attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > شؤون وطنية > المسيــرة الوطنيــة تضامنــا مع غــزة : حقائـق وقــــع إغفــالهـــا

المسيــرة الوطنيــة تضامنــا مع غــزة : حقائـق وقــــع إغفــالهـــا

السبت 10 كانون الثاني (يناير) 2009

هشام سكيـك


شكلت المسيرة الوطنية التي انتظمت يوم الخميس غرة جانفي المحطة الأساسية في تحركات الشعب التونسي للتعبير عن استنكاره للحرب القذرة
التي تشنها اسرائيل على الشعب الفلسطيني الشقيق في غزة وعن تضامنه معه.

هذا التحرك الشعبي الهام قد تعرض الى تعتيم شبه كلي من طرف الاعلام الأجنبي، (بما في ذلك الفضائيات العربية التي مكنت المشاهد من كم هائل من الصور والأخبار المختلفة من حيث أهميتها ومصداقيتها وموضوعيتها ...) .

لا شك أن هذا التعتيم العالمي المقصود يستحق وقفة لتحليل أسبابه المختلفة ـ سواء تلك التي تتعلق بموضوعيته المزعومة أو تلك التي تتعلق بمصداقيتنا نحن ـ لكن هل كان الاعلام التونسي ـ أعني وسائل الاعلام الرسمية و شبه الرسمية ـ في المستوى المطلوب في تغطية هذا الجانب الهام في المعركة من أجل التشهير بالعدوان ومركتبيه والمتواطئين معه ومن أجل التعبير عن شعور التضامن الذي ملأ به قلب وعقل و ضمير كل تونسي و تونسية؟

لا مفر من الاقرار بأن اعلامنا ـ بصحفه واذاعاته وتلفزاته ـ ولئن واكب بكل جدية الاحداث الدائرة في غزة وفي فلسطين وفي العالم، وعبر عن تعاطف كبير مع الاشقاء وندد بشدة بالاعمال الاجرامية للمعتدين، فإنه بدا محتشما، بل مقصرا تقصيرا مفضوحا فيما يخص التحركات العديدة التي تمت وتتم في شتى انحاء البلاد من مسيرات وتجمعات وتظاهرات مختلفة، مكتفيا في أغلبية الاحيان بالتركيز على المواقف والتصريحات الرسمية.

وقد يبدو أن تغطية المسيرة الوطنية ليوم غرة جانفي قد مثلت استثناء، حيث تحدثت عنها وسائل الاعلام بإسهاب وذكرت بعدها الوطني وقد شملت جل الاحزاب والمنظمات والجمعيات، لكن المتمعتن في الأمر سرعان ما يلاحظ أن هذا الحدث نفسه قد وقع التطرق اليه بنزعة قوية نحو تضخيم الجانب الرسمي منه والتعتيم عن الجانب غير الرسمي: فالفكرة تمت "بمبادرة من التجمع الدستوري الديمقراطي" الذي أظهر "طاقة تعبوية كبيرة"، وجميع الصور أبرزت مقدمة المسيرة ـ وفي صفها الاول نائب رئيس التجمع وأمينه العام وعدد من الرسميين ـ ولم تظهر من اللافتات الا لافتات التجمع. ولم يكد ينج من التعتيم الكامل على كل بقية مكونات المسيرة (وعددهم بالعشرات)، الا اتحاد الشغل الذي "اعتُرف له" هو ايضا بطاقته التعبوية.

امام هذا الاعلام الموجه، هناك بعض الحقائق لعل من المفيد التذكير بها والتساؤل عن الهدف من اخفائاها او توجيهها اتجاها معينا. ولنكتف ببعض من هذه الحقائق لا كلها، والمتعلقة بتغطية المسيرة الوطنية وما من تعليق عليها باعتبار ذلك عينة عن واقع اعلامنا.

- 1- خلافا لما قيل، فإن المسيرة لم تتم قط بدعوة من التجمع الدستوري الديمقراطي، فالمقترح انطلق من احزاب غير الحزب الحاكم التقت أكثر من 5 ايام قبل المسيرة وأقرت مبدأ القيام بتحرك وطني مشترك، وقد حصل نفس الأمر بالنسبة لاتحاد الشغل من جهة والتجمع الدستوري الديمقراطي من جهة اخرى، مما أفضى الى اجتماع شاركت فيه فعلا جميع المكونات المبادرة بتنظيم المسيرة وهو ما يجعلها تستحق اسم "مسيرة وطنية" والا لكانت مسيرة "تجمعية" ينضم اليها من يشاء من التنظيمات الاخرى.

- 2- خلافا لما قيل، فلئن كان للتجمع والاتحاد دور كبير في حشد المشاركين في المسيرة، فإن مكونات اخرى قد اظهرت طاقة تعبوية لا يستهان بها.

فبالنسبة للمبادرة الديمقراطية والتقدمية، مثلا، فقد توافدت منذ الصباح اعداد كبيرة من مناضلي المبادرة واصدقائهم على مقر حركة التجديد بشارع الحرية حتى ضاق بهم المكان فتجمعوا امام المقر وانضمت اليهم اعداد كبيرة من المواطنين. انطلق الجميع نحو شارع محمد الخامس في مسيرة متراصة الصفوف، حاملين اللافتات ورافعين شعارات التنديد والتضامن ـ كما تم الاتفاق عليه مع بقية منظمي المسيرة الوطنية ورغم محاولات متعددة من رجال الأمن لاجبار المشاركين على الانتقال الى شارع محمد الخامس فرادى.

وهكذا فقد انطلقت المسيرة من شارع الحرية الى الباساج ثم شارع جان جوراس حتى شارع محمد الخامس، فكانت بذلك المسيرة الوحيدة التي جابت كيلومترات من الشوارع في قلب العاصمة.

- 3- خلافا لما قيل، فإن المسيرة، عند وصولها الى شارع محمد الخامس لم "تــذب" في المسيرة الوطنية، بل اندمجت فيها مع المحافظة على خاصياتها. فقد اجبرتها السلط على البقاء في آخر المسيرة (لماذا؟) وبقيت طوال المسيرة في ذلك الموقع على بعد امتار من بقية مكونات المسيرة ـ مما جعل هذه الاخيرة تتشكل ـ وبشكل واضح لجميع العيان (على شرط أن تكون مفتوحة) من ثلاثة مكونات كبرى (لا اثنتين فقط): المكونة الأمامية ـ وهي المكونة الرسمية ـ ومكونة في وسط المسيرة ـ تصدرتها قيادة اتحاد الشغل ـ ومكونة أخيرة تصدرتها قيادة المبادرة.

- 4- خلافا لما أخفته جميع وسائل الاعلام، فان المسيرة ـ رغم نجاحها كليا في البروز (على أرض الواقع، لا في الصور والتعاليق) كمسيرة وطنية شاملة وسلمية ـ قد شابتها تصرفات من طرف قوات الأمن كادت تؤول الى مصادمات عنيفة والى الزيغ بالمسيرة عن مسارها الصحيح.

فقد كان الجزء الذي كونته المبادرة، منذ انطلاقه من شارع الحرية حتى شارع محمد الخامس وخصوصا طوال المسيرة، مطوقا تطويقا كاملا باعداد كبيرة جدا من الاعوان بالزي المدني وبالزي الرسمي، تعرض بعض المناضلين طوال المسيرة الى أنواع من التحرشات والاستفزازات حرص المشاركون والمسؤولون عن تنظيم المسيرة على صدها أو تجاهلها حتى تتواصل المسيرة في كنف الهدوء والانضباط الكاملين، وهو ما حصل فعلا!

ورغم ذلك (أم بسبب ذلك؟؟) فعندما بدأ الجزء الأمامي في التفرق على مستوى شارع خير الدين باشا واخذت الصفوف الاخيرة منها ـ المنضوية تحت يافطة المبادرة ـ تستعد هي الاخرى للتفرق عندما تبلغ شارع خير الدين باشا ـ فوجئ المشاركون بهجوم عنيف شنته عليهم قوات الأمن، مدنييها ورسمييها، وانهالت عليهم بالركل واللكم والضرب بالعصي، مستهدفة بصفة مقصودة المسؤولين عن التنظيم، غير عابئة بأن الصفوف الاخيرة ضمت عددا كبيرا من المواطنين المتقدمين في السن الذين خيروا تلافي ازدحام قلب المسيرة. وقد خلف هذا العنف غير المبرر اضرارا بدنية لعدد من المواطنين تلقى بعضهم العلاج في المستشفيات أو في المصحات ولدى أطباء خواص.

وهنا لا بد من طرح بعض الأسئلة:

- أولا: أين كانت وسائل الاعلام عندما تم استعمال كل هذا العنف لتفريق المواطنين المنضوين تحت يافطة المبادرة وحدهم؟

- ثانيا ( وبالخصوص): ما الهدف من هذه التحرشات والاستفزازات وهذا العنف ضد المبادرة؟ هل من أعطى الأوامر بالقيام بهذه الاعمال أراد معاقبة المبادرة على المحافظة على خصوصيتها واستقلاليتها ـ في مستوى التنظيم والشعارات ـ في اطار التحرك الموحد ورفضها الوقوع فيما أعد لها من ذوبان ـ كمي وطوبوغرافي ـ في مسيرة أريد لها أن تأخذ طابع التبعية للحزب الحاكم؟

هل وعى من اتخذ مثل هذا القرار أنه بمثل هذه التصرفات سينجح لا محالة في اقناع المواطنين العاديين والمناضلين المستقلين أنه لا مجال لتحركات "وطنية" وان كل تحرك يشارك فيه الحزب الحاكم لا بد أن يهيمن عليه ويعتم على ما سواه؟ إن هذا الاقتناع، لو حصل، من شأنه أن يدفع من يرفض هذا التوجه أن يبقى في موقف المتفرج أو أن يكتفي، كما فعل البعض، بتجمعات صغيرة منفردة أو ببيانات تدعو الى المقاطعة.

أما بالنسبة لنا في المبادرة، فقد شاركنا بكل وعي في مسيرة وطنية ـ رغم شعورنا بكل ما قد يشوبها من توظيفات ـ إيمانا منا بأن الهدف اليوم هو أن يبرز للرأي العام الوطني والدولي والى اشقائنا الفلسطينيين بالخصوص، أن التونسيين خرجوا في مسيرة ضخمة للتعبير عن استنكارهم للعدوان وتضامنهم مع أشقائهم ـ ولسنا نادمين على ذلك، فقد كانت حقا مسيرة مشهودة رغم كل شيء. وتبقى أمام الأطراف الاخرى مسؤولية اجراء تحقيق حول أعمال العنف ومعاقبة مرتكبيها من جهة، والتفكير في جدوى التعتيم الاعلامي وعدم النهوض بما يمليه الضمير المهني من مسؤولية على الاعلاميين من جهة ثانية، وفي نجاعة الوقوف على الربوة والاكتفاء بالتنديد الشفوي من جهة ثالثة.


لـمــشــاهـــدة صــور مـن المــســيـرة إنــقــر عــلـى الـرابــط الآتـي:

صـور المــسـيــرة

و ســوف تجـــدون فـي وقــت لاحــق كلــيــبــات فــيــديــو لــنفــس المــســيــرة فــي هــذا المــوقــع.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose