصواتنا فيما بعد ويستسلم جلنا، كي لا أقول كلنا، لما أسميناه بقدرنا في السّكوت على الرّداءة والانصياع لأوامر أو تعليمات مسلطي الرقابة من بين رؤسائنا المباشرين أو المسؤولين على تسيير شؤون الإعلام عموما، بل ويذهب البعض منا لتطعيم إنتاجه أحيانا بنكهة ذلّ "الرقابة الذاتية" حتى يتفادى الأذى على حساب حقّ الغير في دقّة المعلومة فيزيد الطّين بلة. وعزاؤنا في ذلك أنّ "من يمدك بحبل فلتلفه حوله" أو بعبارتنا العاميّة "اللّي يعْطيكْ حبل كتفو بيهْ".

ومع الأسف الشديد أصبحت هذه المقولة الانهزاميّة عزاء العديد من الصحافيين المحبطين "عزاء" ينمّ عن تدنّ في مستوى الرّوح النضاليّة وانحدار مّر ومرير نحو التذلل وهدر الكرامة والصمت على الرّداءة وصانعيها والعبث بقداسة رسالتنا الإعلامية، قداسة هذه السلطة الرابعة التي تنير وتثقف وتردع وتؤسّس وتبني الأجيال وتقيم الدنيا وتقعدها.وأمام هذا التردّي المخيف الذي يرمي بظلاله لطمس الوعي في أوساطنا ويجرّنا إلى خنادق اللاّمبالاة والاستهتار بقدسيّة أدائنا والانحناء نحو تحميل الآخرين فقط مسؤولية التردّي الواضح العلني والمعلن لإنتاجنا. أمام هذا الواقع المرير الذي يهدّد مستوى الوعي في صفوف أبناء أسرتنا، ما الذي يجدر بنا فعله يا إعلاميّي تونس العزيزة ؟الواقع أن وضعنا ووضعيّتنا والمسؤوليَة الملقاة على أعناقنا لم تعد تحتمل الصمت والسكوت ولا أظن أنه عادت تكفيها نضالات فردية أو نخبويّة لعدد من أبناء المهنة الغيورين على جلالتها الرّافضين للانحناء تحت أي ضغط، في محاولات متتالية سواء عبر الإصرار على بعث نقابة مستقلة لم تر النّور بعد أو من خلال التعريف ضمن المقالات والتقارير بواقع الحريّات الصحفية في تونس .محاولات جريئة يوازيها ريب وتخاذل بوعي أو لاوعي من المجموعة الكبرى من الصحافيين إلى جانب تنامي الاختلافات والانقسامات حول الهيكل الأنسب في الدفاع عن الحقوق المسلوبة ليفسح المجال واسعا لبروز شبح جدار يعزل النشطاء الحقوقيين من أبنائنا عن بقية الإعلاميين الذين يتخبطون في أوحال تسوية أو تحسين وضعياتهم، مهنيّة كانت أو ماديّة في غياب إطار صلب يصل بين كل الإعلاميين ويمكن من الإنصات لأصواتهم وييسّّر تبادل المعلومات الخاصة بالمهنة وأهل المهنة بكل اختلافاتها و خلفيّاتها ، إطار أو هيكل يدعم وحدة الصفّ ويكفل تجميع الآراء ويؤمّن مجالات العمل الموحّد للتصدّي لكل التجاوزات وفرض الحريّة والاستقلاليّة والجرأة التي يستلزمها الإنتاج الإعلامي. فنحن إعلاميّو تونس ورغم تزايد "هجرة الصحافيين" لا تنقصنا الكفاءات ولا القدرات المهنية ولا الأقلام المبدعة بل تعوقنا إلى جانب ضيق هامش الحرية تعوقنا وحدة الصفّ بعد أن أفلح صنّاع الرّداءة و القائمون على كسر العزائم والإرادات أفلحوا في تشتيتنا و شلّ طاقاتنا . ونحن إعلاميّو تونس اليوم ملزمون إزاء واقعنا المهمّش بالالتفاف والتكاتف داخل أي هيكل مهما كانت محدوديّة صلاحيّاته في بادرة للمّ الشمل والتوحّد والسعي معا نحو تحقيق مطلبنا الأساسيّ والشرعيّ الذي طال انتظاره الذي يؤمّن لنا الحصانة ورفع المظالم والمطالبة بكل الحقوق المشروعة . والمسؤوليّة هنا تستدعي أصحاب العزائم النضاليّة قبل غيرهم للتكتل والتكاتف والتجنّد والتواصل ومحاولة تمرير المعلومات الخصوصيّة لجميع أبناء الأسرة الإعلامية في خطوة جماعيّة تؤسّس لانتزاع المكاسب المغتصبة ورفع كابوس الرّقابة والرّقابة الذاتيّة وتمكين إعلامنا من بصيص نور يسيل حبر الأقلام المبدعة ويزيل الصّدأ على مصادح البحث عن الحقيقة

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose