attariq aljadid

الصفحة الأساسية > عربي > في العالم > العــدوان الإســرائـيــلي عــلـى غــزة: عــمـليــة وحـشـيـــة جنــونيـــة

العــدوان الإســرائـيــلي عــلـى غــزة: عــمـليــة وحـشـيـــة جنــونيـــة

الأحد 4 كانون الثاني (يناير) 2009

عبد العزيز المسعودي

في عملية وحشية جنونية، تذكر بفظاعات النازيين في الحرب العالمية الثانية، قامت آلة الحرب الاسرائيلية بزرع الموت والرعب والدمار في قطاع غزة، بعد أن ألقت مئات الأطنان من القنابل والقذائف والصواريخ على السكان الآمنين، الذين قضى المئات منهم، أطفالا ونساء وشيوخا، في منازلهم التي تحولت في ظرف دقائق معدودة الى ركام تختلط فيه شظايا الحجر بأشلاء البشر.

هي مشاهد مروعة، نقلتها شاشات التلفزة الى أقطار العالم، تكشف عن الطبيعة البربرية للنظام الصهيوني في تل أبيب وحماته من وراء البحار، الذين تفضح مواقفهم ـ وبصفة قاطعة ونهائية ـ زيف ادعاءاتهم القائمة على احترام حقوق الانسان، وبطلان ما يتشدقون به من اعتناقهم قيم العدالة والمساواة بين البشر.

واذ عمّت المظاهرات الحاشدة المدن والقرى في مختلف بلدان العالم، حيث خرج الناس بصفة تلقائية في مسيرات غاضبة، للتنديد بالوحشية الاسرائيلية وللاعراب عن مشاعر التضامن مع سكان غزة، فإن قادة البيت الأبيض لم يتورعوا عن تحميل مسؤولية المجازر للضحايا الفلسطينيين كما جاء على لسان وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس.

أجهزوا عليهم بعد أن جوّعــوهم

لقد أدى الحصار الظالم الذي فرضه النازيون الجدد في تل أبيب على غزة الى نتائج كارثية على حياة سكان القطاع، فلأشهر عديدة لم يحصل سكان غزة على ما يكفي حاجتهم لأبسط ضروريات الحياة كحليب الرضع والأطفال، والأدوية والماء والوقود والعجين الغذائي وغير ذلك من المواد الأساسية، وتفيد الاحصائيات وفاة مئات المرضى والجرحى بسبب تدني الرعاية الصحية الأساسية وعدم توفر وسائل العلاج الحديثة ومنعهم من السفر للتداوي في بلدان اخرى بسبب اغلاق المعابر، ويموت عدد كبير من الأطفال نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية وسوء التغذية وانتشار الامراض المرتبطة بها، اضافة الى عدم توفر وسائل الوقاية والاسعاف الضرورية لمجابهتها، وهي حقائق صدع بها وبكل شجاعة العديد من المسؤولين عن المنظمات الأممية الناشطة في القطاع كالصلبب الأحمر الدولي ومنظمة إغاثة وتشغيل اللاجئين .الأونروا. وغيرها.
وقد كان الشغل الشاغل لسكان القطاع طوال الأشهر الماضية العمل على رفع الحصار الذي فرضته سلطات الاحتلال منذ سنة ونصف، وتم التوصل الى اتفاق للتهدئة مدته ستة أشهر بين حركة "حماس" المسيطرة على القطاع وحكومة أولمرت اثر مفاوضات غير مباشرة برعاية مصرية.
إلا أن اسرائيل واصلت استهداف الناشطين الفلسطينيين في القطاع وخصوصا عناصر من "كتائب القسام" التابعة لحركة "حماس" و"سرايا القدس" .الجهاد الاسلامي. بحجة استئصال "الخلايا الارهابية" والبنى التحتية .للارهاب. التي تقوم بصناعة "الصواريخ" الفلسطينية في ورشات بدائية وتدريب مقاتلي حركات المقاومة وعناصر الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية في القطاع. فقد سجل خلال فترة التهدئة قتل ما لا يقل عن 25 فلسطينيا ردت عليه حركات المقاومة باطلاق الصواريخ على المستوطنات الصهيونية المجاورة، وكانت اسرائيل تمارس تكتيكا مزدوجا يقوم على المزج بين الضربات الجوية المحدودة أحيانا، وبين تشديد الحصار والاغلاق المحكم للمعابر أحيانا أخرى، الى الحد الذي أصبحت فيه المنظمات الانسانية تطلق صيحات الفزع حول تردي الأوضاع المعيشية والصحية للفلسطينيين الى مستويات لا تستجيب لأبسط مقومات الحياة البشرية.

ومع انتهاء فترة التهدئة في النصف الثاني من شهر ديسمبر الماضي دعت عدة فصائل فلسطينية الى عدم تجديدها على الأسس السابقة ما لم تكن هناك ضمانات كافية لإلزام اسرائيل على الإيفاء بشروطها، وخاصة فيما يتعلق بانهاء الحصار وفتح المعابر امام تدفق السلع وحركة الاشخاص من والى القطاع، وكانت تلك الذريعة التي استغلتها اسرائيل، مع سقوط بعض الصواريخ على مستوطناتها للقيام بحملتها العسكرية الأخيرة على القطاع.

توقيت الحملة وأهدافها

اعتبرت القيادة الاسرائيلية المشكلة من ائتلاف حزبي "العمل" و"كاديما" أن الفرصة مواتية لشن عملية كبرى ضد القطاع، فالذريعة قد توفرت ويمكن تسويقها بسهولة حسب رأيها لدى الحلفاء الغربيين وخاصة لدى ادارة بوش التي تستعد للرحيل وبتحديد هدفها الأساسي تدمير البنية التحتية "للارهاب" وهي تعني بذلك ترسانة أسلحة "حماس" وحركات المقاومة الاخرى المتمركزة في غزة وخاصة منها الصواريخ التي تتسبب في إشاعة جو من الرعب والترويع في اوساط متساكني المستوطنات المحاذية للقطاع ـ رغم طبيعتها البدائية، وقدرتها التدميرية المتواضعة ـ وهو ما خلق حالة من التذمر الواسع لدى المستوطنين الذين أخذوا يشككون في قدرة الائتلاف الحاكم على توفير الأمن لهم وحمايتهم من ضربات المقاومة الفلسطينية.

ويدرك أقطاب "العمل" و"كاديما" جيدا، أن أي تساهل أو مرونة في التعاطي مع النشاطات الفلسطينية المعادية تصب في مصلحة الصقور من أقصى اليمين بقيادة بنيامين ناتنياهو المتحفز للرجوع الى السلطة وترجح أغلب استطلاعات الرأي في اسرائيل فوزه بالانتخابات القادمة .فيفري 2009. وذلك منذ اخفاق الائتلاف الحاكم الحالي في حرب جويلية 2006 وما أفرزه من تداعيات على تماسك الجبهة الداخلية في الدولة العبرية أبرزها بوضوح تقرير لجنة فينوغراد حول تقييم مسار ونتائج تلك الحرب.

وهكذا فإن موضوع التنافس الانتخابي بين الاطراف السياسية الاسرائيلية سرعان ما تحول الى تسابق تكون الغلبة فيه لمن يبدي أكبر درجة من القسوة والبطش تجاه الشعب الفلسطيني.

وفي الحقيقة فلا خلاف حول هذا الموضوع بين الطبقة السياسية في اسرائيل بمختلف تصنيفاتها، فالجميع يقر بضرورة ترميم قوة الردع وإعادة الاعتبار الى سمعة الجيش لما في ذلك من أهمية مزدوجة سواء بالنسبة الى طمأنة الجبهة الداخلية أو الى ما يمكن أن تحمله من رسائل التحذير لحركات المقاومة العربية. ولا بد من أن نذكر في هذا المجال، بسلسلة المناورات العسكرية الاسرائيلة المتعددة، التي قامت بها اسرائيل، على مدى السنتين الماضيتين داخل أراضيها وكذلك في الجولان المحتل، بهدف استخلاص العبر من اخفاقات "تساهال" .الجيش الصهيوني. في الحرب على لبنان. وتعتبر الحملة على غزة ـ وهي الحلقة الأضعف في الحلف الرباعي المعادي لها في المنطقة ممثلا الى جانب حركة "حماس" و"الجهاد" في فلسطين بـ"حزب الله" في لبنان وسوريا وايران ـ اختبارا حقيقيا على الأرض لفعالية تلك المناورات.

وضع عربي وفلسطيني مريح لإسرائيل

وبالاضافة الى ما سبق ذكره من العوامل التي دفعت بالقيادة الاسرائيلية الى شن عدوانها الهمجي الأخير، فإن الاوضاع العربية المتردية ومن ضمنها الوضع الداخلي الفلسطيني قد لعبت دون شك دورا مشجعا على اتخاذ القرار.
فاسرائيل تدرك بأن انقساما حادا ينخر الجسم العربي الرسمي تبدّى من خلال معالجة الأزمة اللبنانية وأثناء اجتماع القمة العربية الأخيرة في دمشق وخصوصا في الموقف من العدوان الاسرائيلي على لبنان في صائفة 2006.
كما تستفيد اسرائيل من علاقاتها الجيدة مع النظامين الأردني والمصري، ومع تحسن علاقاتها مع أنظمة دول الخليج العربي بما في ذلك السعودية وكان لافتا للانتباه أن وزيرة الخارجية الاسرائيلية لم تتورع في اطلاق تهديداتها بشن الحرب على غزة من القاهرة تحديدا وخلال ندوة صحفية عقدتها مع الوزير المصري أحمد أبو الغيط يومين قبل تنفيذه.
كما تعي اسرائيل بعمق الانقسام الفلسطيني المستفحل بين أهم تنظيمين للمقاومة الفلسطينية "فتح" و"حماس" الذي وصل حد الاقتتال بينهما في أكثر من مناسبة، والى ما يشبه اقتسام النفوذ بينهما في الضفة والقطاع، اضافة الى الاتهامات المتبادلة بالتخوين وهو ما يجعلها ـ أي اسرائيل ـ في وضع تستطيع فيه اللعب على حبل التناقضات بينهما واستثمارها لتمرير مواقفها المعادية للفلسطينيين.

ويظهر مدى ضعف وهشاشة الوضع العربي الرسمي في عدم بروز أية مبادرة جدية لإيقاف العدوان، واكتفاء أغلبية الانظمة باصدار بيانات الشجب وارسال المساعدات ذات الطابع الانساني، وعلى أهمية تلك الخطوات بالنسبة للشعب الجريح في غزة، فإن أحوج ما يحتاج اليه الفلسطينيون اليوم هو إيقاف الحملة الجهنمية التي تمطرهم رصاصا جوا وبحرا، تقتل وتروّع وتحرق الأخضر واليابس في منطقة منكوبة أصلا بفعل طول وقساوة الحصار التي يشلها منذ أشهر طويلة.

ومما يزيد في فداحة الخسائر وضعف طاقة احتمال المدنيين، هو ما يتصف به القطاع من كثافة سكانية هي من بين الأعلى في العالم، وضيق المساحة اضافة الى افتقادها لأية مخابئ مهيأة لحماية المدنيين من أذى القنابل والصواريخ التي تطلقها آلة الحرب الاسرائيلية المجهزة بأحدث تقنيات التدمير الشامل.

حركة الشارع العربي وبداية الصحوة ؟

ولكن مع ذلك يبقى الأمل معقودا على فشل الحملة الاسرائيلية بالنظر الى طاقة الصمود الأسطورية لشعب غزة، والذي يستلهم من تاريخ نضاله الطويل ومن الزخم الشعبي غير المسبوق الذي ميّز التظاهرات والمسيرات المساندة له والمتعاطفة مع قضيته والتي شملت كافة البلدان العربية ومدنا عديدة في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية مما يشكل ضغطا كبيرا على القيادات وصناع القرار العرب الذين يمكنهم أن يحزموا أمرهم باتخاذ قرارين أو ثلاثة بامكانها ارجاع القادة المتغطرسين من تل أبيب الى الجادة والايقاف الفوري للعدوان، والعمل لاحقا على تقديم المسؤولين الصهاينة عن جرائم الحرب العديدة المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني الى القضاء الدولي.
وهنا لا بد من الاشارة الى أن مسؤولية استثنائية وجسيمة تقع على كاهل النظام الحاكم في مصر لاعتبارات سياسية وجغرافية وتاريخية لا تخفى على أحد، فسحب السفير المصري من تل أبيب وايقاف تزويد اسرائيل بالغاز المصري وفتح معبر رفح هي اجراءات يمكن أن تقدم عليها مصر في إطار موقف عربي موحد تلتزم فيه كافة الدول العربية بالوقوف الى جانب مصر وشد أزرها في مواجهة أي رد فعل اسرائيلي أو غربي قد يستهدفها.

فهل سيكون القادة العرب ولو لمرة واحدة على موعد مع التاريخ؟

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose