attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > في العالم > مـاذا وراء "التفهــم" الأوروبـي للعـدوان الإسرائيــلي على غـزة؟

مـاذا وراء "التفهــم" الأوروبـي للعـدوان الإسرائيــلي على غـزة؟

السبت 10 كانون الثاني (يناير) 2009

أحمد إبراهيم

ليس محض صدفة أن يندلع العدوان الإسرائيلي الشامل على غزة بعد أسبوعين وبضعة أيام من قرار "الاتحاد الأوروبي" يرفع علاقاته مع إسرائيل إلى مستوى غير مسبوق يكاد يجعل منها عضوا قارا في المجموعة الأوروبية (انظر "الطريق الجديد" عدد 108).

و قبل عرض فحوى الاتفاق والنظر في تداعياته الدبلوماسية بالنسبة للدول العربية ومن ضمنها تونس، ثمة ملاحظتان لا بد من إدراجهما للوعي بحجم هذا الاستسلام السياسي الأوروبي للضغوطات الإسرائيلية وبحجم الهزيمة الجديدة التي ألحقت بالدبلوماسية العربية :

- أولا : لقد تمت الموافقة الرسمية على هذا القرار يوم 9 ديسمبر 2008، وهو اليوم الذي أصدر فيه السيد ريتشرد فالك، خبير الأمم المتحدة في حقوق الإنسان بالأراضي الفلسطينية المحتلة تقريرا طالب فيه تطبيق "القاعدة المتعارف عليها حول مسؤولية حماية السكان المدنيين الذين يتعرضون إلى عقاب جماعي من قبل سياسات هي بمثابة جريمة ضد الإنسانية"، مضيفا:"يبدو أنه من مشمولات المحكمة الجزائية الدولية التحقيق في هذه الوضعية وتحديد ما إذا كان يجب إدانة القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين وتتبعهم من أجل الخروقات المرتكبة ضد القانون الجزائي الدولي".

- ثانيا: إن الحكومة الفرنسية قد حاولت تمرير هذا القرار في الصائفة الماضية، قبيل انعقاد قمة "الاتحاد من أجل المتوسط" في شهر جويلية، إلا أن الاحتجاجات العربية والتلويح بمقاطعة القمة أجبرا ساركوزي على التراجع...ولكن إلى حين. أما وقد كان ما كان بعد ذلك من تأكيد لإدماج لإسرائيل ضمن "دول الجنوب" في المشروع المتوسطي وتعيينها عضوا في السكريتارية القارة، فإن الاحتجاجات المحتشمة لمصر والسلطة الفلسطينية على الاتفاق الأوروبي الإسرائيلي الجديد لا يمكن إلا أن "تدخل من إذن وتخرج من الأخرى" كما يقال.

لقد كانت علاقات الاتحاد الأوروبي الاقتصادية بإسرائيل منذ وقت طويل على درجة من الامتياز لا تضاهيها علاقة أية دولة من دولنا أو من دول العالم، وها هي الآن ترتقي إلى مستوى سياسي واسترتيجي غير مسبوق. وما يحز في النفس - لما يعنيه من ضحك على ذقوننا - هو أن النص الذي صادق عليه وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي يوم 9 ديسمبر قد تضمن إشارات عامة إلى سياسة الجوار الأوروبية مع المغرب وتونس وكامل البلدان العربية المعنية تقريبا، ولكنها تظهر في السياق العام للنص كمجرد إعلانات شكلية الهدف منها تسهيل بلع "حربوشة" النقطة التاسعة المتعلقة بتكريس الامتياز الإسرائيلي.

فقد جاء في هذه النقطة: تمكين إسرائيل من امتياز لم تكن تحظى به في السابق إلا بعض الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، وهو عقد اجتماعات قمة منتظمة لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي وإسرائيل،كما جاء فيه قرار عقد ثلاثة لقاءات سنوية على الأقل لوزراء الخارجية ووزراء آخرين، ودعوة مسؤولين إسرائيليين بانتظام للمشاركة في لجنة الاتحاد الأوروبي المختصة في الشؤون السياسية والأمنية، وتنظيم مشاورات أوسع حول القضايا الاستراتيجية، وتشجيع إسرائيل على المشاركة في السياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي، والتعاون الميداني في السياسات الأمنية و"الدفاعية" المشتركة بما في ذلك الإسهام الميداني في المهمات والبعثات الخارجية الأوروبية في أفريقيا وغيرها، والاستجابة إلى طلب إسرائيلي قديم بالعمل على إدماجها ضمن مجموعة "أوروبا الغربية" للأمم المتحدة، مما سيسمح لها بأن تنتخب في مختلف الهيئات الأممية بما فيها مجلس الأمن... وهو ما يعد إنجازا كبيرا لكيان بقي ممنوعا من الانتماء إلى "المجموعة الآسيوية" حتى في مجال الرياضة حيث يشارك في مختلف المباريات في إطار "المجموعة الأوروبية" التي ستمكنها بحكم الاتفاق الأخير من الارتقاء إلى المشاركة السياسية.

كل هذا يحدث في تناقض تام مع الأهداف المعلنة للاتحاد الأوروبي الذي ما فتئ يبرر تطوير علاقاته بإسرائيل بأن ذلك سيسمح بالتأثير عليها في اتجاه سلام عادل: فحتى الربط الذي كان موجودا بين الرفع من مستوى التعاون الأوروبي والتقدم في "عملية السلام" قد تم حذفه، وهو ما لا يمكن فهمه ? وهكذا فهمته إسرائيل فعلا - إلا كضوء أخضر قد أعطي لحكام إسرائيل للتمادي في سياسة توسيع الاستيطان والقمع اليومي والحصار على غزة ، ثم للإقدام على ما شرعت فيه منذ يوم 27 ديسمبر من تدمير وتقتيل لقطاع غزة وأهاليه العزل.

هذا ما أكدته المواقف الأوروبية من المجزرة المتواصلة، وهذا ما يتطلب من الحكومات العربية، خاصة منها المعنية بالاتحاد من أجل المتوسط، موقفا حازما من أوروبا في ظل اصطفافها وراء السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وتواطئها الواضح مع العربدة الإسرائيلية، وفي ظل الدور الخاص الذي لعبته وما زالت تلعبه حكومة ساركوزي في التسويق لهذا الاصطفاف ولهذا التواطؤ.

هذا الموقف يجب أن يبدأ بإعادة النظر في قبول إسرائيل عضوا في سكريتارية "الاتحاد من أجل المتوسط " كمدخل لإعادة النظر في مبدأ قبولها كدولة من دول "جنوب المتوسط" في حين أنها عمليا ? والاتفاقية الأخيرة تؤكد ذلك ? أقرب من دول الشمال بل تكاد تكون العضو الثامن والعشرين للاتحاد الأوروبي.

إن تهديدا جديا بإعادة النظر جذريا في المشروع الساركوزي من شأنه أن يكبح جماح دبلوماسيته الجديدة ويحد من الارتداد الذي فرضه على السياسة التقليدية لفرنسا في الشرق الأوسط ومن تحمسه المفرط لإسرائيل ومشروعها الاستعماري.

إن موقفا من هذا القبيل يمليه واجب الوقوف الجدي إلى جانب القضية الفلسطينية الذي يستدعي يقظة دائمة إزاء منزلقات التعامل العادي مع "دولة مارقة" مثل إسرائيل وحتى "التطبيع" المجاني معها، كما يمليه أيضا الحرص على مصالحنا وضرورة فرض احترامنا كدول وكشعوب.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose